السد الإثيوبي

اللواء محمد إبراهيم: إثيوبيا واهمة تمامًا إذا ظنت أنها ستفرض الأمر الواقع على مصر التي تتفاوض بحسن نية وبقوة

أكد اللواء محمد إبراهيم الدويري نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية في مداخلة لقناة “إكسترا نيوز”، أن تصريحات الرئيس السيسي حول سد النهضة حددت بشكل واضح وحاسم أسس الموقف المصري تجاه حل مشكلة السد الإثيوبي وأن الموقف المصري منذ سنوات يقوم على الحوار والتفاهم وحسن النوايا والثقة المتبادلة والمسار السياسي للوصول إلى حل دائم متوازن وعادل ومنصف يحقق مصالح جميع الأطراف.

وهو ذات الأمر الذي عبر عنه السيد الرئيس بشكل واضح خلال زيارته إلى إثيوبيا في مارس 2015 وخطابه التاريخي أمام البرلمان الإثيوبي، وطالب فيه الرئيس بالنظر للمستقبل وإيجاد ركائز أفضل لأبنائنا وأحفادنا، مؤكدًا أن مصر لم تنكر في يوم من الأيام حق إثيوبيا في التنمية وفي توليد الطاقة وبناء السد ولكن بشرط واحد ورئيسي وهو عدم الاضرار بمصالح مصر وحقوقها فيما يتعلق بالامن القومي المصري المائي، وهو الموقف الذي لم يتغير قيد أنملة منذ عام 2011 وحتى الان.

وأضاف “الدويري” أن خطاب مصر هو خطاب واضح وصريح وموجه إلى الشعب الإثيوبي والقيادة الإثيوبية والمفاوض الإثيوبي، وقد حرص الرئيس السيسي منذ عام 2014 على أن يلتقي برؤساء الوزراء الإثيوبيين أكثر من مرة، وخلال تلك اللقاءات لم تغير مصر موقفها وأبلغت الإثيوبيين أن لكم كل الحق في التنمية ولنا كل الحق في الحياة وللأجيال المصرية الحالية والقادمة ان تؤمن مصادرها من المياه، وهذا هو الخطاب المصري للشعب الإثيوبي وللقيادة الإثيوبية وعليهم أن يعوه جيدًا ويدرسوه بعناية، وهذا موقف مصر التاريخي والحضاري الذي يحقق مصالح الجميع.

وأشار إلى أن مصر لم تتحدث في يوم من الأيام عن مصالحها فقط، وإنما تتحدث عن مصالح مصر والسودان وإثيوبيا ودول حوض النيل والدول الأفريقية جمعاء، وعلى القادة الإثيوبيين أن يعودوا إلى العام الذي تولى فيه الرئيس السيسي رئاسة الأتحاد الأفريقي، إذ كان الهم الأكبر للرئيس حل النزاعات بالطرق السلمية وانهاء الصراعات على الساحة الأفريقية لجذب الاستثمارات، حتى نضرب النموذج في حل خلافات الدول بينها وبين البعض. 

وحول بيان وزارة الخارجية بشأن توجه مصر إلى مجلس الأمن لبحث قضية سد النهضة، علق اللواء “الدويري” أن مصر توجهت لمجلس الامن بعد 9 سنوات من التفاوض التي أخذت أكثر من مرحلة وأبدت مصر فيها جميع أوجه المرونة وفي نفس الوقت تشددت إثيوبيا، وكان المفاوض المصري خلال تلك المفاوضات قوي و واعي ولديه الخبرة والحُجة والمنطق والوثائق التي تؤكد أحقية مصر في المياه، ورغم تلك المرونة إلا أن إثيوبيا تشددت في موقفها.

 ثم لجأت مصر إلى الوساطة وكانت بوساطة أمريكية والبنك الدولي، وأنتهت في 28 فبراير2020  باتفاق منصف وعادل وصاغته الولايات المتحدة والبنك الدولي، وتمت صياغته على كل ما يتعلق بالمفاوضات التي وافقت فيها إثيوبيا على كل التفاصيل، وعند التوقيع ذهب وزير الخارجية سامح شكري إلى واشنطن وقام بالتوقيع بالأحرف الأولى، بينما لم تحضر إثيوبيا من الأساس.

ثم استجابت مصر لوساطة السودان وتم التفاوض من 7 – 17 يونيو الجاري بدون أي نتائج، ومن ثم لجأت مصر إلى مجلس الأمن الدولي بعد استنفاذ كل سبل التفاوض، ويعكس اللجوء أن مصر لازالت حريصة على انتهاج المسار السياسي، استنادًا إلى المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة التي تخول لمصر بصفتها عضو بالأمم المتحدة أن تعرض على مجلس الأمن الأزمة التي من الممكن أن تهدد الامن والسلم الدوليين. 

وأضاف اللواء “الدويري” أن مصر طلبت من مجلس الأمن التدخل في 3 قضايا، الاولى استئناف المفاوضات بين الدول الثلاثة، والثانية التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن، والثالثة عدم اتخاذ إثيوبيا أي إجراءات أحادية وبمعنى أدق عدم القيام بالملء الأول إلا بعد التوصل إلى اتفاق بين مصر والسودان. 

وحول سيناريوهات تدخل مجلس الامن الدولي، أشار نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن السيناريو الأقرب أن يبدأ مجلس الأمن خلال أيام قليلة قادمة في عقد اجتماع لبحث الازمة وكل تفاصيلها، وذلك لأن مصر أرسلت مذكرة أمس، وقد أرسلت مذكرة قبل ذلك منذ حوالي شهرين، وطبقا للفصل السادس سيصدر مجلس الأمن توصية باجتماع الاطراف الثلاثة مرة اخرى وتبدأ مفاوضات مرة أخرى للوصول إلى الحل المتوازن، وهذه المرة الوسيط ليس دولة أو منظمة إقليمية ولكن سيكون مجلس الامن الدولي ومن هنا تأتي أهمية هذا الأمر. 

وأضاف أنه بما أن مصر أكدت على انتهاج الحل السياسي حتى نهايته، فلن تستطيع إثيوبيا التنصل من المفاوضات القادمة لأنها ستكون بتوصية من مجلس الأمن طبقا للفصل السادس، والتي تكتسب بموجبها الصفة الالزامية الادبية، وفي حال أتخذت إثيوبيا موقفا منفردًا فستكون بذلك تحدت العالم وليس مصر أو السودان فقط، وفي حال رفضت إثيوبيا التفاوض فيمكن الوصول إلى أبعد من ذلك، لأنه في حال استشعر مجلس الأمن الرفض الإثيوبي “حال حدوثه” يمكن أن ندخل في الفصل السابع، وهذا أمر أخر يمكن بحثه بعد اصدار مجلس الأمن التوصية. 

وفيما يتعلق بقيام إثيوبيا بملء السد دون اتفاق، أكد “الدويري” أنه انتهاك للقوانين الدولية واتفاق اعلان المبادئ الذي وقعته إثيوبيا في عام 2015، وسيوثر الملء بدون شك على مصر والسودان بمخاطر كثيرة وكبيرة، فسيؤثر على مصر فيما يتعلق بالكهرباء والزراعة والأراضي والمواد الغذائية ومنسوب مياه السد العالي، وسيؤثر على السودان من فيما يتعلق بسد الروصيرص لأن  السد الإثيوبي قد ينهار لأن هناك مشكلة في عامل الامان، وهو ماسيؤدي لفناء الخرطوم و واختفائها من الخريطة العالمية، وبالتالي هناك مخاطر حقيقية من بدء إثيوبيا الملء وما بعده بمفردها بدون اتفاق.

 وشدد على أنه يجب أن تكون هناك ضغوط دولية وإقليمية مكثفة على إثيوبيا حتى تنصاع للضغوط وتبدأ الملء الأول باتفاق، وأن مصر ليست ضد الملء الأول ولكنها مع الملء الأول في إطار اتفاق شامل وذلك طبقا للبند الخامس من إعلان المبادئ، وأن يكون الملء في إطار اتفاق شامل، ولكن دون ذلك ستكون إثيوبيا تتحدى العالم وستكون مخطئة اذا أعتقدت أنها قادرة على تحدي مصر والسودان والمجتمع الدولي. 

وحول ارتباط السد بالأوضاع الداخلية الإثيوبية، أكد اللواء “الدويري” أن هناك بعد داخلي يستند عليه رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد ولذلك فقد قام بتأجيل الانتخابات لفترة نظرًا لوجود بعض المشاكل الداخلية، ووجود انقسامات عرقية ومعارضة ويريد تصدير الأزمة الداخلية للمشهد الخارجي.

وأضاف أنه عندما جرت المحادثات في واشنطن، وافقت مصر على الملء الأول للسد لتوليد الكهرباء إلى إثيوبيا في بداية العام القادم حتى يشعر أبي أحمد أنه حقق نجاحًا وأن مصر تدعمه باعتبار أن السد مشروع قومي ويؤدي لتنمية اقتصادية ولا مشكلة لدى مصر في ذلك، ووافقت مصر على الملء الأول بشرط أن يكون في إطار اتفاق شامل على الملء بكل المراحل وعلى تشغيل السد، وحاولت إثيوبيا اجتزاء الاتفاق واخذ الملء الأول كاتفاق منفرد ويتم التوقيع عليه ومن ثم رفضت مصر ذلك تمامًا. 

وحول حقوق مصر المائية التاريخية في نهر النيل أكد اللواء محمد إبراهيم، أن إثيوبيا أنتهكت اتفاق المبادئ كإطار عام وأنتهكت الديباجة الملزمة، والمبدأ الأول والثاني والثالث والرابع حول التعاون والتفاهم المشترك، والمبدأ الخامس الخاص بالتعاون في الملء وتشغيل السد، والمبدأ الثامن المتعلق بأمان السد لأن إثيوبيا لم تقدم الدراسات المطلوبة التي تؤكد أن السد آمن، كما أنتهكت المبدأ العاشر الخاص بتسوية المنازعات لأنها ترغب في تفسير مبدأ الوساطة كما يحلو لها.

وشدد على أن  قضية المياه بالنسبة لمصر قضية حياة وقضية وجود وكل الاتفاقيات السابقة في أعوام  1902 و 1929 و 1959،  كلها اتفاقات تؤكد حق مصر في المياه والكميات التي نصت عليها، كما نصت على عدم إقامة أي سد إلا بعد إخطار مسبق لمصر وهو ما لم تقم به إثيوبيا، وأشار إلى أنه في في عام 1993 وقع الرئيس الراحل حسني مبارك اتفاق إطاري تعاوني مع رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زيناوي تضمن الاتفاق على احترام قواعد القانون الدولي وعدم الاضرار بمصالح مصر المائية، وإثيوبيا لا تريد الاعتراف بتلك الاتفاقيات ولاحتى اتفاق المبادئ الذي وقعت عليه في عام 2015. 

وحول محاولة إثيوبيا لفرض سياسة الأمر الواقع على مصر، أكد اللواء “الدويري” أن مصر رفضت سياسة الامر الواقع من اليوم الأول وحتى اليوم الاخير وهي سياسة مرفوضة تمامًا لا تقبلها، وأن كون مصر قبلت التفاوض طوال سنوات طويلة عبر مختلف اللقاءات والاجتماعات الثلاثية والرباعية والسداسية، فهذا لايعني أن مصر قبلت بالأمر الواقع، فالأمر الواقع هو أن توقع مصر على اتفاق لا يحقق المصالح المائية المصرية، وهذا لن يحدث، وأن إثيوبيا واهمة تمامًا اذا ظنت أنها ستفرض هذا الأمر الواقع على مصر التي تتفاوض بحسن نية وبقوة، وأنها ستنتهج المسار السياسي حتى نهايته ثم نري ماذا سيتم.

وحول درجة أمان سد النهضة الإثيوبي، شدد نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية على أن هناك مخاطر حقيقية للغاية حول أمان السد، ولهذا صممت مصر في عام 2012 على تشكيل لجنة خبراء دولية والتي أنهت تقريرها في 31 مايو 2013، ونص التقرير صراحة على أن عامل أمان سد فيه شك كبير وأن كل الدراسات الإثيوبية لا يمكن أن تكون حقيقية لأنها لا يمكن أن تتعامل مع سد بهذا الحجم.

وعندما بدأت إثيوبيا التفكير في السد، كان مقرر أن يكون سد طوله 90 متر بسعة تخزينية 14.5 مليار متر مكعب، ولكن تم تغيير هذا المخطط ليكون سعته 74.5 مليار متر مكعب، ومصر تتعامل في مسألة مخاطر السد بشكل جدي وهناك نصًا واضحًا في اتفاق إعلان المبادئ على مبدأ أمان السد، وأكدت السودان منذ أيام على أن يكون عامل الأمان عند تشغيل السد مطمئن لانه لو حدث أي خلل عند تشغيله ستحدث كارثة في السودان وخسائر كبيرة لمصر. 

وفي ختام حديثه وجه اللواء محمد إبراهيم رسالة للمواطن المصري قال فيها،  “أن قضية سد النهضة قضية أمن قومي مصري لاتهاون فيها ولا تفريط، أيها المواطن المصري ثق في قيادتك السياسية وأنها حريصة على المصلحة العامة والأمن القومي ولدينا مؤسسات قوية قادرة على الحفاظ على أمننا القومي وهذه القضية سننتهج فيها كل الوسائل السياسية حتى الوصول الى اتفاق عادل ومنصف، وكن مؤيدا لقيادتك السياسية خلال الفترة القادمة الهامة للغاية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى