الأمريكتان

الولايات الكونفدرالية.. تاريخ الحرب الأهلية الأمريكية

في القرن التاسع عشر، وبينما تنهي الثورة الصناعية الأولى أعمالها بنجاح، وتبدأ مختبرات الرأسمالية العالمية في إنتاج آلات وتقنيات سوف تُعنون لاحقًا باعتبارها الثورة الصناعية الثانية وهى حقبة ما بين عامي 1870 وبدء الحرب العالمية الأولى عام 1914، كانت الشركات العالمية والمصالح الاقتصادية التي تحكم عمليًا النظام العالمي أمام مشكلة ضخمة، ألا وهى الأيدي العاملة الرخيصة تحت مسمى الرق أو العبودية، تلك الأيدي العاملة التي تجعل أرخص تقنية أو آلة في العالم وقتذاك باهظة الثمن مقارنة بشراء بضعة عبيد سود واستخدامهم مدى الحياة، وفي نفس الوقت فإن الأيدي العاملة لا تنتج بكثافة الآلة، وبالتالي فإن استمرار تلك الأيدي العاملة معرقل لتمدد أرباح الرأسمالية العالمية.

ونظرًا لأن شبكات المصالح الغربية تلك لا تفصح أبدًا عن أجندتها، بل تستخدم أدوات سياسية واقتصادية وفكرية، نشأت في القرن التاسع عشر حركة حقوقية ضخمة تدعو إلى تحرير العبيد وإلغاء الرق. وللمفارقة فإن الرأسمالية الدولية التي غزت أفريقيا والقارة الأمريكية الجديدة واستعبدت السكان الأصليين لأمريكا وجلبت العبيد من أفريقيا إلى أوروبا ثم المستعمرات الأمريكية، هي التي قادت لاحقًا ومولت حركات تحرير أحفاد العبيد الأوائل بعد أن انتهى الغرض منهم، وأصبح استخدامهم الرخيص يعرقل تمدد وشراء العالم للآلات الصناعية الضخمة.

دائمًا ما يكون قناع الإنسانيات والتحرير والحرية هو القناع المستخدم لأجندة النظام العالمي، وللمفارقة فإن أكثر دولة عارضت تحرير العبيد كانت الجمهورية الجديدة في القارة الأمريكية التي استطاعت أن تتحول إلى لاعب رئيس في نطاقها الجغرافي، ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية.

الصراع في الولايات المتحدة اندلع ما بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي، حيث كانت الرأسمالية الصناعية في الشمال تريد التخلص من العبيد والرقيق، واستبدالهم بالمصانع العملاقة، لأن تلك المصانع تنتج بصورة أسرع وأتقن من العنصر البشري، على أن يتحول العنصر البشري إلى عامل في المصنع بدلًا من أن يكون بديلًا للمصنع، كما حدث لاحقًا وحتى اليوم في عصرنا الحالي.

بينما  رفض الإقطاع الريفي وملاك الأراضي في الجنوب الزراعي الأمريكي الزحف الرأسمالي التكنولوجي ابن الثورة الصناعية الأولى، وإرهاصات الثورة الصناعية الثانية التي اختارت أن تكون الولايات المتحدة هي أشرس جبهاتها، وبدأت مناقشات مجتمعية عنيفة بين مثقفي وساسة الشمال والجنوب، ما بين مثقفي الشمال المتحدثين دائمًا عن الإنسانية الخلابة المعذبة في الجنوب والحداثة الأوروبية التي يجب على الولايات المتحدة أن تلحق بها بل أن تسيطر عليها وتتسيد النظام الرأسمالي العالمي وأن تحتضن شبكات المصالح الغربية داخل الأراضي الأمريكية -وهو ما حدث حرفيًا بعد ذلك- بينما تحدث مثقفو الجنوب عن نظام التعايش بين ملاك الأراضي والعبيد وأن نظام الرق لا يعني إذلالًا للعاملين في تلك الأراضي والبيوت وأن هنالك مئات النماذج لعبيد سود لا يريدون “الإنسانيات المزعومة” و”خطاب المنظمات الحقوقية المشبوهة” للثورة الصناعية الجديدة.

وبدا واضحًا أمام النظام العالمي أن إلغاء الرق في الولايات المتحدة لن يكون قرارًا سهلًا، يصدره الكونجرس في جلسة مشتركة وسط احتفال شعبي بهيج، وأن الامر بحاجة إلى قرار سيادي صعب، من رئيس يقف خلفه الجيش والدستور والكونجرس، والأهم أن يتحد المجتمع الدولي خلف هذا الرئيس.

الولايات المتحدة دولة هشة ينهشها فيروس الانفصال

الصراع السياسي بين الولايات الشمالية والولايات الجنوبية أدى إلى انهيار الأحزاب السياسية في أمريكا وصعود أحزاب جديدة، انهار الحزب اليميني، وحزب اللاادرية Know-Nothing Party الذي كان يعارض هجرة المسيحيين الكاثوليك للولايات المتحدة على اعتبار أن أمريكا هي مملكة الإنجيليين بعد أن أفسد الكاثوليك مملكة الرب في روما وعموم أوروبا.

ونشأت في تلك الحقبة الأحزاب الأمريكية التي نعرفها حتى اليوم، حزب الاتحاد والحزب الحر والحزب الجمهوري، ولاحقًا انشق الحزب الديمقراطي عن الحزب الجمهوري وشكلا الثنائية الحزبية الحاكمة للولايات المتحدة الأمريكية منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

وسط تلك الفوضى السياسية، بحث زعماء الولايات الشمالية عن سياسي لديه كاريزما ومؤمن بالخطاب الحقوقي والإنساني لتحرير العبيد، وكانت ضالتهم في المحامي إبراهام لينكولن، رغم سجل فشله الكبير إلا أن ساسة الشمال رأوا في فشله درعًا ضد استقلاله عن شبكات مصالح الولايات الشمالية.

لينكولن (1809 – 1865) ابن ولاية كنتاكي، ينطق اسمه لينكن، ورث العمل في القانون والمحاماة عن والده أستاذ القانون، ونشط في أوساط حزب اليمين/الحزب اليميني Whig Party، ودخل مجلس النواب لمدة عامين فحسب، 24 شهرًا، فشل فيهم في ترك بصمة سياسية أو حزبية أو برلمانية، ما بين مارس 1847 ومارس 1849، وحاول الظفر ببطاقة الترشح لمجلس الشيوخ وفشل.

فالصو | ذكرى إعلان الرئيس الأمريكى "لينكولن" بإلغاء العبودية فى ...

لعب لينكولن في شبابه دور الناشط الحقوقي، عارض الحرب الأمريكية المكسيكية وعارض الرئيس جيمس بولك بسبب شنه تلك الحرب، ولكن الولايات المتحدة انتصرت ما جعلت شعبية لينكولن في ولايته الوحيدة بالكونجرس وفى دائرته الانتخابية في أسوأ أحوالها، فانسحب أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر من العمل السياسي وعاد لممارسة المحاماة بعد تجاربه السياسية الفاشلة، علمًا بأن الحرب الأمريكية المكسيكية (1846 – 1848) حافظت على استقلال جمهورية تكساس وحمت جمهورية كاليفورنيا، ما مهد لاحقًا لطلب انضمام الجمهوريتين للولايات المتحدة واليوم تكساس وكاليفورنيا ولايتين من ثلاث ولايات – الثالثة هي نيويورك – تنفق على كامل الجمهورية الأمريكية وتصنع مجد الولايات المتحدة العالمي.

وكانت معارضة إبراهام لينكولن للحرب الأمريكية على المكسيك من أبرز أسباب انهيار وتفكك واندثار حزب اليمين الذي كان جزءًا من الطبقة السياسية الحاكمة في أمريكا وأخرج للبيت الأبيض أربعة رؤساء.

صناعة أسطورة إبراهام لينكولن

التقط زعماء الولايات الشمالية لينكولن من فشله، على ضوء خطاباته السياسية التي ألقاها في الكونجرس خلال الـ 24 شهرًا، رسخ فيها لينكولن أنه رجل صاحب أسلوب خطابي مميز وحداثي عمن حوله، وكاريزما وأفكار حقوقية ضد العنصرية بحاجة إلى من يدعمها.

هكذا وجد المحامي الشاب من يدعمه للعودة إلى مجتمع واشنطن والنخبة الأمريكية مرة أخرى، وكانت التوصيات واضحة للمحامي الشاب بأن يركز تلك كاريزما وخطابته في ملف إلغاء الرق وعدم النقاش في أمور أخرى تمهيدًا لدور قادم في الطريق، وتم إهداؤه عضوية الحزب الجمهوري الجديد والاهتمام بأخباره وأحاديثه عبر الصحف، رغم أنه لم يكن مفكرًا أو مثقفًا أو وزيرًا أو حتى عضوًا في الكونجرس بل سياسيًا فشل في الحفاظ على مقعده في مجلس النواب، وفشل في الظفر بمقعد في مجلس الشيوخ بل وتسبب في انهيار حزبه العريق!

ومع حلول عام 1860، أصبح لينكولن نجمًا لامعًا في الحزب الجمهوري، وللمفارقة فإن الجناح المتشدد داخل الحزب كان يراه متسأهلا مع الولايات الجنوبية التي يجب قمعها بشدة، ولكن لينكولن كان يرى أنه يجب وأد الأزمة وإنهاء دعوات انفصال الجنوب التي راحت تتصاعد.

وكان رأى لينكولن هو الذي جعل النظام العالمي يراه رجل المرحلة، إذ لا يريد النظام العالمي رجل حرب يمحو الجنوب الأمريكي من الوجود، ولكن رجل سياسة يفتح الجنوب الأمريكي أمام الثورة الصناعية، رجل مصالحة سياسية ووطنية، لذا في صيف عام 1860 وبتوصيات دولية من الشبكات الرأسمالية والمصالح الاقتصادية الغربية التي تقود النظام العالمي، اعتمد الحزب الجمهوري إبراهام لينكولن المغمور سياسيًا باستثناء خطاباته الكاريزمية ليصبح مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة في 6 نوفمبر 1860.

تحولت انتخابات نوفمبر 1860 إلى حرب أهلية عبر صناديق الاقتراع، تمهيدًا للحرب العملية على الأرض، منافس لينكولن لم يكن إلا جون بريكنريدج من حزب الجنوبيين الديموقراطيين Southern Democrats ، أي أن الانقسام الأمريكي وصل إلى أن مرشح الولايات الشمالية يواجه مرشح الولايات الجنوبية في محاصصة مناطقية تقوم أمريكا اليوم بتصديرها إلى دول العالم تحت مسمى الديموقراطية والفيدرالية كما فعلت الإدارة الأمريكية للعراق وأفغانستان، إضافة إلى مباركة الإدارات الأمريكية في عشرينيات وأربعينيات وتسعينيات القرن العشرين لاتفاقيات المحاصصة الطائفية في لبنان.

انتخابات الرئاسة نوفمبر 1860 قد تحولت إلى معركة صفرية، بمعني أنه لو فاز جون بريكنريدج فإنه سوف يلغى كافة القوانين الداعية لإلزام الولايات الأمريكية بإلغاء الرق، بينما لو فاز إبراهام لينكولن فإن هنالك قانونًا فيدراليًا جاهزًا لإلغاء الرق، وبالتالي فإن الولايات الجنوبية سوف تنفذ تهديدها بإعلان الاستقلال تحت اسم الولايات الكونفدرالية الأمريكية.

John C. Breckinridge | Biography, Facts, & Party | Britannica

وللمفارقة فإن جون بريكنريدج أيضًا من ولاية كنتاكي مثل لينكولن، ولكنه كان نائب الرئيس وقتذاك وذو تاريخ طويل، ولاحقًا أصبح وزير الحربية في الولايات الكونفدرالية الأمريكية. ورغم أهمية الانتخابات التي كانت في واقع الامر تصويتًا على مستقبل البلاد ووحدتها الفيدرالية والوحدة الوطنية للشعب الأمريكي، إلا أن الأرقام تحمل لنا تدني واضح في الوعي الشعبي الأمريكي في هذه العصور التي كانت فيها الولايات المتحدة دولة ريفية صاعدة، في التصويت الشعبي ظفر لينكولن بـ 39.8 % فحسب ممن يحق لهم التصويت مقابل 18.1 % صوتوا لمنافسه، بينما ظفر ستيفان ارنولد دوجلاس من الحزب الديموقراطي بـ 29.5 % من الأصوات.

إعلان قيام الولايات الكونفدرالية الأمريكية

وبينما يستعد البيت الأبيض لاستقبال إبراهام لينكولن في مارس 1861، وتوديع حقبة الرئيس جيمس بيوكانان، أُعلن في فبراير 1861 عن انفصال الولايات الجنوبية الرافضة لقوانين إلغاء الرق، وقيام الولايات الكونفدرالية الأمريكية.

تشكلت الكونفدرالية في الأصل من قبل سبع ولايات هي: ساوث كارولينا وميسيسبي وفلوريدا وألاباما وجورجيا ولويزيانا وتكساس، بعد أن بدأت الحرب بين الولايات المتحدة والولايات الكونفدرالية في أبريل 1861 أو ما أسماه المنتصر في كتب التاريخ بالحرب الأهلية الأمريكية، انفصلت أربع ولايات هي فرجينيا وأركنساس وتينيسي ونورث كارولينا، وقبلت الكونفدرالية في وقت لاحق ميسوري وكنتاكي أثناء الحرب، لتشمل الكونفدرالية 11 ولاية من أصل 34 ولاية تشكل الولايات الأمريكية وقتذاك.

الخطاب الأيديولوجي لزعماء الكونفدرالية كان دفاعًا صريحًا عن تفوق الرجل الأبيض على الرجل الأسود، وأن الرق والعبودية أمر طبيعي يتسق مع الطبيعة التي خلقها الله للكون، وللسخرية فإن كل هذه العنصرية والتطرف كانت تخفى خلفها غرضًا اقتصاديًا، تمامًا كما كان الخطاب الحقوقي والإنساني للولايات المتحدة يخفى خلفه غرضًا اقتصاديًا، وكان غرض الكونفدراليين هو الحفاظ على صناعة القطن والزراعة بوجه عام من هيمنة النظام العالمي والثورة الصناعة الجديدة ورأسمالية الشمال الصناعي.

اجتمع المجلس التأسيسي بمدينة مونتجومري بولاية ألاباما، التي أصبحت عاصمة الكونفدرالية، وانتخبوا جيفرسون فينس ديفيز رئيسًا للجمهورية الأمريكية الجديدة، وألكسندر هاملتون ستيفنز نائبًا له، وكلاهما ظل في منصبه حتى تفكيك الكونفدرالية.

جيفيرسون ديفيس - ويكيبيديا

جيفرسون ديفيز كان بطلًا قوميًا في أمريكا، خاصة في الجنوب، شغل منصب وزير الحربية وخدم بالجيش حتى وصل إلى رتبة عقيد، وشارك في الحرب الأمريكية المكسيكية وحروب إبادة الجيش الأمريكي للسكان الأصليين لأمريكا أو ما أطلق عليه المنتصر في كتب التاريخ حرب أمريكا مع الهنود الحمر.

وللمفارقة ورغم أن ديفيز كان مؤيدًا للكونفدرالية، إلا أن خبرته العسكرية جعلته يدرك أن إعلان الانفصال ستعقبه حرب شرسة مع الولايات المتحدة، وكان يرغب في أن ينتخبه المؤتمر التأسيسي للكونفدرالية وزيرًا للحربية أو قائدًا عامًا لجيش الكونفدرالية من أجل قيادة العمل العسكري بشكل مباشر، حتى أن زوجته وفقًا لكتاب “الأمريكي جيفرسون ديفيز” Jefferson Davis, American للمؤرخ ويليام كوبر الصادر عام 2000 قالت في مذكرات لها إن زوجها قد أطل من عينه الحزن حينما استقبل برقية المؤتمر التأسيسي بانتخابه رئيسًا للجمهورية الأمريكية الجديدة، حتى أنها ظنت أن شرًا قد أصاب العائلة.

تأسست الولايات الكونفدرالية الأمريكية في 8 فبراير 1861 ورفض الكونجرس الأمريكي لاحقًا هذا الإعلان وذاك الاستقلال مؤكدًا عدم دستورية انفصال الولايات الجنوبية، ذلك الكونجرس الذي يدعم اليوم كل زقاق يحاول الانفصال أو الاستقلال في الشرق الأوسط والأقصى والأدنى والقوقاز والبلقان وآسيا الوسطى وصولًا إلى أمريكا الوسطي وأمريكا الجنوبية.

أدى الرئيس جيفرسون ديفيز اليمين الدستوري في 22 فبراير 1861، أدي الرئيس إبراهام لينكولن اليمين الدستوري في 4 مارس 1861، وفى 12 أبريل 1861 اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية.

اندلاع الحرب الأهلية

أطلقت الكونفدرالية الأمريكية على الحرب إعلاميًا مصطلح “حرب استقلال الجنوب الأمريكي”، وبعض مثقفي الجنوب أطلق عليها “الثورة الأمريكية الثانية”، على اعتبار أن الثورة الأولى كانت ثورة تأسيس الولايات الأمريكية وبدء طرد بريطانيا من القارة الأمريكية، وبعض مثقفي أوروبا أطلق عليها “حرب الولايات الأمريكية”.

شبكات المصالح الغربية والنظام العالمي الرأسمالي أغدقت على الولايات المتحدة بالمساعدات التكنولوجية من أجل حسم الحرب، خاصة وأن الولايات الكونفدرالية كانت تمتلك أسطولًا قويًا وجيشًا بريًا نظمه العشرات من جنرالات الجيش الأمريكي الذين شاركوا في ثورة انفصال الجنوب، تعدّ الحرب الأهلية الأمريكية من أوائل الحروب الصناعية الحقيقية. حيث استخدمت فيها بشكل مكثف السكك الحديدية، التلغراف، البواخر، وإنتاج الأسلحة الضخم.

American Civil War: Causes and Dates | HISTORY.com - HISTORY

وقد ظهر أثر استنفار المصانع المدنية، الألغام، أحواض بناء السفن، البنوك، وسائل النقل والإمدادات الغذائية في التحول الصناعي في الحرب العالمية الأولى، ما جعل الحرب الأهلية الأمريكية بمثابة حربًا أهلية بالوكالة بين أجنحة النظام العالمي الرأسمالي.

لم تحقق الولايات الكونفدرالية انتصارًا يذكر في الحرب، رغم بعض الانتصارات المرحلية في شرق وشمال الولايات المتحدة، ولكن الجنرال يوليوس جرانت حسم الجبهة الغربية مع الكونفدرالية ثم توحدت الجيوش الأمريكية تحت إمرته، وهو نفس الجنرال الذي استسلم له الجيش الكونفدرالي في 9 أبريل 1865.

أُعلن استسلام الولايات الكونفدرالية الأمريكية في 26 أبريل 1865 وانتهاء الحرب الأهلية الأمريكية في 9 مايو 1865 وحل الولايات الكونفدرالية الأمريكية في 5 مايو 1865، وبدء دمج وإعمار الولايات الجنوبية الانفصالية في المجتمع الأمريكي مرة أخرى.

راح ضحية هذه الحرب 110 ألف جندي من الشمال و93 ألف جندي من الجنوب، وربع مليون مدني من الشمال و167 ألف مدني من الجنوب، أي أن 620 ألف أمريكي قد رحلوا بسبب تلك الحرب.

كيف تعاملت واشنطن مع استسلام الكونفدرالية؟

كانت أوامر النظام العالمي لواشنطن صارمة في مضمار التعامل مع الولايات الكونفدرالية عقب استسلامها، وهي أنه يكفي ما جرى في سنوات الحرب الأهلية الأمريكية (1861 – 1865) خصوصًا حرق الجيش الأمريكي لكنائس الجنوب المؤيدة للكونفدرالية، وأن النظام العالمي لا يريد تنكيلًا بالولايات الجنوبية ولكن يريد فتح سوق الثورة الصناعية الثانية أمام الجنوب الأمريكي وأنه يكفي إقرار إلغاء الرق وتحرير 4 مليون عبد من أصول افريقية من أجل إعادة تأهيلهم للعمل في مصانع الثورة الصناعية الجديدة.

ومن أجل عدم صناعة حساسيات تاريخية أو ثقافية، نشرت واشنطن ثقافة الاحتفاء برموز وعلم الكونفدرالية، باعتباره إرثًا تاريخيًا يجب الحفاظ عليه والتعلم منه، فلم تمانع واشنطن من بناء التماثيل لساسة الكونفدرالية أو اعتبار علم دولة الولايات الكونفدرالية الأمريكية جزءًا من التراث الأمريكي، أو تدريس تاريخ تلك الدولة الجنوبية في المدارس والجامعات الأمريكية.

كما تم رفض إصدار قوانين لحظر عمل أعضاء الحكومة الكونفدرالية أو القضاء أو الجيش الكونفدرالي وأعضاء الحكومة أو المجلس التأسيسي في العمل العام، وقد شارك لاحقًا العديد من ساسة ونشطاء وقضاة وجنود الكونفدرالية في الحياة العامة الأمريكية كمواطنين أمريكيين دون تفرقة، بل أن ألكسندر ستيفانز نائب رئيس الكونفدرالية قد انضم إلى الحزب الديمقراطي وأصبح عضوًا بمجلس النواب ما بين عامي 1873 و1882، ثم حاكمًا لولاية جورجيا ما بين عامي 1882 و1883 حيث توفى عن 71 عامًا.

وكان الغرض وراء ذلك ليس التسامح أو التصالح ولكن عدم خلق حساسيات تاريخية تمنع اندماج الولايات الجنوبية أو الجنوب الزراعي في منظومة الشمال الصناعي، هدف تجاري واقتصادي بحت ارتدى وشاح الإنسانيات وحق المواطن في معرفة التاريخ.

جيفرسون ديفيز أول وآخر رئيس كونفدرالي

في 5 مايو 1865 التقى الرئيس الكونفدرالي جيفرسون ديفيز بمجلس وزرائه للمرة الأخيرة وأعلن حل الكونفدرالية، وبدأ رحلة الفرار مما أسماه أنصاره “الغزو الأمريكي للجنوب”، وكان ديفيز يأمل أن يهرب إلى كوبا من أجل إعادة تأسيس الكونفدرالية، ولكن في 10 مايو 1865 أُلقي القبض عليه، وعومل بخشونة في بادئ الأمر وتعمدت واشنطن أن يظهر في أولى جلسات محاكمته مكبل القدمين بالحديد، ولكن المجتمع الدولي تدخل ثانية خوفًا من توتر أهل الجنوب ،وبعد عامين من تحديد الإقامة في احدي المقرات العسكرية تحت مسمي السجن تم الافراج عنه بكفالة عام 1867.

وفى عام 1868 وبتوصيات من النظام العالمي قائد الثورة الصناعية الجديدة أصدر الرئيس الأمريكي اندرو جاكسون عفوًا عامًا عن كل من شارك بالتمرد، وأصبح جيفرسون ديفيز مواطنًا عاديًا حتى وفاته عام 1889 عن 81 عامًا، وللمفارقة فإن ديفيز كما لينكولن قد ولد في ولاية كنتاكي ولكن ديفيز من مواليد عام 1808 قبل ثمانية أشهر فحسب من ولادة لينكولن على بعد 160 كم من مقر ولادة ديفيز.

عقب الإفراج عنه سافر لفترة إلى كيبك في كندا حيث فر بعض أفراد أسرته، وأقام جولة في القارة الأوروبية، وعاش حياة مالية وشخصية فقيرة وقاسية، حيث لم تصرف له الحكومة الأمريكية المعاش الذي يستحقه كعضو سابق في الكونجرس ووزير للحربية وضابط بالجيش، فتوفي شقيقه الأكبر ثم اثنين من أبنائه بسبب المرض، ورفضت زوجته الإقامة معه في شقته المتواضعة لبعض الوقت، وحاول إيجاد وظيفة في بريطانيا أو كندا.

ومع إيجاده بعض الوظائف في الشركات الخاصة بعيدًا عن الدوائر المسيسة، بدأ ديفيز يكتب عن تجربة الكونفدرالية، وكتب تعبيره الشهير “تحالف اليانكي والنيجرو” مشيرًا إلى أن البيض في الولايات المتحدة استغلوا قضايا السود لتحقيق أغراض سياسية، وان الأمر بعيد عن فكرة الحقوق أو الحريات، وأن الكونفدرالية تعرضت لمؤامرة من الكونجرس الأمريكي، وكتب أن ما أسماه الفيدراليون “حقوق السود” جعلت السود أكثر خمولًا عن أداء أعمالهم وغير قابلين للسيطرة أو الحكم كما كان في السابق، وأن ليلة حصولهم على حقوقهم كانت “ليلة استبداد” في تاريخ أمريكا.

انتهاء الغرض من إبراهام لينكولن

مع انتصاف عام 1864، واقتراب النصر على الكونفدرالية، بدأ النظام العالمي في ترتيب المشهد الأمريكي لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية وما بعد الولايات الكونفدرالية الأمريكية، وقد اتفق زعماء شبكات المصالح الغربية أن إبراهام لينكولن ناشط حقوقي جذاب وصاحب أسلوب خطابي شيق، وسوف يكافئه الغرب بتنصيبه أيقونة لحقوق السود في كتب التاريخ، ولكنه ليس رجل الدولة الصالح لقيادة المصالحة والإعمار وتهيئة الولايات الجنوبية لرأسمالية الولايات الشمالية، هو ناشط صالح لكى يكون واجهة حقوقية في البيت الأبيض بينما جنرالات الجيش الأمريكي هم أصحاب السيطرة الحقيقية على الأرض في زمن الحرب الأهلية، ولكن سواء في زمن ما قبل أو أثناء أو ما بعد الحرب فإن إبراهام لينكولن لا يصلح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية.

ينص الدستور الأمريكي أنه حال وفاة أو مرض أو استقالة الرئيس، فإن نائبه يكمل ولايته الانتخابية، وحينما أتت انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر 1864 ونظرًا لأن استبدال لينكولن في هذا التوقيت قد يؤثر على معنويات الجيش ويظهر أن هنالك رفضًا شعبيًا لنهج تحرير العبيد وتفكيك الكونفدرالية، تم تمرير فوز لينكولن بالولاية الثانية في سهولة ويسر، ولكن النظام العالمي طلب من الحزب الجمهوري استبدال نائب لينكولن، حيث كان نائب الرئيس هو هانيبال هاملين السفير الأمريكي الأسبق في إسبانيا، وهو شخص ضعيف ولم يقوَ على فرض شخصيته في سنوات لينكولن، بل أن هاملين لم يزر البيت الأبيض طيلة عاملين من أصل اربع سنوات خدم خلالها في منصب نائب الرئيس!

وطلب النظام العالمي تصعيد اندرو جاكسون إلى منصب نائب الرئيس، وبالفعل أدى إبراهام لينكولن واندرو جاكسون اليمين الدستورية في 4 مارس 1865، وعقب أقل من 40 يومًا من تولى جاكسون منصب نائب الرئيس وتحديدًا يوم 15 أبريل 1865، اغتيل الرئيس إبراهام لينكولن في حادث يحيط به الغموض حتى اليوم، نظرًا لسهولة الحادث وبساطته، والإجراءات الأمنية الضعيفة في تلك الليلة حيال رئيس يعرف الجميع أنه مستهدف من قبل تمرد في الجنوب ولا تزال الحرب الأهلية مشتعلة.

وبحكم الدستور الأمريكي، في اللحظة التي فارق فيها إبراهام لينكولن الحياة يعتبر نائبه اندرو جاكسون رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، وهو رجل صلد له خبرات سياسية وعسكرية عتيدة حيث كان الحاكم العسكري لولاية تينيسي ما بين عامي 1862 و1865 معاصرًا معارك الحرب الأهلية، وترك جاكسون الجيش برتبة فريق عقب توليه الرئاسة.

وللمفارقة فإن من أشد من أبدوا حزنًا على إبراهام لينكولن كان خصمه الرئيس الكونفدرالي جيفرسون ديفيز، الذي أُلقى القبض عليه عقب أقل من شهر من اغتيال لينكولن، وصرح ديفيز لرفقائه حينما تلقى خبر لينكولن أنه كان يفضل أن يستسلم الجنوب للينكولن لأنه سيكون أكثر رأفة مع الكونفدرالية عن جاكسون.

وللمفارقة فإن جاكسون بدوره لم يستمر في الحكم إلا استكمالًا لولاية لينكولن، وللمفارقة فإن جاكسون الرئيس الأمريكي الوحيد الذي رفض تعيين نائب له، حيث تخوف من أن يكرر النظام العالمي معه ما رآه بعينه مع رئيسه السابق، خاصة وأن بعض المراجع التاريخية تشير إلى أن جاكسون متورط في ترتيبات اغتيال لينكولن.

وللمفارقة فإن جاكسون لم يكن مرشحًا في انتخابات الرئاسة نوفمبر 1868 ما أفسح الطريق بسهولة لقائد الجيش الجنرال يوليوس جرانت المرضي عنه من قبل النظام العالمي بعد قيادته للجيش الأمريكي طيلة سنوات الحرب الأهلية ليصبح رئيسًا منتخبًا لولايتين؛ إذ أدى اليمين الدستورية في مارس 1869 وشهد عصره استقرارًا في البيت الأبيض والكونجرس والجيش وتنفيذ خطط إعمار ودمج الكونفدرالية والجنوب الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية.

وللمفارقة فإن الرئيس جرانت حينما توفي نائبه هنري ويلسون في نوفمبر 1875، لم يقم بتعيين أو تسمية نائب له حتى انتهت ولايته الثانية والأخيرة بحكم الدستور الأمريكي في مارس 1877، وخالف جرانت الدستور الأمريكي عامًا وأربعة أشهر حكم خلالهم الولايات المتحدة دون نائب.

إن الملاحظ هنا أن كلا الرئيسين أندرو جاكسون ويوليوس جرانت، على ضوء معاصرتهم مؤامرة اغتيال إبراهام لينكولن عزفوا عن تسمية نائب لهم وقت التوترات مع النظام العالمي، ما يوضح لنا إلى أي مدى أن النظام العالمي ليس دولًا تحكم العالم بل شبكات مصالح تنصاع لها تلك الدول فيتم تسميتها بالدول الكبرى والعظمي، وأن قادة الدول الغربية متى تمردوا على النظام العالمي فإن التصفية والاغتيال وترتيب الاضطرابات الشعبية والمساءلة البرلمانية هي أدوات في يد النظام العالمي لتقليم أظافر الحاكم المتمرد في الغرب قبل الشرق.

The Psychological Power of the Confederate Flag | JSTOR Daily

وبقيت سيرة وعلم ورموز وثقافة الولايات الكونفدرالية الأمريكية حتى اليوم مرجعية لليمين القومي الأمريكي وحركات الانفصال الجنوبية، والعنصرية البيضاء ضد المواطنين السود والأجانب بوجه عام، ولطالما رفع العلم الكونفدرالي في العديد من المناسبات المتطرفة أو عبر المليشيات التي تعبر عن خطاب قومية البيض البروتستانت الأمريكيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى