الأمريكتان

تقليص القوات الأمريكية في ألمانيا.. عثرة جديدة في العلاقات الأمنية عبر “الأطلسي”

أثار قرار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في 15 يونيو الجاري بتقليص عدد القوات الموجودة في ألمانيا إلى 25 ألف جندي، حالة من الجدل لما له من تداعيات على العلاقات الأمنية عبر الأطلسي في إطار تنامي التحديات والتهديدات المتلاحقة؛ حيث يتمركز ما يقرب من 34500 جندي أمريكي في أربع ولايات ألمانية، 18459 جنديًا في ولاية راينلاند-بفالتس، و3036 جنديا في ولاية بادن-فورتمبرغ، و11689 جنديًا في ولاية بافاريا، و2471 في ولاية هيسن، بينما يبلغ العدد الإجمالي نحو 50000 جندي شاملًا عدد الموظفين المدنيين الإداريين. 

اتخذت تلك الخطوة دون إبلاغ الكونجرس بشكل رسمي، مما دفع ما يقرب من 22 عضوا جمهوريًا في لجنة القوات المسلحة إلى المُطالبة بإعادة النظر في القرار، علاوة على عدم التشاور مع الألمان أو الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي أو حتى المسئولين العسكريين الأمريكيين في أوروبا. برر الرئيس “ترامب” القرار بعدم التزام ألمانيا بمخصصاتها الدفاعية في “الناتو”، وأن انتشار القوات يتم “بتكلفة باهظة على واشنطن”. 

وردًا على ذلك؛ قال “هايكو ماس” وزير الخارجية الألماني خلال زيارته لبولندا، في 16 يونيو، إن “بلاده لم تحصل على أي تفاصيل حول موعد وكيفية إعادة الانتشار، وأنهم لم يتلقوا أية معلومات عن الموضوع من الخارجية الأمريكية أو البنتاجون” ، مؤكدا أن أي تغيير في هيكل الأمن الأوروبي يحتاج إلى بحث”. 

فيما امتنعت “أنيجريت كرامب كارينباور” وزيرة الدفاع الألمانية عن التعليق قائلةً “إن الجنود الأمريكيين “مرحب بهم للغاية” في البلاد وأن حكومة “ميركل” ستفي بالتزاماتها في الإنفاق الدفاعي”. وانتقد “نوربرت رتجن” رئيس لجنة الشئون الخارجية في البوندستاغ الخطوة واصفًا القوات الأمريكية في ألمانيا بأنها “محورية” وأن تخفيضها “سيكون مؤسفًا”. في المقابل أوضح ” ينس ستولتنبرغ ” الأمين العام للحلف شمال الأطلسي أن “ترامب” لم يحدد الجدول الزمني للانسحاب، مما يشير إلى إمكانية تخفيفه إذا وافقت برلين على زيادة ميزانيتها الدفاعية.

توقيت الإعلان عن تقليص القوات المُتمركزة في برلين

جاء الإعلان عن انسحاب جزء من القوات الأمريكية المُتواجدة على الأراضي الألمانية أثناء مجابهة ألمانيا وباقي الدول الأوروبية لجائحة الفيروس التاجي “كوفيد-19″؛ حيث أصبح الإقليم الأوروبي بؤرةً للوباء منذ 13 مارس وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. الأمر الذي انعكس عليهم بشكل عميق على كافة الأصعدة، ومثّل أداة ضغط على الحكومات لزيادة فعاليتها لاحتواء الأزمة عبر تبنّي سياسات صحية أكثر حسمًا. وكان سببًا في قيام الرئيس “ترامب” بإعلان حظر الرحلات إلى الدول الأرووبية لمدة شهر دون التنسيق معهم. الأمر الذي رفضه الاتحاد الأوروبي باعتبار أن أزمة “كوفيد-19” أصبحت عالمية ولابد من التعاون والتنسيق لمواجهتها بدلًا من تبني سياسات أُحادية الجانب. 

بالإضافة إلى إعلان الرئيس الأمريكي في مايو 2020 عن رغبته في الانسحاب من اتفاقية “السماوات المفتوحة” التي تم توقيعها في عام 1992 بهلسنكي. ودخلت حيز التنفيذ في عام 2002، وتشمل 35 دولة مثل الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، تهدف إلى بناء الثقة بين القوى الدولية، لتقليل من حدة العداء بين القوى المُتنافسة من خلال السماح بإجراء عمليات استطلاع بطائرات غير مسلحة مزودة بأجهزة رؤية لرصد جميع أنواع الأسلحة والمركبات والمدرعات والطائرات المتواجدة والأنشطة العسكرية في الدول الأخرى. وقد بلغت عدد الرحلات أكثر من 800 رحلة في عام 2012. وبرر “ترامب” قرار الانسحاب نتيجة عدم التزام روسيا ببنود الاتفاقية؛ حيث منعت عمليات الاستطلاع من مراقبة المناورات العسكرية التي قامت بها في 2019. ليكون بذلك الانسحاب الثالث للرئيس “ترامب” بعد إعلان الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى لعام 1988 مع روسيا، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني المُبرم في 2015.

كما تزامن القرار الأمريكي مع اجتماع الأمين العام للناتو “ينس ستولتنبرغ” لتحديد رؤية الحلف لعام 2030، المُنعقد في 8 يونيو؛ إذ ركز “ستولتنبرغ” خلاله على توضيح أولويات الناتو في الفترة المقبلة وخاصة فيما يتعلق بتوطيد الوحدة السياسية والاقتصادية على الصعيد العالمي لزيادة فعالية التأثير لمواجهة تحديات الأمن العالمي، مع إعادة تقييم الدور الذي تلعبه القوى الدولية الآخرى. 

بالإضافة إلى استمرار تنامي الخلافات بين الجانبين التي تمثلت في عدم التزام “ترامب” بسياسة التحالفات متعددة الأطراف مقابل إصرار برلين على دفع التعاون متعدد الأطراف، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التجارية وتغير المناخ والطاقة. فيما أضاف بعض المحليين أن القرار نتج كرد فعل على رفض المستشارة الألمانية “إنجيلا ميركل” حضور اجتماع مجموعة السبع المقرر انعقاده في الولايات المتحدة في الفترة من 10 إلى 12 يونيو 2020.  

مآلات القرار الأمريكي على العلاقات عبر الأطلسي 

يعد القرار جزءا من استراتيجية “ترامب” في التعامل الأمني عبر الأطلسي المُستند إلى سياسة الدفع مقابل الحماية، كما إنه لم يكن وليد اللحظة، فقد سبق أن هدد “ترامب” بسحب قواته من برلين. ورغم أن مخطط سحب القوات حتى الآن غير واضح فيما يتعلق بطريقة التنفيذ، وآليات التنسيق بين وزارتي الدفاع بالبلدين إلا إنه خطوة سياسية ستؤثر على طبيعة التعاون الأمني والدفاعي، علاوة على القدرة على الردع.

 وسيؤثر على طبيعة المهام والعمليات الخارجية على مستوى العالم؛ حيث تتمركز أغلب القوات الأمريكية المتواجدة في أوروبا على الأراضي الألمانية منذ الحرب العالمية الثانية التي تسعى إلى الدفاع عنها بجانب تعزيز التعاون الأمني عبر الأطلسي، وعليه سيُحمل القرار الولايات المتحدة المزيد من الأعباء فيما يتعلق بنقل القوات، وإعادة نشرهم في دولة أخرى، وذلك في إطار تفشي جائحة “كوفيد-19″، وسيساهم تراجع جاهزية واستعداد قوات الناتو في سرعة الاستجابة للتهديدات والمخاطر التي من الممكن أن تتعرض لها دول شرق أوروبا وخاصة دول البلطيق. 

وبالنظر إلى أهمية القوات الأمريكية المُتمركزة في ألمانيا فإنها ذات أهمية جيواستراتيجية، فمن مقر القيادة المشتركة في قاعد “شتوتجارت” ينسق الأمريكيون والأوروبيون عملياتهم في أفريقيا. كما تمثل قاعدة “جوافنوهر” أكبر منشأة للتدريب تابعة للناتو في أوروبا. فيما تعد قاعدة “رامشتاين” الجوية الواقعة في ولاية رينانيا بلاتينا –القاعدة المركزية للناتو الخاصة بوحدات التدريب- مركز انطلاق لوجستي للعمليات في الشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية أو أفريقيا.

المصدر: https://militarybases.com/overseas/germany/

علاوة على تواجد أكبر مركز طبي عسكري متقدم خارج الولايات المتحدة في لاندستور بالقرب من رامشتاين لرعاية الجنود الأمريكيين الجرحى العائدين من العراق وأفغانستان، فضلاً عن القوات العسكرية الألمانية لخضوع المركز للقوانين والأنظمة الألمانية. 

المصدر: https://militarybases.com/overseas/germany/

وعليه فإن قرار تقليص هذه القوات سيصب في مصلحة القوى الدولية الآخرى مثل روسيا التي سيتيح لها فرصة إعادة تقييم سياساتها تجاه دول شرق أوروبا وألمانيا في سياق رسالة “ترامب” التي تحمل في طياتها تراجع الالتزام بحماية أمن الحلفاء، وسيُمثل ضغطًا على ألمانيا من قبل بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا التي تسعى إلى انتهاج سياسة الاستقلال الاستراتيجي في حماية الأمن الأوروبي من خلال الاعتماد على المقدرات العسكرية الأوروبية بعيدًا عن الولايات المتحدة. 

كما أن هناك تخوفا من أن تتعرض مناطق تمركز القوات الأمريكية لأزمة اقتصادية واجتماعية وهو ما برهن عليه “بيتر باير ” منسق الحكومة للعلاقات عبر الأطلنطي، لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ): “أن القرار لا يؤثر فقط على 9500 جندي، ولكن أيضًا على عائلاتهم، مما يعني حوالي 20000 أمريكي في المجموع”. كما سيضر بالعلاقات الأمنية بين الجانبين. 

وفيما يتعلق بالدولة المُحتملة لنقل الجنود إليها فهناك تصور أن تكون بولندا، وخاصة أن الرئيس “أندري دودا” طرح هذه الفكرة إبان زيارته لواشنطن في 2019، مُقترحًا تسمية هذه القاعدة باسم “Fort Trump” مُثمنًا جهود “ترامب”. الأمر الذي قد يستفز روسيا، ويجعلها تقوم بالرد عليه من خلال حشد قواتها على حدودها الموازية لدول أوروبا الشرقية كرد فعل على هذا القرار. 

أما من ناحية غموض تنفيذ القرار واحتمالية أن يكون مجرد تهديد لبرلين للضغط عليها لزيادة مخصصاتها الدفاعية، فقد تعهدت “ميركل” سابقًا مثل باقي الدول الأعضاء في الناتو، بزيادة إنفاقها الدفاعي إلى 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024. وبالفعل فقد زاد الإنفاق الدفاعي الألماني إلا إنه ليس بطريقة فعالة، إذ تخصص نسبة عالية من ميزانية الدفاع لتكاليف الأفراد بدلاً من المعدات أو البحث والتطوير، لذا فمن غير المحتمل أن يُجبر القرار “ميركل” لزيادة الإنفاق في المستقبل خاصة في ظل استمرار أزمة “كوفيد-19″، ومحاولتها إنعاش اقتصادها مرة ثانية لمواجهة تبعات الجائحة التي أثرت على كافة الأصعدة في البلاد. 

إشكالية الإنفاق الدفاعي بين “ترامب” و”ميركل” 

يكشف قرار “ترامب” المفاجئ عن استمرار التوتر في العلاقات بين أمريكا وألمانيا وخاصة فيما يتعلق بالوفاء بالمخصصات الدفاعية في سياق الناتو؛ حيث يعتمد في تمويل ميزانيته على توافقات الدول القائمة بتحديد نسبة للمساهمة على أساس دخلهم القومي الإجمالي، والتي تبلغ 1.6 مليار يورو (1.8 مليار دولار) لعام 2019، فيما تأتي معظم قدرات الناتو من القوات المسلحة للدول الأعضاء. وفي عام 2014، اتفقت الدول الأعضاء على زيادة نسبة المساهمة بنسبة 2% كهدف بحلول عام 2024. 

ومع تولي “ترامب”، طالب الدول الأعضاء الوفاء بنسبة 2% على الفور، مع إمكانية مضاعفة النسبة إلى 4% وذلك إبان قمة الناتو في يوليو 2018. كما ادعى أن ألمانيا لا تفي بالتزاماتها الدفاعية. 

في المقابل، تتمثل وجهة نظر “ميركل” في زيادة إنفاقها الدفاع إلى 1.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024، بجانب زيادة المساعدة التنموية التي تعد أمرًا حيويًا للأمن؛ إذ أنفقت ما يقرب من 0.7 ٪ من دخلها القومي الإجمالي على هذه المساعدة في عام 2017، مقارنة بـ 0.2 ٪ من الولايات المتحدة. كما إنها لا تدين بدفعات إلى الناتو أو الولايات المتحدة، لكنها تراجعت عن زيادة إنفاقها بنسبة 2٪ بحلول عام 2024، إلا إنها تعهدت بتحقيقه بحلول عام 2031. 

المصدر: https://www.bloomberg.com/news/articles/2018-07-06/what-does-trump-want-from-nato-besides-more-money-quicktake?sref=n1eCTMhx

وعليه يُكمن الجدل الحقيقي في فعالية الناتو، ودور القوى الأوروبية فيه، وكيفية التنسيق والتعاون بينهم مع الولايات المتحدة لتعزيز الأمن والدفاع عبر الأطلسي. فيما تتلخص إشكالية ألمانيا التي تحتل المركز الرابع عالميًا والأول أوروبيًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ قيمته 4 تريليون دولار، كما تعد قوى تكنولوجية كبرى في أوروبا في انخفاض إنفاقها الدفاعي واعتمادها على الناتو، الأمر الذي انعكس على تراجع عدد المجندين في القوات المسلحة الموحدة “Bundeswehr” إلى 20000 في 2018، علاوة مع عدم توافر المعدات مثل الدروع الواقية للبدن، ومعدات الرؤية الليلية، وأجهزة الراديو للتواصل الآمن، ومروحيات النقل وقطع الغيار بشكل كافي، لذا تعاني كل من القوات الجوية والجيش والبحرية من مشاكل في التدريب والاستعداد والجاهزية. فضلًا عن تراجع الصناعات الدفاعية مثل تطوير الفرقاطة من طراز F-125 بادن-فورتمبيرغ، التي تعد البديل الذي تم الترويج له لـ F-122 Bremen، منذ 2007، إلا إن تجارب تطويرها تأخرت حتى عام 2017، وبالرغم من دخولها الخدمة في 2019 إلا إنها مازالت تواجه خللًا نتيجة عدم قدرتها على الوفاء بالمهام المنوط بها التي تتمثل في القيام بعمليات طويلة المدى في مناطق بعيدة أثناء صد تهديدات العدو عبر الطائرات والمدمرات والغواصات. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى