تركيا

عبد الله بوزكورت يكتب: غضب أردوغان من تظاهرات ملايين المصريين ضد حكم مرسي ووثيقة تثبت أوامره لمحطات تلفزة تركية بتغطية تظاهرات رابعة

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء آنذاك، تدخل شخصياً في تغطية شبكة تلفزيونية تركية خاصة للأحداث في مصر في يوليو 2013، وأمر مديرها بتشغيل محتوي وبرامج مواتية لمؤيدي للمعزول محمد مرسي. هذا ما كشفه جهاز تصنت سري راقب اتصالات أردوغان.

كشفت نسخة المحادثة الهاتفية، التي تم التنصت عليها كجزء من تحقيق جنائي في قضية الفساد وشبكة الجريمة المنظمة في تركيا في عام 2013، والتي حصل “المرصد المصري” على نسخة منها، أن أردوغان حاول السيطرة على ما يدور في مصر، حيث حافظ على علاقات وثيقة مع تنظيم الإخوان المسلمين. كما تدخل أردوغان في اليوم الذي تم فيه عزل مرسي من منصبه وسط غياب الدعم من قبل المعارضة، التي اتهمت مرسي بإهدار انتصاره في الانتخابات عام 2012، وتقويض مؤسسات الدولة والسعي فقط لتعزيز قبضته وجماعة الإخوان على مقاليد السلطة. طريقة التدخل كانت من خلال أحد الموالين له الذي زرعه في منفذ إعلامي خاص، أمر أردوغان بالتقليل من شأن الاحتجاجات المناهضة لمرسي في ميدان التحرير في القاهرة، مع التركيز على تظاهرات الإخوان المسلمين في ميدان رابعة. كما جدد طلبه بتغطية تتماشى مع شبكة الجزيرة القطرية، التي تتبع خط سياسة تحريرية مؤيدة للإخوان المسلمين.

وتفصيلاً، وفي 3 يوليو، وتحديداً في الساعة 22:13، اتصل أردوغان بـ“محمد فاتح ساراتش”، كبير مديرين مجموعة ” Ciner Media” التركية الإعلامية، حيث اشتكى أردوغان من تغطية إحدى قنوات المجموعة، ” Habertürk” للأحداث في مصر. وانتقد تصريحات الضيف الذي تمت دعوته إلى برنامج نقاش حول تطورات الأحداث، وطلب منه رئيس الوزراء – آنذاك – استخدام قناة الجزيرة كمصدر ونموذج لكيفية إدارة الحوارات التلفزيونية المتعلقة بالشأن المصري، وقال “ساراتش” إنه سيهتم بمطالب أردوغان على الفور.

تجدر الإشارة أن “ساراتش” هو عضو تركي بتنظيم الإخوان المسلمين، وتم إحضاره لمجموعة “Ciner Media Group” التركية، في 26 ديسمبر من العام 2012، كنائب رئيس مجلس إدارة المجموعة. وذلك بعد إبرام صفقة سرية بين المالك “Turgay Ciner”، وإردوغان. تهدف تلك الصفقة لتسخير السياسة الإعلامية والتحريرية لقنوات المجموعة والصحف ومحطات الإذاعة والمواقع الالكترونية التابعة لها؛ لصالح رئيس الوزراء التركي – آنذاك – وحكومته، في مقابل أن يحصل “Turgay Ciner” على مزايا ومصالح في قطاعات التعدين والطاقة والحصول علي مناقصات الحكومة التركية.

نص التنصت الذي يظهر أردوغان يطلب من مدير محطة تلفزيونية دعم الإخوان المسلمين في مصر:

“لماذا لا تتوجهون لميدان رابعة وتنقلون الصورة والحدث من هناك ومن المسجد والشوارع المحيطة؟” هكذا طلب أردوغان من “ساراتش” تغطية التظاهرات في مصر، ورد “ساراتش” اعتذاراً: “سيدي، تم قطع البث، إنهم لا يبثون”. على ما يبدو غاضبًا من الرد، انتقده أردوغان لعرضه ميدان التحرير في القاهرة، حيث كان الملايين من المصريين يحتفلون بإزالة مرسي.

قال أردوغان: “لا، أنت تواصل عرض ميدان التحرير، فأنت دائمًا تعرض شوارع التحرير“. عندما قال ساراتش إنه لا يستطيع التواصل مع الناس في ميدان رابعة، أمره رئيس الوزراء التركي باستخدام لقطات من الجزيرة. وسخر أردوغان في المكالمة الهاتفية من جموع المصريين الذين احتفوا في ميدان التحرير بعزل مرسي وبالحكومة المؤقتة والجيش المصري.

وعلي الفور قامت محطة ” Habertürk” بتقسيم الشاشة، كما لو كان يظهر كل المسيرات ولكنه وضع احتفالات التحرير عن طريق الخطأ في كليهما، مما أحبط أردوغان أكثر. وزعم ساراتش: “الآن الجانب الأيسر من الشاشة هو ميدان رابعة”، لكن أردوغان اعترض على هذا التأكيد على الفور، قائلاً: “هذا ليس ميدان رابعة”. “ألا ترى، إنهم يطلقون النار على الألعاب النارية هناك في التحرير. فكر في الأمر – هل يتم استخدام الألعاب النارية في ساحة رابعة من قبل جماعة الإخوان المسلمين؟ . قال “ساراتش” أنه سيعتبر طلبات أردوغان أوامر وستنفذها القناة على الفور.

الحلقة النقاشية التي أغضبت أردوغان كثيرا في القناة التركية الخاصة

في المحادثة بين مدير الشبكة التركية وأردوغان، ظهر أيضًا اسم الدكتور أشرف عبد الغفار، أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين المصرية. قال “ساراتش” لأردوغان – الذي يعرفه على ما يبدو – ، “أنا على اتصال بالدكتور أشرف على الفور”. “سيدي ، سوف أحصل على معلومات فقط من د. أشرف وأتصل به. وسأعتبر هذا أمر من أوامرك.

في هذه الحلقة النقاشية، ولفترة من الوقت، دار الحديث حول ضيف الحلقة، “أحمد أراكجا “، أستاذ اللاهوت الذي تحدث عن المشاعر القوية المناهضة لمرسي في القضاء المصري ووسائل الإعلام والسياسة والمجتمع. على الرغم من أنه كان يدافع عن الإخوان المسلمين، كان الضيف يحاول أيضًا إعطاء صورة عادلة نسبيًا للمشهد السياسي والاجتماعي المصري.

 “انظر، هل استمعت إلى ما قاله أراكجا؟”. هكذا سأل أردوغان  معربًا عن استيائه مما قاله الضيف في برنامج النقاش التلفزيوني. وتابع، “أي نوع من الناس هؤلاء؟ حرج عليك!” وقال ساراتش، الذي شعر برعب من غضب رئيس الوزراء، إنه لا يفهم لماذا تحدث الضيف بهذه الطريقة. “قمت باستضافته على التلفزيون ، معتقد أنه رجلنا”. وقال ساراتش في اعتذار، مؤكداً أنه سيطلب على الفور د. أشرف من الإخوان المسلمين في القاهرة لتصحيح هذا الخطأ.

تُظهر تدخلات أردوغان الشخصية في التفاصيل الدقيقة للخط التحريري لتوجيه تغطية شبكة تلفزيونية خاصة في تركيا ضد الحكومة المصرية المؤقتة في ذلك الوقت مقدار استثماره في جماعة الإخوان المسلمين ومدى إحباطه من فوز المعارضة في مصر. كما يؤكد كيف أن أردوغان وإسلامييه السياسيين كانوا مدفوعين بالتعصب الإيديولوجي على حساب مصالح الأمن القومي التركي، الأمر الذي تطلب نهجًا متوازنًا حتى لا يعادي القيادة المصرية.

احتفالات الشعب المصري بعزل مرسي لم تعجب الرئيس التركي وخاصة بعد عرضها

 علي شاشة احدي القنوات التركية الخاصة.

شجعت حكومة أردوغان جماعة الإخوان على الاستمرار في التجمع والتظاهر في الشوارع على الرغم من خطر الاشتباكات. وقال وزير الخارجية آنذاك أحمد داوود أوغلو إن تركيا كانت مع الشعب المصري، في حين دعا حسين جليك ، عضو بارز في حزب العدالة والتنمية في أردوغان، أنصار مرسي للدفاع عن أصواتهم. رفض الرئيس أردوغان حتى يومنا هذا الاعتراف بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحكومته شرعيين. لقد قدم ملاذاً لقيادة الإخوان المسلمين وحول تركيا إلى مركز إقليمي للتنظيم الدولي للإخوان.

محمد فاتح ساراتش

كان ساراتش، الذي تحدث إليه رئيس الوزراء عبر الهاتف، بالإضافة إلى العديد من الأشخاص الآخرين، بمن فيهم نجل أردوغان بلال، مشتبهين في التحقيق في الفساد الذي لاحقه المدعون في اسطنبول وكانوا موضوع أوامر اعتقال صادرة في 25 ديسمبر 2013 من قبل النيابة العامة. ومع ذلك، تدخل أردوغان، ومنع تنفيذ أوامر الاعتقال بشكل غير قانوني عن طريق إصدار أمر إلى الشرطة بتجاهل أوامر المدعي العام. بعد إبعاد المدعين العامين ورؤساء الشرطة الذين شاركوا في التحقيق، تمكن أردوغان من تبييض جرائم زملائه.

تجدر الإشارة أنه تم التصريح على التنصت علي اردوغان من قبل المحكمة الجنائية العليا الثانية في اسطنبول، والتي كانت تنظر في القضايا المتعلقة بالإرهاب. تم منح الترخيص في 29 يونيو 2013 كجزء من ملف التحقيق رقم 2012/656.

عبد الله بوزكورت

مدير مركز نورديك مونيتور السويدي لدراسات الإرهاب والاستخبارات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى