أوروبا

العنصرية الوجه القبيح لقضية عدم المساواة في المجتمعات الأوروبية

إن عدم المساواة كانت وما زالت سمة من سمات النظام العالمي، ولا يستثنى منها الدول الأوروبية. ففي دراسة تم إصدارها بإبريل 2019 عن قاعدة بيانات الثروة والدخل العالمية الصادرة عن مختبر اللامساواة العالمي التابع لكلية باريس للاقتصاد، والتي تتبعت تطور التفاوت في الدخل في 38 دولة أوروبية من 1980 إلى 2017.

وجدت زيادة عدم المساواة في غالبية البلدان الأوروبية، سواء في الجزء الأعلى أو في الجزء الأدنى من توزيع الدخل، خاصة بين عامي 1980 و2000. فقد نمت ثروة شريحة 1٪ الأعلى دخلًا في أوروبا بأكثر من مرتين أسرع من شريحة ال 50٪ الأدنى، واستحوذوا على 17٪ من نمو الدخل القومي بأوروبا. وشهد الفقر النسبي في أوروبا، ارتفاع من 20٪ في عام 1980 إلى 22٪ في عام 2017. بالرغم من ذلك لا تزال تلك التفاوتات الكبيرة في الدخل أقل وتمددها أقل بكثير في أوروبا مما هي عليه في الولايات المتحدة.

إلا أن أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد في أوروبا وظهور تقارير عن ارتفاع الإصابات والوفيات في صفوف الأقليات العرقية دون غيرها، سلّط الضوء على عدم المساواة الموجه نحو تلك الأقليات، وأتت الاحتجاجات ضد العنصرية في الولايات المتحدة بعد مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة وعنف الشرطة الموجه نحو السود في الولايات المتحدة، ليعزز هذا الغضب في صفوف الأوروبيين ضد تلك العنصرية المتجذرة في مجتمعاتهم. فانتشرت الاحتجاجات المناهضة للعنصرية وعدم المساواة والرافضة للرموز العنصرية والاستعمارية التي جسدتها التماثيل التي تروي هذا التاريخ.

شواهد عدم المساواة تجاه الأقليات في أوروبا

تتعدد شواهد العنصرية وانعكاساتها على حياة الأقليات في الدول الأوروبية، وما يستتبع ذلك من ترسيخ لأوضاع عدم المساواة في توزيع الدخل والخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية المقدمة لهم، وهو ما يؤول في النهاية لجعل أوضاع الأوروبيين من الأصول غير البيضاء في وضع أسوأ مقارنة بالمواطنين البيض.

فقبل تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، نجد أن أصحاب البشرة السمراء في المملكة المتحدة يتعرّضون للوفاة أثناء احتجاز الشرطة لهم بنسب أكثر من الضعفين، وحسب تقييمٍ مستقلٍ لأعداد المتوفين في عهدة الشرطة بين 1990 و2009، تبيّن أن 16% من الذين توفّوا تحت وطأة استخدام القوة هم أصحاب بشرة سوداء، ما يفوق ضعفي تلك النسبة بين المعتقلين من أصول أخرى. وكذلك أظهرت تكتيكات الإيقاف والتفتيش استهداف الشباب السود بشكل غير متكافئ، وهذا واقع لا تُنكره وزارة الداخلية. 

كذلك وُجد أن النساء السود في المملكة المتحدة أكثر عرضة للوفاة أثناء الحمل بخمس مرات من النساء البيض، في حين أن النساء الآسيويات أكثر عرضة للوفاة مرتين. وأظهرت دراسة بريطانية نُشرت في يناير الماضي أن المرضى الآسيويين المصابين بالخرف كانوا أقل عرضة بنسبة 14٪ لوصف أدوية مفيدة لمكافحة الخرف مقارنة بالمرضى البيض.

ويجد هذا التحيز صداه لدى الرأي العام بالمملكة المتحدة، ففي عام 2014، أظهر استطلاع رأي للمواقف الاجتماعية أن أكثر من 30% من البريطانيين يعترفون على الملأ بأنهم متحيّزون “قليلاً”. وفي 2017، أجرت شركتا “ناتكين” و”رانيميد تراست” استطلاعًا كشفتا فيه أن 44% من البريطانيين يعتقدون أن بعض الأعراق تُولد أكثر صلابةً وقدرةً على العمل الشّاق من غيرها، و18% يعتقدون أن بعض الأعراق تُولد أذكى من غيرها.

وتظهر تلك العنصرية في ربوع الدول الأوروبية المختلفة الأخرى، فقد قدمت وكالة مكافحة التمييز الاتحادية (ADS) بألمانيا يوم (9 يونيو) تقريرها السنوي للمرة الثانية منذ عام 2018 بشأن طلبات المشورة التي تلقتها بشأن حوادث التمييز. ووجدت أنه في عام 2019، كان نحو ثلث الطلبات التي تلقتها يتعلق بالتمييز على أساس الأصل العرقي، مما أدى إلى زيادة بنسبة 10٪ في حالات التمييز العنصري مقارنة بالعام السابق.

وفي بلجيكا، يُرجح أن يكون الأوروبيون من أصل أفريقي عاطلين عن العمل بأربع مرات أكثر من البلجيكيين البيض، على الرغم من كونهم أكثر تعليمًا في المتوسط​​، ويقول 80% أنهم كانوا ضحايا للتمييز. ووجد مسح عام 2019 للسود الذين يعيشون في أوروبا أن 30% من المستجيبين تعرضوا لمضايقات عنصرية في السنوات الخمس السابقة، وقال 5% أنهم تعرضوا للاعتداء الجسدي، وأبلغ 14 % فقط عن وقوع حادث للسلطات، خوفًا من الشرطة أو لأنهم لم يعتقدوا أنه سيغير أي شيء.

وفى فرنسا، وجد مسح شمل 5000 شاب من أصل أفريقي أو عربي أجراه مجلس أوروبا أن احتمال إيقافهم 20 مرة من قبل الشرطة أكثر من الفرنسيين الأخريين. وينصرف هذا التنميط والتحيز حتى في التمثيل داخل المؤسسات الحاكمة، وأحد الأمثلة على ذلك أنه يوجد فقط 24 من 705 نائب بالبرلمان الأوروبي هم من السود والآسيويين، على الرغم من أنهم يمثلون حوالي 10٪ من سكان الاتحاد الأوروبي.

أما فيما يخص أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد، وجد المركز الوطني للتدقيق والبحوث في العناية المركزة بالمملكة المتحدة أن ثلث المرضى الذين يحتاجون إلى دعم التنفس في العناية المركزة والذين ثبتت إصابتهم بالفيروس كانوا من غير البيض. وتشير البيانات التي نشرها مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) في أوائل مايو إلى أن السود في إنجلترا وويلز في ذلك الوقت كانوا أكثر عرضة للوفاة من وباء كوفيد 19 بأربع مرات.

وأضافت مسوّدة الوثيقة التي أعدّتها “هيئة الصحّة العامّة في إنجلترا”، في خلاصاتها بأن “التأثير غير المتكافئ لوباء كوفيد-19 في مجتمعات السود والآسيويّين والأقليّات العرقية الأخرى في المملكة المتّحدة، يمكن تفسيره بعددٍ من العوامل التي تتفاوت بين عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والعنصرية والتمييز، ووصم هؤلاء بالعار، والمخاطر المهنية التي يتعرضوا لها باعتبار أن أغلبهم يعملوا في وظائف الصف الأول في التعامل مع الفيروس (في المتاجر ووسائل النقل، وفي القطاع الصحي والرعاية الاجتماعية).

وفي السويد، أظهرت بيانات الصحة العامة أن السكان الصوماليين المهاجرين في البلاد، الذين هم أكثر عرضة للعيش في أسر مزدحمة ويحتفظون بوظائف أساسية، يشكلون عددًا غير متناسب من ضحايا وباء كوفيد 19.

لماذا إذن الاحتجاجات في وجه العنصرية بأوروبا أكثر خفوتًا من الولايات المتحدة

ليس للقارة سجل حافل عندما يتعلق الأمر بمعالجة العنصرية أو حتى الاعتراف بوجودها. على الرغم من انتشار التنميط العنصري ووحشية الشرطة والتمييز ضد المواطنين غير البيض في أسواق العمل والإسكان، إلا أنها لم تشهد حركة مدنية قادرة على إحداث تأثير على المجال السياسي.

وبالمقارنة مع حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، فإن تاريخ أوروبا من النشاط المناهض للعنصرية قصير. على الرغم من عدد من الحركات الاحتجاجية واسعة النطاق، إلا أنها لم تخترق التيار السائد أو تفرض تغييرًا سياسيًا دائمًا.

وتم إرجاع ذلك لعدد من العوامل، وضّحها عدد من الباحثين السياسيين في كتاباتهم المختلفة، أبرزها: 

التعامل التاريخي المتباين، فتاريخ أوروبا في التعامل مع الأقليات العرقية يختلف تمامًا عن تاريخ الولايات المتحدة. فقد صدرّت الدول الأوروبية نظرتها الاستعلائية وفصلها العنصري لمستعمراتها في الخارج، الذي جلبت إليها المستعبدين كعمالة رخيصة للعمل في تلك المستعمرات، واستتبعتها بنظام قانوني يفصل بين السادة والعبيد في مستعمراتها الخارجية لضمان استمرارية مكاسبها.

إلا أنه في معظم أوروبا ذاتها، على عكس الولايات المتحدة، لم يتم وضع نظام للتمييز القانوني يستهدف صراحة الأشخاص من الأصول المختلفة، مثل قوانين جيم كرو بالولايات المتحدة. نظرًا لأن معظم الهجرة من أفريقيا إلى أوروبا تعد حديثة نسبيًا، أغلبها بدءًا من الستينيات. 

وكذلك أن النظم القانونية في الدول الأوروبية تختلف عن نظيرتها في الولايات المتحدة بمسألة الحق في حمل السلاح، ما يجعل طبيعة المواجهات بالمجتمع أقل فتكًا وأخف وطأة من تلك الموجودة بالولايات المتحدة، مما يخفف من حدة الاستقطاب والتحفز ضد المواطنين والشرطة.

تعمّد المعالجة الفردية، تعمد بعض الدول الأوروبية في نظرتها لقضية العنصرية، للتعامل معها كسلوك فردي، فوفقًا لـIlke Adam  الأستاذ في الجامعة الحرة ببروكسل، “المشكلة هي أن العنصرية لا تزال ينظر إليها على أنها سلوك فردي سيئ، وليس مشكلة هيكلية”. تلك الرؤية التي تجعل معظم الحكومات الأوروبية لا تجمع بشكل منهجي بيانات حول كيفية تأثير عرق الشخص على فرصه في العمل أو في سوق الإسكان أو علاجه في الرعاية الصحية أو تفاعله مع الشرطة.

الراوية الإعلامية الأوروبية، إن أغلب وسائل الإعلام الأوروبية غير معتادة على الحديث عن التمييز ووحشية الشرطة كوسائل الإعلام الأمريكية، التي غالبًا ما تتعرّض لتلك الأحداث. وعليه فقد كونت كل تلك الوسائل تراكمها ومعالجتها المبنية على توجهاتها من تلك الأحداث. بعكس أغلب وسائل الإعلام الأوروبية التي تنجذب لنقل أعمال الشغب والاحتجاجات العنيفة ضد الشرطة، باعتبارها خارجة عن المألوف، حتى لو أتت تلك الاحتجاجات ضد تعرّض أحد أفراد الأقليات للعنف المؤدي للوفاة على يد أحد أفراد الشرطة، مما يحفز الشعب ضد تلك الاحتجاجات، باعتبارها مهددة للاستقرار ومزعزعة للأمن. ما يؤدي في النهاية لفقدان المحتجين لشرعية مطالبهم وعدم تعاطف المواطنين مع تلك المطالب.

ويتوافق هذا التفسير مع ما توصّل إليه الباحث السياسي بجامعة برينستون عمر واسو، في دراسته الصادرة بشهر مايو من العام الجاري في مجلة العلوم السياسية الأمريكية، عن الاحتجاجات المدنية في الستينات بالولايات المتحدة. التي وضّحت للدور الهام الذي تلعبه وسائل الإعلام، فعندما ظل المتظاهرون في الستينيات سلميين، وخاصة في مواجهة العدوان والعنف، تعاطف المواطنين معهم، بل انعكس ذلك في تصويت الولايات التي شهدت احتجاجات غير عنيفة للحزب الديمقراطي باعتباره المتبني لقوانين الحقوق المدنية.

ولكن عندما تحول المتظاهرون أنفسهم إلى العنف حتى في حالة الدفاع عن النفس تحولت الرسالة الإعلامية من تأطير حول الحقوق المدنية إلى رسالة حول الحاجة إلى السيطرة، وهو ما جعل هذه الاحتجاجات في النهاية تكون السبب في فوز المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون، على المرشح الديمقراطي هوبير همفري، المؤلف الرئيسي لقانون الحقوق المدنية لعام 1964، في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر، بسبب حملته القانون والنظام القائمة على التصدي لتلك الاحتجاجات.

أبرز مواقف المراجعة الرسمية للاحتجاجات الأخيرة بأوروبا

حاولت الحكومات الأوروبية احتواء تلك الاحتجاجات بردود أفعال سريعة. فأزالت مدينة أنتويرب ببلجيكا تمثال لملك بلجيكا ليوبولد الثانى. وفي المملكة المتحدة أعلن عمدة لندن صادق خان عن مراجعة لمعالم العاصمة وتعهد بزيادة تمثيل الأقليات السوداء والعرقية في المجال العام، بما في ذلك أسماء الشوارع والساحات العامة والجداريات. ومنعت السلطات الفرنسية الشرطة من استخدام أسلوب الخنق لتنفيذ الاعتقالات، قائلة إن تلك الطريقة لن يتم تدريسها في مدارس الشرطة بعد الآن.

وأيد أعضاء البرلمان الأوروبي يوم الجمعة الموافق 19 يونيو، قرارًا يدعو الاتحاد الأوروبي إلى الاعتراف بتجارة الرقيق بأنها “جريمة ضد الإنسانية”، وجعل 2 ديسمبر “يوم أوروبي لإحياء ذكرى إلغاء تجارة الرقيق”. وبالرغم من أن القرار ليس ملزمًا، ولكنه يهدف إلى الضغط على الحكومات الأوروبية لاتخاذ إجراءات ضد العنصرية. وبذلك القرار أصبح البرلمان “أول مؤسسة دولية تعلن أن التجارة والعبودية عبر الأطلسي” جريمة ضد الإنسانية “.

ويضيف القرار أن الاحتجاجات العالمية “أدت إلى استرجاع الماضي الأوروبي الاستعماري ودوره في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي”. كما أوصت بإدخال “تاريخ السود والأشخاص الملونين” في المناهج المدرسية وعقد “قمة أوروبية مناهضة للعنصرية حول مكافحة التمييز الهيكلي في أوروبا”.

وبالرغم من تلك التحركات وغيرها، ولكنها تظل محدودة في ظل تلك المشكلة الهيكلية، التي تعهد أغلب القادرة الأوروبيين بالسعي لمعالجتها. لذا تظل تلك الاستجابات هي البداية فقط …

في الختام تكمن مشكلة العنصرية في ترسيخها لمشكلة ما تم وصفه “بشرك عدم المساواة”، وهو توريث التمييز ضد جماعة بعينها على أساس النوع الاجتماعي، أو الانتماء العرقي، أو الثروة، وجميعها عوامل لا دخل للأفراد في تحديدها، فجميعها موروثة من الآباء والأجداد. وما يترتب عليه من ممارسة التمييز السلبي ضد تلك الجماعات، الذي يجعلها تعيش في دائرة مفرغة من التهميش والفقر والجهل، يتم نقلها من جيل لجيل، بما يجعل قدرتها على تطوير أوضاعها شبه مستحيل. 

وبالرغم من الإشارة سابقًا أن عدم المساواة قضية ضاربة في جذور التاريخ الإنساني، إلا أنها اليوم أصبحت أحد أهم الدوافع لعدم الاستقرار السياسي، وتراجع الثقة السياسية في الدول الغربية وبخاصة بعد الأزمة المالية العالمية 2008\2009. وأصبحت الدافع الرئيسي والشرارة للموجات الاحتجاجية المختلفة حول العالم منذ ذلك الوقت، لذا فمراجعتها ومحاولة التغلب عليها أصبح من ضمن الأهداف الرئيسية على أجندة أغلب الدول والمنظمات الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى