سياسة

صندوق النقد الدولي يخفض توقعاته بشان نمو الاقتصاد العالمي خلال 2020.. مع الإبقاء على توقعات النمو في مصر إيجابية

نشر (صندوق النقد الدولي)  تقريرًا  بعنوان “مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي: أزمة لا مثيل لها وتعافٍ غير مؤكد” بشأن توقعات الاقتصاد العالمي ونمو الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري ليبدو أسوأ من أخر توقعاته الصادرة في أبريل الماضي.

ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد العالمي بنحو 4.9% خلال 2020 بانخفاض تبلغ نسبته 1.9% عن توقعاته في أبريل، وقد أرجع الصندوق سبب هذا التراجع إلى حدة تداعيات فيروس كورونا على النشاط الاقتصادي خلال النصف الأول من العام الجاري. 

و يُمكن القول إن صندوق النقد يتنبأ أن الانتعاش الاقتصادي سيتخذ من حرف الـ”V” شكلًا له بحيث يهبط النمو الاقتصادي إلى مستويات متدنية للغاية ومن ثم سيتعافى سريعًا خلال العام المقبل، وهو ما يُمكن إيضاحه بالشكل الآتي.

الشكل (1): توقعات النمو العالمي خلال 2020-2021

يتضح من الرسم التوضيحي السابق أن الاقتصاد الأمريكي سينكمش بنسبة 8% خلال العام الحالي لينمو بنحو 2.3% خلال 2021، أما عن اقتصاد منطقة اليورو فسوف ينكمش بنحو 10.2% ليتعافى بعد ذلك بحوالي 1.3%، وفي أفريقيا، سينخفض معدل النمو بنسبة 3.2% خلال 2020 ليعاود الارتفاع مرة أخرى في 2021.

وللمرة الأولى، يُتوقع أن تمر كل المناطق بنمو سالب في عام 2020، غير أن هناك فروقا كبيرة بين كل دولة على حدة،  انعكاسًا لتطور الجائحة وفعالية استراتيجيات الاحتواء؛ وتفاوت الهيكل الاقتصادي كالاعتماد على القطاعات شديدة التأثر مثل السياحة والنفط، أو  الاعتماد على التدفقات المالية الخارجية، بما في ذلك تحويلات العاملين في الخارج، فضلًا عن اتجاهات النمو قبل الأزمة. 

وفيما يتعلق بمصر، ثبت صندوق النقد الدولي توقعاته للاقتصاد المصري خلال العام الجاري، ليحقق نموًا اقتصاديًا إيجابيًا بنسبة 2% خلال العامين الجاري والمقبل. وعن باقي الدول، يُمكن الاستعانة بالجدول التالي.

الجدول (1): الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سنويًا

هبوط عميق في 2020 ، وتحسن بطيء في 2021:

يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل النشاط العالمي إلى القاع خلال الربع الثاني من عام 2020 ، ثم ينتعش فيما بعد. وفي 2021 ، من المتوقع أن يرتفع النمو إلى 5,4 %، بانخفاض قدره 0,4% مقارنة مع تنبؤات إبريل الماضي. ومن المتوقع أيضا أن يزداد الاستهلاك بالتدريج في العام القادم وأن يتحسن الاستثمار، وإن ظل منخفضًا نسبيًا. وتشير التنبؤات إلى ارتفاع طفيف في إجمالي الناتج المحلي العالمي لعام 2021 ككل مقارنة بمستواه في 2019، وهو ما يتضح من الشكل التالي.

الشكل (2): إجمالي الناتج المحلي العالمي ربع السنوي

( 2019 : الربع الأول =100)

أزمة كورونا – تداعيات اقتصادية أكثر حدة من المتوقع:

أشارت البيانات المتاحة إلى مرور الاقتصاد العالمي بأزمة غير مسبوقة خلال العام الحالي حيث تفاقمت الجائحة في عدة بلدان واستقرت في أخرى، وخاصة عقب صدور توقعات أبريل 2020، حيث انتشرت العدوى بسرعة في عدد من الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، مما استوجب تطبيق إغلاقات عامة صارمة وهو ما أسفر عن تعرض النشاط الاقتصادي لاضطرابات أكبر من التنبؤات السابقة، ولهذا قرر الصندوق تعديل توقعاته بشأن النمو العالمي بالخفض كما سبق القول.

وفي السياق ذاته، تسببت جائحة كورونا في حدوث هبوط ملحوظ في كلٍ من الاستهلاك والاستثمار وذلك بسبب لجوء المستهلكين إلى الإدخار في وقت الأزمات وحالات الركود، وكذلك خفضت الشركات استثماراتها حين واجهت انخفاضات حادة في الطلب، وتعطيل في سلاسل الإمدادت مع سيادة حالة من عدم اليقين حيال الاقتصاد العالمي. ولا تزال حرية الحركة محدودة مما ألقى بظلاله على أداء النشاط الاقتصادي، وفي هذا الصدد، تشير بيانات حرية الحركة المستمدة من تتبع الهواتف، على سبيل المثال، إلى أن النشاط لا يزال منخفضًا في تجارة التجزئة، والترفيه، وأماكن العمل في معظم البلدان.

وامتدت آثار كورونا بطبيعة الحال إلى التجارة العالمية التي انكمشت بحوالي 3.5% على أساس سنوي خلال الربع الأول مع توقعات بحدوث انكماش أكبر في الربع الثاني في ظل ضعف الطلب وتقييد حركة التجارة الدولية واضطرابات سلاسل التوريد. وعن التضخم، فقد هبط متوسط التضخم في الاقتصادات المتقدمة بنحو 1.3% منذ نهاية 2019 إلى 0.4% بينما تراجع في اقتصادات السوق الصاعدة بحوالي 1.2% إلى 4.2% بسبب هبوط الطلب الكلي، إلى جانب آثار انخفاض أسعار الوقود.

ومع ذكر أسعار الوقود، ينبغي الإشارة إلى توقعات صندوق النقد الدولي بشأن أسعار النفط، فمن المرجح أن يبلغ متوسط أسعار النفط الفورية للبرميل 36.2 دولار أمريكي خلال 2020 و37.5 دولار بحلول 2021، وتشير منحنيات عقود النفط الآجلة إلى توقع زيادة الأسعار بعد ذلك إلى 46 دولارًا، ولكنه يظل دون المستوى المتوسط لعام 2019 بنحو 25 %. 

احتمال انعكاس مسار التقدم في سياسات الحد من الفقر:

تشير الرؤية القاتمة إلى احتمالية أن تترك جائحة كورونا أثارًا حادة على الأسر منخفضة الدخل في أنحاء العالم مما قد يتسبب في زيادة عدم المساواة بدرجة كبيرة. كما يعرض الوباء التقدم المحرز فيما يخص سياسات الحد من الفقر للخطر بعدما انخفضت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع – أي على دخل أقل من 1.90 دولار يوميًا – إلى أقل من 10% في السنوات الأخيرة. ومن المتوقع  أن تسجل أكثر من 90 % من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية معدلات نمو سالبة لدخل الفرد خلال عام 2020. ففي البلدان ذات النسب العالية من العمالة في القطاع غير الرسمي، أدت حالات الإغلاق العام إلى فقدان الوظائف وخسائر في الدخل لأعداد كبيرة من العمال.

الإجراءات المضادة من السياسات قلصت الأضرار الاقتصادية قدر الإمكان:

أوضح تقرير صندوق النقد أن وضع الاقتصاد العالمي الحالي كان يُمكن أن يكون أسوأ مما هو عليه في حالة عدم تطبيق الإجراءات التحفيزية التي اتخذتها بعض الدول منذ بداية الأزمة مثل تقديم الدعم المالي للشركات ومساعدة العاملين الموقوفين مؤقتًا عن العمل، وتوفير قروض ميسرة لبعض المؤسسات من الحيلولة دون حدوث حالات إفلاس على نطاق واسع.

وفي بعض الحالات، أدت الإجراءات السريعة والمبتكرة من جانب البنوك المركزية مثلما فعلت بضعة بنوك مركزية في الأسواق الصاعدة حين أطلقت برامج التيسير الكمي لأول مرة، وبعض البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة التي  زادت من برامج مشتريات الأصول من أجل توفير السيولة النقدية اللازمة والحد من ارتفاع تكلفة الاقتراض.

المخاطر المحيطة بآفاق الاقتصاد:

أخيرًا، أشار صندوق النقد أن هناك حالة من عدم اليقين محيطة بتطور الجائحة؛ حيث يوجد سيناريوهين أساسيين حتى الآن، يتمثل أولهما في احتمالية أن يكون الهبوط الاقتصادي أقل حدة مما تشير إليه التنبؤات إذا عادت الأوضاع الاقتصادية إلى طبيعتها بسرعة أكبر من المتوقعة حاليًا لاسيما في المناطق التي أعادت فتح نشاطها الاقتصادي – كالصين، على سبيل المثال، حيث جاء التعافي في قطاعي الاستثمار والخدمات بحلول نهاية شهر مايو أقوى من المتوقع.  ومن المحتمل أن يؤدي زيادة التفاؤل بشأن تطوير علاج لفيروس كورونا، فمن شأن تطوير لقاح آمن وفعال أن يحسن ثقة المستهلكين كما يمكنه تعزيز نتائج النمو في عام 2021.

وبصورة أعم، يمكن أن تؤدي التغييرات في نظم الإنتاج والتوزيع والدفع أثناء الجائحة إلى إعطاء دفعة فعلية لتطوير أساليب جديدة ابتداءًا من المجال الطبي وصولًا إلى تسريع وتيرة الرقمنة أو التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة.

فيما يوضح السيناريو الثاني؛ أن الوباء قد يتفشى مرة أخرى في الأماكن التي يبدو أنها تجاوزت ذروة العدوى، مما يقتضي إعادة فرض بعض الإجراءات الاحترازية وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي بصورة أسوأ من المتوقع.

وبخلاف مخاطر التطورات السلبية ذات الصلة بالجائحة، يتعرض الاقتصاد العالمي لتحديات إضافية تفرضها التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين على عدة جبهات، والعلاقات المتفككة بين تحالف منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك +). وبالإضافة إلى ذلك، انخفاض معدلات التضخم قبل الأزمة من الأساس وارتفاع الدين العام لاسيما في الاقتصادات المتقدمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى