العراق

ماذا يحدث في شمال العراق؟

يستمر التدخل التركي في الأراضي العراقية بزعم الحفاظ على أمنها القومي ومواجهة الإرهاب الذي يمثل بين الحين والآخر تهديدا لها، إلا أن المتتبع لسلسلة الهجمات التركية على شمال العراق يرى أن هناك طموحا ورغبة في التمدد والتمركز من خلال قواعدها العسكرية، فالوجود العسكري يعود إلى حقبة الثمانينات والذي دعمه اتفاق أنقرة وبغداد منذ 1983.

طبيعة العمليات العسكرية التركية

تواصل تركيا عدوانها على الأراضي العربية وتمددها في كل من سوريا وليبيا والعراق وآخرها ما سمي بعملية” المخلب- النسر” التي قام بها الطيران التركي بحجة مواجهة الإرهاب وضرب أهداف تابعة لحزب العمال الكردستاني المصنف من قبل تركيا بمنظمة إرهابية من خلال 18 طائرة عبرت باتجاه مناطق سنجار ومخمور والكوير وأربيل وصولاً إلى قضاء الشرقاط بعمق 193 كلم من الحدود التركية داخل الأجواء العراقية.

وتعد تلك العملية التي تستهدف حزب العمال الكردستاني في المنطقة الممتدة من جبل سنجار الذى يسيطر عليه اليزيدية إلى الغرب وجبال قنديل في الشرق أكبر عملية تركية منذ عام 2015، باستخدام مقاتلات إف 16 وطائرات مسيرة وراجمات صواريخ، إضافة إلى توسع تركيا بريا داخل إقليم كردستان العراق بعمق أكثر من 10 كيلومترات بالقرب من منطقة باطوفه الحدودية التابعة لبلدة زاخو في اقصى شمال محافظة دهوك[1].

وأطلقت على العملية البرية “المخلب- النمر” بمشاركة وحدات من القوات الخاصة الكوماندوز لمواجهة الهجمات المتزايدة مؤخرا ضد القواعد العسكرية التركية قرب الحدود العراقية[2]، وإقامة قاعدة عسكرية مؤقتة لها لمتابعة عملياتها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التدخلات التركية لا يدعمها اتفاقية التعاون الأمني بين تركيا والعراق والتي طبقت منذ 15 أكتوبر1984 وعرفت باتفاقية المطاردة الحثيثة لغرض مكافحة الإرهاب فى منطقة الحدود المشتركة والتي نصت على السماح لكل من تركيا والعراق بالقيام بعلميات متابعة للعناصر التخريبية داخل أراضي الطرف الآخر في حالة الضرورة القصوى ولمسافة خمسة كيلو متر ولمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام[3].

تشير بعض التحليلات إلى وجود اتفاق بين تركيا وسلطات كردستان العراق حول دخول القوات التركية لاسيما في ظل الدعم التركي لكل من الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني والذى أسسه جلال طالباني، خاصة وأن هناك منافسة بين حزب العمال الكردستاني المستوطن في أربيل منذ 1991 وإقليم كردستان العراق الكيان الكردي الوحيد الحاصل على حكم ذاتي على عكس الأكراد في كل من تركيا وسوريا وإيران.

كما أن هناك تنسيق تركي إيراني بقصف أعالي مارين بيشه، ضمن حدود قرية آلانه في حاج عمران[4]، حيث تزامنت العمليات التركية مع القصف المدفعي الإيراني لكل من الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الكوملة الثوري وهو ما مثل تهديدا لسكان القرى الواقعة في هذه المناطق، مما اضطر البعض منهم إلى مغادرة منازلهم وتضرر مزارعهم[5].

 كما تتزامن الضربات التركية على شمال العراق فى الوقت الذى اعتزم فيه حزب الشعب الديمقراطي في تركيا تنظيم مسيرات ما بين 15 -20 يونيو اعتراضا على القهر الذى يتعرض له الساسة الأكراد فى تركيا[6].

الأهداف المعلنة:

هناك صراع تركي كردى منذ 1984 رغبة في حصول الأكراد على حكم ذاتي، لذا تمثل القضية الكردية هاجسا لدى لتركيا، ويتزعم القضية الكردية حزب العمال الكردستانى مما تعده أنقره تهديدا لها، وهو ما جعلها تستهدف مقار الحزب فى مناطق عدة على الشريط الحدودى العراقى التركى بدءا من بلدة زاخو ومرورا بمنطقة الزاب فى قضاء العمادية بشمال دهوك وصولا إلى شمال أربيل فى مناطق برادوست و خواكورك وسفح جبل قنديل الواقع بين محافظتي أربيل والسليمانية[7]، إضافة إلى استهداف مخيما للاجئين فى مخمور جنوب غرب أربيل والتى بها أكثر من 10000 كردى فروا من العنف فى تركيا منذ 1990.

تهديد مستمر

لا تعد عمليتى “المخلب النسر والمخلب النمر” الأولى ضد حزب العمال الكردستانى داخل الأراضى العراقية فقد نفذت تركيا أكثر من هجوما عسكريا فى شمال العراق فى الفترة من 20 مارس-4 مايو 1990 مستهدفة 35 ألف جندى لحزب العمال الكردستانى، ثم ما سمى بـ عملية المطرقة فى الفترة من 12 مايو-7 يوليو 1997 ودعمت تركيا خلالها الحزب الديمقراطى الكردستانى برئاسة بارزانى بـ 30 ألف جندى لمحاربة حزب العمال الكردستانى، ثم عملية الفجر بدعم من القوات الجوية التركية فى 25 سبتمبر-15 أكتوبر1997، إضافة إلى عملية الشمس فى فبراير2008 بمشاركة 800 جندى[8]، وقد قامت بقصف مدينة عفرين ذات الأغلبية الكردية شمال شرق سوريا فى يناير 2018[9] . كما قامت بغارات على مواقع في محافظة نينوى العراقية والذي استدعت الخارجية العراقية على خلفيته السفير التركي في بغداد في أبريل الماضي معبره عن احتجاجها على تلك العمليات التركية[10].

والجدير بالذكر أن تركيا تمتلك أكثر من 10 مواقع عسكرية منذ عام 1995 فى العراق فى محافظة دهوك[11]. وتشير تقارير أخرى أن لدى تركيا 19 قاعدة تركية منها 15 قاعدة عسكرية و4 استخباراتية[12].

رفض عربي

هناك إجماع عربي على رفض التدخل التركي في شمال العراق والذي يهدد أمن وسلامة الدول العربية ويزعزع استقرارها، وقد توالت المواقف العربية بدءا بموقف الخارجية العراقية والذي تمثل في استدعاء السفير التركي في بغداد فاتح يلديز مرتين على التوالي أمس الثلاثاء والخميس، رافضة لهذه التدخلات ومطالبة بانسحاب القوات التركية، والكف عن مثل هذه الأفعال الاستفزازية مشيرة إلى احتفاظ العراق بحُقُوقه المشروعة في اتخاذ الإجراءات كافة التي من شأنها حماية سيادته وسلامة شعبه.

كما صدرت العديد من البيانات العربية الرافضة للتدخل التركي في شمال العراق واعتبرته مصر استمرار لسناريو الانتهاكات المتكررة على العراق، بما يخالف المواثيق الدولية ومبادئ احترام سيادة الدول وحسن الجوار، أيضاً ترفض الكويت التدخلات التي تمس سيادة أي من الدول العربية[13]، وأدانت الخارجية السعودية العدوان التركي واعتبرته تدخل مرفوض وانتهاك لسيادة الدولة وتهديد للأمن العربي والإقليمي[14].

وعبرت الجامعة العربية في بيانها بأن ذلك التدخل هو اعتداء على سيادة العراق، وقد تم دون تنسيق مع الحكومة العراقية وهو ما يعكس عدم احترام تركيا للقانون الدولي ولعلاقتها مع جيرانها العرب.

ختاما يمكن القول إن هناك موقف عربي موحد رافض للتدخلات التركية في الأراضي العربية على حد سواء سوريا، ليبيا، العراق، بما يتطلب من تركيا ضرورة احترام مبادئ حسن الجوار وسيادة هذه الدول، كما أن هذا التدخل التركي المستمر يتطلب مراجعة الاتفاقيات الأمنية بين العراق وتركيا، وبدء حوار تركي عراقي حول المشاكل الأمنية الحدودية بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.


[1] لليوم الثاني.. قصف إيران وتوغل تركي شمالي العراق، سكاي نيوز عربية،17 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3ecOBI1 تاريخ الدخول 17 يونيو 2020.

[2] مخلب تركيا يجتاح شمال العراق، الشرق الأوسط، 18 يونيو2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2UW6jYU تاريخ الدخول 19 يونيو2020.

[3]  عمار عباس محمود، القضية الكردية:إشكالية بناء الدولة، يناير 2016، ص 116، متاح على الرابط: https://bit.ly/3dedvWr تاريخ الدخول 19 يونيو2020.

[4] إيران تنضم إلى تركيا في قصف الأراضي العراقية، الشرق الأوسط،17 يونيو2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3fvl1Of  تاريخ الدخول 17 يونيو2020.

[5] هجوم تركي-إيراني “متزامن” على قرى سكنية في شمال العراق، سكاي نيوز عربية، 16 يونيو2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2N4VdMJ تاريخ الدخول 17 يونيو 2020.

[6] Ana Rodríguez, Turkey bombs Kurdish positions in northern Iraq,Atalayar,15 June 2020,available at: https://bit.ly/3fwF4Ma accessed on 18 June 2020.

[7] ما أسباب التصعيد العسكري التركي في العراق.. وما تأثيره على موازين القوة الإقليمية؟، الجزيرة، 18 يونيو2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Nb3yhZ  تاريخ الدخول 19 يونيو 2020.

[8] Timeline: Turkey’s military operations in Iraq and Syria,Reuters,11 October 2019, available at: https://reut.rs/2CnMza5 accessed on 19 June 2020.

[9] Amberin Zaman, Turkey bombs PKK targets in northern Iraq as government’s ratings sag, AL Monitor,15 June 2020,available at: https://bit.ly/3hGJNwH accessed on 18 June 2020.

[10] تركيا تطلق “المخلب-النسر”.. وتضرب أهدافا كردية في العراق، سكاي نيوز عربية،15 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Chyx9Z تاريخ الدخول 17 يونيو 2020

[11] ما أسباب التصعيد العسكري التركي في العراق.. وما تأثيره على موازين القوة الإقليمية؟، مرجع سبق ذكره.

[12] علي حسين باكير، تركيا في العراق.. كيف استطاعت أنقرة أن توسع نفوذها في بغداد؟،الجزيرة،25 يونيو 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Bjq7yr تاريخ الدخول 19 يونيو 2020.

[13] تركيا تواصل عملياتها في العراق.. ومزيد من الإدانات العربية، الشرق الأوسط، 20 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2NgyPQE   تاريخ الدخول 20 يونيو 2020.

[14] السعودية تدين العدوان التركي ـ الإيراني في العراق، الشرق الأوسط، 19 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2YiXp9H تاريخ الدخول 20 يونيو 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى