الأمريكتان

عندما تختلط الهوية الثقافية مع الوطنية.. من يُحدد مصير الأمم؟!

مصطلح “الهوية الثقافية” ليس فضفاضا يمكن لكل صانع قرار أن يقوم بتهيئته وتفصيله وفقًا للقياسات الجيوسياسية الخاصة لطموحاته. لكنه لفظ محدد له ثوابت وتعريفات واضحة، وهو عبارة عن مجموعة من الملامح والأشكال الثقافية الأساسية الثابتة التي تشمل جماعة من البشر بينما   يعني أيضا التناسق بين العقل والهوية، ويعرف أيضا باعتباره المعبر الأساسي عن الخصوصية التاريخية لجماعة ما أو أمُة بعينها. 

ويتم تعريفه كذلك، باعتباره عددا من التراكمات الثقافية والمعرفية، سواء كانت تلك المعارف تأتي انطلاقا من تقاليد وعادات في العائلة والمجتمع المحيط، أو عاشها الفرد في محيطه الجغرافي منذ لحظة ميلاده ولعبت دورا محوريا في تكوينه طيلة أيام حياته، حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من طبيعته وكيانه.

دور الهوية الثقافية في تحديد مصير شبه جزيرة القرم

في أوائل عام 2014، لعبت شبه جزيرة “القرم” دورا باعتبارها مسرحا لأخطر أزمة بين الشرق والغرب منذ الحرب الباردة، وذلك بعد أن أقدمت روسيا على ضم شبه جزيرة “القرم” بعد الإطاحة بالرئيس الأوكراني المنتخب – الموالي لروسيا- فيكتور يانوكوفيتش باحتجاجات شابها العنف جرت في العاصمة الأوكرانية كييف. 

وشهدت الجزيرة تنفيذ “أسلس” عملية ضم في التاريخ الحديث، وهي الخطوة العسكرية التي انتهت قبل أن يدرك العالم أنها بدأت. تلى ذلك أن صوت سكان شبه جزيرة القرم، لصالح الانضمام الى روسيا والانفصال بشكل رسمي ونهائي عن التبعية الأوكرانية. 

على الرغم من أن الأسباب والدوافع السياسية التي حركت روسيا ودفعتها لاتخاذ هذه الخطوة كانت كثيرة ومتعددة. إلا أن هذا لا يمنع أن موسكو استندت بشكل رئيسي على مفهوم “الهوية الثقافية” الذي استمدت منه شرعيتها. 

فقد كانت روسيا بضمها لشبه جزيرة القرم تدافع عن الهوية الروسية، التي يتم تعريفها باعتبارها ثقافة أولا وقبل أي شيء، وبأن الهوية الروسية ليست بالتربة ولا بالدم ولكنها تكتسب عبر اللغة والثقافة. كما يذكر في هذا السياق، أنه لا يوجد في القانون الروسي بأسره مادة واحدة فقط من شأنها أن تدحض مبدأ “الهوية الروسية” وضرورة الدفاع عنها وحمايتها. 

وهذه الفرضية هي التي مهدت الطريق أمام ضم شبه جزيرة القرم بحجة الرغبة في تأمين مواطني روسيا المقيمين خارج أراضيها. وهو ما قد يفهم في إطار تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الشهير، “في أوكرانيا عاش وسيعيش الملايين من المواطنين الروس”.

وبهذه الطريقة يمكن أن نفهم أن روسيا احتفظت لنفسها بحق التدخل الفعلي لأجل حماية أي شخص يدعي أن له روابط تاريخية وثقافية واقتصادية وثيقة. والدليل على ذلك، يتجلى بوضوح في تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في 2014، عندما قال “إن الاعتداء على المواطنين الروس هو هجوم على روسيا ككل”. 

وفي ضوء كل ما سبق، من الممكن أن ننظر في كيف تم تطبيق هذا المفهوم على الحالة الأوكرانية في شبه جزيرة القرم. وهناك، حيث تتوافر بوضوح عوامل الهوية الثقافية التي بشكل أو بآخر قد تبرر شرعية عملية الضم. أول عامل، يعد هو اللغة المشتركة والخلفية الثقافية الواحدة والدين، وهذه العوامل تعد عنصرًا مميزا في هذه الحالة. ليس فقط للتشابه أو للتشارك مع الدولة الروسية، ولكن لأن غالبية سكان شبه جزيرة القرم كانوا يُعرفون أنفسهم بصفتهم روسيين حتى من قبل أن تتم عملية الضم الرسمي الى روسيا. بمعنى آخر، أن اغلبية سكان شبه جزيرة القرم كانوا روسيون حقيقيون، ولم يكونوا منحدرون من أصول روسية ولا نتيجة لحركة تزاوج كبرى بين شعبين، لكنهم كانوا روسيون اصليون. ومن الأرجح، أن الغالبية الروسية من سكان شبه جزيرة القرم، كانت هي ما لعبت دورًا حاسمًا في الخروج بنتيجة استفتاء تحديد المصير لصالح روسيا. 

وهناك أيضًا الناحية التاريخية، التي استخدمتها روسيا لأجل تبرير عملية الضم. ويذكر أن شبه جزيرة القرم لطالما كانت قطعة تنتمي الى السيادة الروسية منذ عهد الامبراطورة يكاترينا العظمى في 1783 حتى عام 1954، عندما قام الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف بإهدائها الى جمهورية أوكرانيا آنذاك. 

وفي هذا السياق، من الممكن أن نفهم ايضًا تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما علق على انفصال شبه جزيرة القرم عن روسيا قائلاً “الكثير من الناس ناموا في بلد واحد واستيقظوا في بلدان مختلفة، وأصبحوا بين عشية وضحاها عبارة عن أقليات عريقة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا”. 

إلى أي مدى يستطيع مفهوم “الهوية الثقافية” أن يبرر عمليات التوسع في الأراضي؟!

في تصريحاته الأخيرة، أعرب الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان، عن الأسباب الحقيقية التي تمنحه شرعية التدخل العسكري في ليبيا. وهذه الأسباب وفقًا له تتمثل في أن التركيبة السكانية اللبيبة تحتوي على مليون نسمة من أصول تركية. وهي بيانات يصعب اثباتها أو الوصول الى إحصاء رسمي بيولوجي يفيد بصحتها. والأسباب كثيرة، على رأسها أنه لا يمكن الجزم بالأعداد الدقيقة لليبيين من أصول تركية، لأن السلطات لم تضع المعيار العرقي في حسبانها خلال آخر إحصاء سكاني لها في عام 2006. وعليه، يظل الإحصاء الوحيد الذي وضع المعيار العرقي بين معاييره هو الذي كانت سلطات الاحتلال الإيطالي قد أعدته خلال عام 1936، والتي قدرت خلاله أعداد الليبيين من أصول تركية بـ “35” ألف شخص يعيش معظمهم “30” ألفًا في الساحل الغربي الليبي، ويتوزع الخمسة الآلاف الباقيين في مدن شرق ليبيا وتحديدًا بنغازي ودرنة، في ذلك الوقت. ومن هذا المنطلق، يمكن وضع تقديرات لتعداد سكان ليبيا من ذوي الأصول التركية، وهو العدد الذي يستحيل أن يزيد عن بضع مئات من الآلاف. وذلك قياسًا لأن سكان ليبيا في ذلك الزمان كان تعدادهم 750 ألف نسمة تقريبًا، فإن الـ “35” ألف المشار إليهم في ذلك التعداد يشكلون ما نسبته 8% من تعداد ليبيا، بما يعادل عددًا يقل بكثير عن المليون نسمة المشار اليها في تصريحات الرئيس التركي الأخيرة. 

ومن الناحية التاريخية، يُذكر أن هؤلاء السكان ينحدرون من تاريخ دخول الدولة العثمانية إلى ليبيا أول مرة عام 1551، عندما بدأ الأتراك بالهجرة الى البلاد وتزوج الكثير من جنود الدولة العثمانية بنساء ليبيات محليات. 

وفي ضوء كل ما سبق، وقياسًا على التجربة الروسية في التوسع السياسي وفقًا لمفهوم الهوية الثقافية، يطرح تساؤل نفسه، هل الأمر سيان؟! هل تنطبق التجربة الروسية الأوكرانية مع النموذج الذي يرغب الرئيس التركي في تطبيقه؟! 

الإجابة بالطبع لا. إذ أنه لا يوجد تشابه لا من بعيد ولا قريب بين النسختين. ففي الحالة التركية، لا يوجد هناك أي قواسم مشتركة بين الدولة التركية بشعبها وهويتها الثقافية في الوقت الراهن وبين أي كتلة شعبية ليبية أيًا كان موقعها. والسبب بسيط وهو أن هؤلاء الجنود العثمانيين لم يحافظوا على قومياتهم وهوياتهم، وتزوجوا من نساء ليبيات. 

ومع مرور السنوات وتوالي الحقب والأزمنة، وأجيال تكبر وتلد أجيال، ذابت الدماء التركية مع الهوية العثمانية المندثرة، وانصهرت تمامًا داخل كيان وطني وهوية ثقافية جديدة. تندرج تحت ما يسمى بـ “الهوية العربية” وما يتصل بها من قومية وطنية عربية تجمع ليبيا بشعبها ولغتها العربية وثقافتها وتاريخها العربي المشترك، جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية العربية. وهو ما يصعب معه، الاعتماد على مفهوم الهوية الثقافية لإضفاء شرعية على إعادة احتلالها التركي. 

ففي الحالة الروسية، كانت شبه جزيرة “القرم” لا تزال امتدادًا جغرافيا للدولة الروسية من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت غالبية سكانها لا تزال تحتفظ لنفسها بهوية روسية حقيقية، يندرج تحتها اللغة والهوية والدين. أما فيما يتعلق بتركيا، فإن الشعب الليبي حتى هؤلاء من ذوي الأصول التركية، لا يجمع بينهم وبين تركيا هوية واحدة. حتى الدين الإسلامي الذي يدين به غالبية سكان البلدان، تقدم تركيا نسخة محدثة ومختلفة عنه تظهر بوضوح في طبيعة حياة الأتراك التي يغلب عليها الطابع العلماني. وهو ما يمكن أن يكون شبه منعدم لدى طبيعة الشعب الليبي وهويته وطريقة حياته. 

 ختاما، إن مفهوم الهوية الثقافية هو أمر حقيقي وملموس. يتوحد تحت مظلته على سبيل المثال، كافة الدول العربية. وعليه، يمكن أن نقول إنه منعدم في النموذج التركي الاستعماري، وهو نفس النموذج الذي لا يمكن مضاهاته بأي تحركات سياسية دولية أخرى. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى