العراق

بغداد وواشنطن.. حوار استراتيجي ملغم بصراعات النفوذ

انطلقت يوم الخميس 11 يونيو الجاري أولى جولات الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق الذي دعا إليه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في 7 أبريل الماضي. وهو الحوار الذي يهدف من خلاله البلدان إلى بحث كل ما يخص علاقاتهما، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، والتوصل إلى مفردات ومحددات جديدة لهذه العلاقات، بعد فترة من الشد والجذب بين البلدين على إثر عملية الاغتيال الأمريكية لقائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقية أبو مهدي المهندس في بغداد مطلع العام الجاري، والتي جعلت العراق أرضًا خصبة للمعركة بين واشنطن وطهران.

خلُصت الجلسة الأولى حسب البيان المشترك الذي صدر عن البلدين إلى تأكيد واشنطن على احترام سيادة العراق، وتأكيدها أنه في ظل التقدم بشأن التخلص من تهديد تنظيم داعش الإرهابي فإنها ستواصل خلال الأشهر المقبلة تقليص عدد قواتها الموجودة في العراق، والحوار مع الحكومة العراقية حول وضع القوات المتبقية وحيث يتجه تركيز البلدين صوب تطوير علاقة أمنية طبيعية تقوم على المصالح المشتركة، مشددة على عدم سعيها إلى إقامة قواعد دائمة أو وجود عسكري دائم في العراق. ذلك فضلًا عن الدعم الاقتصادي الأمريكي لبغداد وبحث الاستثمارات الجديدة التي ستضخها واشنطن، ودعم جهود الحكومة الجديدة لإجراء انتخابات. وهو ما وصفه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بأنه إنجاز عراقي كبير.

حوار مع حكومة جديدة ذات أهداف متشابكة

رغم أن الحوار تم التنسيق بشأنه قبيل مجيء مصطفى الكاظمي رئيسًا لوزراء العراق، فإن الحوار أخذ طابعًا مختلفًا مع تشكيل الحكومة الجديدة التي جاءت بعد عملية طويلة من المشادات والخلافات منذ استقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي في ديسمبر من العام الماضي. الكتل النيابية التي توافقت على اختيار الكاظمي لرئاسة الحكومة ووافقت أخيرًا على تشكيلته تراهن عليه لتنفيذ قرار البرلمان الذي صدر في يناير الماضي بإخراج القوات الأجنبية من العراق، وقد يكون هذا الأمر أحد الأمور التي تم التوافق بشأنها بين الكاظمي والكتل النيابية، ولا سيّما الشيعية منها التي تميل لطهران، وخاصة كتلة الفتح برئاسة هادي العامري.

زيارة قاآني لبغداد تتوج بالتوافق على الكاظمي | MEO

وفي الوقت ذاته يراهن العراقيون الذين خرجوا في انتفاضة بدأت في أكتوبر 2019 على الكاظمي في تحسين أحوالهم المعيشية والاقتصادية المتدنية والتي خرجوا من أجلها في المظاهرات التي أدت إلى استقالة عبد المهدي، وبالتالي فإن حوار الكاظمي مع واشنطن حمل في طياته كلا الهمّين السياسي والأمني من جانب، والاقتصادي من جانب آخر. الرجل الذي عُرف عنه إبان فترة تولية رئاسة المخابرات العراقية علاقاته الجيدة باللدودين واشنطن وطهران، حاول توظيف ذلك في الخروج بنتائج يستطيع تسويقها لدى كل من الكتل السياسية والمواطنين العراقيين، دون الميل التام لواشنطن تحت وطأة الإغراءات الاقتصادية ومكافحة داعش، أو الميل التام لإيران بفعل ضغوط الكتل والميلشيات الشيعية. خاصة وأن نتائج هذا الحوار ستترتب عليها ملامح السياسة العراقية في المستقبل القريب.

ويمكن القول إن الكاظمي نجح في ذلك نسبيًا، إذ استطاع انتزاع موافقة يمكن وصفها بالمبدئية من الولايات المتحدة بتقليص وجودها العسكري في العراق وعدم وجود قواعد عسكرية دائمة لها، وهو ما يتماشى في الأساس مع رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخفض الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو بذلك يرضي الكتل النيابية التي دعمته، ويعلن لطهران في الوقت ذاته أن لن يقطع الصلة معها،

 إلا أن واشنطن قد ربطت ذلك بالتقدم المُحرز في القتال ضد تنظيم داعش، وبالتالي فإن الأمر لا يعدو كونه تفاهم أولي، قد يتغير في أي وقت إذا تغيرت طبيعة النشاط الإرهابي لتنظيم داعش على الأرض العراقية، في وقت بدأ فيه داعش بالفعل في تكثيف نشاطه من جديد في العراق وفي البادية السورية.

كما استطاعت حكومة الكاظمي خلال جلسة الحوار الأولى أن تطمئن العراقيين الطامحين إلى مستقبل اقتصادي أفضل لبلدهم، وذلك من خلال الاتفاق المبدئي أيضًا مع واشنطن على ضخ استثمارات جديدة لشركات أمريكية في قطاع الطاقة والقطاعات الأخرى، إضافة إلى توفير مستشارين اقتصاديين للعمل مباشرة مع حكومة العراق للمساعدة في تعزيز الدعم الدولي لجهود الإصلاح في العراق. وبذلك قد يكون العراق حقق –على الورق-  ما هدف إليه من خلال جلسة الحوار الأولى.

واشنطن وصراع النفوذ على أرض العراق

منذ مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في يناير من العام الجاري في بغداد أصبح العراق هو مسرح عمليات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، إذ شهدت أرضه عمليات يمكن وصفها بالرد الإيراني على عملية اغتيال سليماني، وخاصة العمليتين الأكبر وهما استهداف قاعدتي عين الأسد وأربيل واللتين توجد بهما قوات أمريكية وأجنبية أخرى في 8 يناير الماضي.

ولا يمكن اختصار الصراع الأمريكي الإيراني في العراق في هذه الضربات، فصراع واشنطن وطهران في بغداد ممتد منذ الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، والذي عُدّ تسليما من واشنطن لمقاليد أمور الحكم في بغداد إلى طهران، وها هي الولايات المتحدة تحاول الآن استعادة هذا النفوذ من جديد، بعد أن ترسخ النفوذ الإيراني هناك لسنوات.

أمريكا وإيران في العراق.. البراجماتية المتبادلة تترنح (قراءة ...

وبالإضافة إلى ذلك فإن استعادة النفوذ الأمريكي في العراق جزء رئيس من خطة واشنطن لإحكام الطوق على إيران في المنطقة، ضمن سياسة الضغط الأقصى التي يتبعها ترامب ضد الجمهورية الإسلامية، ولذلك كان من اليسير على الإدارة الأمريكية أن تعطي حكومة الكاظمي ما تريد من اتفاق مبدئي على سحب القوات الأمريكية وتقليص وجودها إلى أدنى درجة وفقًا لتطورات الحرب ضد داعش، إذ تهدف من هذه الخطوة التي قد تُرى بأنها انتصار لطهران وميلشياتها في العراق إلى اجتذاب ثقة حكومة الكاظمي وتساوي كفة واشنطن لديها أمام كفة طهران التي تعتمد على بغداد كمرتكز أساسي في استراتيجيتها لبسط نفوذها في المنطقة والمعتمدة على دعم الميلشيات والسيطرة بها على مقاليد الأمور في الدول، على غرار حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، وهي التجربة التي لم تتحقق حتى الآن بصورة كاملة عن طريق قوات الحشد الشعبي في العراق.

صراع النفوذ الذي يواجه واشنطن في العراق لا يتوقف عند استراتيجية إيران التوسعية، بل يأتي أيضًا من الخصوم التقليديين للولايات المتحدة وهما روسيا والصين اللتين لم تغفل أعينهما أهمية العراق في منطقة الشرق الأوسط، وما يمكن لكل من القوتين الاستفادة به من بغداد. وقد أشار تقرير لمؤسسة راند الأمريكية المقربة من دوائر صنع القرار في البيت الأبيض إلى أن المنافسة مع الصين وروسيا أصبحت تهيمن على مناقشات السياسة والاستثمارات والأعمال في واشنطن، فقد تسارعت استثمارات الصين وروسيا في الشرق الأوسط وتحديدًا في العراق.

تسعى روسيا للسيطرة على مشتريات الأسلحة العراقية من أجل زيادة عائداتها ونفوذها في العراق. وتعتمد الصين على إمدادات ثابتة من النفط الخام الخفيف في البصرة، وينظر القادة الصينيون إلى العراق كجزء من مبادرة الحزام والطريق التي يعولون عليها لضمان النمو الاقتصادي الصيني وتحسين حضور بكين العالمي.

وبناء على ذلك لا يمكن لواشنطن بأي حال من الأحوال أن تتخلى عن نفوذها في العراق لأن ذلك قد يعرض مصالح الولايات المتحدة وصورتها ونفوذها في الشرق الأوسط إلى الخطر. ولذلك كان طرح ورقة استثمارات الشركات الأمريكية في العراق حاضرًا في جلسة الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد.

إجمالًا، تُعدُّ الجلسة الأولى للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق التي تمت في 11 يونيو الجاري خطوة في طريق طويل سيسلكه البلدان لترسيم ملامح علاقاتهما في الفترة المقبلة، يحاول منه العراق الخروج بأكبر قدر من المصالح والنجاحات على الصعيد السياسي من خلال دعم الحكومة الجديدة أمام رياح الكتل المتقلبة ودعم خطتها للانتقال السياسي في العراق، وعلى الصعيد العسكري باستمرار تدريب الجيش العراقي والمساندة في القتال ضد تنظيم داعش الآخذ في العودة بقوة إلى الساحة، وعلى الصعيد الاقتصادي بضخ المزيد من الاستثمارات ودعم الإصلاح الاقتصادي في العراق الذي يعاني من تبعات عقود من إهمال الخدمات، فضلًا عن المعاناة على إثر انهيار أسعار النفط وتبعات أزمة فيروس كورونا المستجد. 

أما الولايات المتحدة فتدرك جيدًا أهمية استمرار وجودها في العراق في هذه المرحلة، ولذلك فمن المستبعد أن يتحقق الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق؛ فهذا الانسحاب إن تحقق سيُعدُّ إيذانًا لإيران بأن تضع اللمسات الأخيرة لخطتها في العراق، وهو ما لن تتحمل واشنطن عواقبه في منطقة الشرق الأوسط كلها. ويظل أمر القوات الأمريكية معلقًا على ما سيبين عنه تنظيم داعش في الأيام المقبلة، ومدى قدرة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على إقناع الكتل النيابية والميلشيات الشيعية بأهمية ما تحقق في هذا الحوار، خاصة وأن رد الميلشيات على الحوار كان واضحًا برفضه، متجليًا في قصفها أكثر من مرة للمنطقة الخضراء ومعسكر التاجي الذي يضم بعض قوات التحالف الدولي ضد داعش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى