أوروبا

قيادات محلية روسية ساعدها تفشي فيروس كورونا على أن تلمع في سماء الشهرة

قبل وبعد تفشي فيروس “كورونا”، هناك مراحل فاصلة تشكل تحولات محورية في حياة الكثيرين. أسماء تلمع وتظهر على السطح وأخرى تنزوي في الخلفية. هكذا يمكن ببساطة أن نلقي نظرة عن كثب على شخصية كانت قبل تفشي فيروس كورونا تعمل في الظل، ولكن سرعان ما تغيرت الأحوال بتفشي المرض. حيث أصبحت تلك الشخصية هي محور حديث الأخبار على مدار الساعة في روسيا، وما بين ليلة وضحاها تتغير أقدراها من مسئول محلي بارز الى شخصية لها شهرة واسعة ومتابعين كُثر. 

الحديث هنا يدور عن سيرجي سوبانين، عمدة مدينة موسكو. ودوره الكبير في مواجهة تفشي فيروس كورونا. وهو المسئول المحلي البارز الذي أًصبح في الآونة الأخيرة أحد الصانعين الرئيسين لعناوين الشريط الإخباري الروسي، وهو نفس الشخص الذي أثيرت حوله تكهنات وتساؤلات، تذهب في اتجاهين أحدهما يتوقع أن يكون سوبانين هو رئيس وزراء روسيا القادم والآخر يُرجح أن يكون هو خليفة بوتين على رأس السلطة. وهنا يطرح تساؤل نفسه، ما هي مدى مصداقية هذه الترجيحات؟! 

سيرجي سوبانين.. سيرة ذاتية حافلة بمحطات من الفخر والتفوق 

يعد سوبانين سياسي ورجل دولة من طراز خاص، نظرًا لانحداره من الطبقة العاملة. حيث شق طريقه وصولاً الى ما حققه من نجاحات بصعوبة بفعل عمله الشاق في بيئة اجتماعية قاسية. تتخلل سيرته الذاتية محطات حافلة، حيث تم انتخابه عمدة لموسكو في 2010، وفي 2018 أعيد انتخابه لهذا المنصب مرة أخرى.  قبل أن يشغل سوبانين منصب عمدة العاصمة، كان يعمل نائبًا لرئيس وزراء روسيا. 

حصل على دبلوم في الهندسة الميكانيكية في 1980. وقرر بعد ذلك أن يرتقي بدرجته العلمية، وحصل في 1989 على شهادة في القانون، وبعد مضي عشر سنوات على هذا التاريخ حصل على درجة الدكتوراه في القانون. تدرج سوبانين في الكثير من المناصب قبل أن ينتقل الى العاصمة، التي ساهمت بشكل كبير في الإسراع من وتيرة تطوره المهني. 

ففي 2006 كان عضوًا في لجنة التعاون العسكري التقني. وفي عام 2008 قاد الحملة الانتخابية للرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيدف، وفي 2009 تم تعيينه رئيسًا لمجلس إدارة القناة الأولى. بعد فوز ميدفيدف في الانتخابات الرئاسية، تقلد سوبانين منصب نائب رئيس وزراء الاتحاد الروسي في الوقت الذي كان الرئيس الحالي للبلاد بوتين يشغل فيه منصب رئيس الحكومة. كما أصبح كذلك عضوًا في لجنة التنمية الاقتصادية للاتحاد الروسي. 

استقال عمدة العاصمة السابق يوري لوجكوف من منصبه في عام 2010. تلي ذلك، أن تم ترشيح أربعة أسماء قد تخلفه في منصب عمدة موسكو، كان سوبانين أحد هذه الأسماء. وبمجرد أن وقع الاختيار عليه في منصب عمدة موسكو، تم تجريده من صلاحيات منصب نائب رئيس الوزراء. وانطلاقًا من هذه اللحظة، أخذ سوبانين على عاتقه حل مشكلات المدينة التي كانت في رأيه تتمثل في الاختناقات المرورية والفساد. 

يُنسب اليه كذلك، أنه عمل على توقيف تدمير المباني التاريخية في موسكو لأجل استبدالها بأخرى جديدة. وأقام معركة ضد الجريمة المنظمة والتجارة الغير قانونية، وعمل على تنمية وسائل النقل العام. كما عمل تحديث التعليم الحضري وتطوير أنظمة الرعاية الصحية. 

في عام 2012، استقال سوبانين من منصبه بعد أن أًصدر ميدفيدف القانون الخاص بعودة تعيين القيادات الإقليمية على أساس انتخابي. ولهذا السبب قرر سوبانين أن يخوض الانتخابات على منصب العمدة، وأصبح منافسه الرئيسي في هذه المعركة هو المعارض الروسي أليكسي نافالني، وربح سوبانين الانتخابات. 

سوبانين أثناء جائحة كورونا

تناقلت وسائل إعلامية ما يفيد بأنه على الرغم من أن سوبانين لم يشغل منصب رئيس الوزراء الفعلي للبلاد، إلا أن تفشي جائحة كورونا قد يكون هو الذي قاده الى المقدمة في منصب يتشابه الى درجة كبيرة مع صلاحيات رئيس الوزراء. فقد قاد سوبانين مجموعة العمل التابعة لمجلس الدولة والمختصة بمكافحة الفيروس التاجي. وعليه، تم تطبيق جميع التدابير المتخذة في موسكو في جميع أركان روسيا. بالشكل الذي يمكن معه القول إن العمل في منصب عمدة عاصمة البلاد قد وضعه في دائرة أهم 4 أشخاص داخل روسيا. 

ويوجد داخل روسيا في الوقت الراهن، مسئولان رئيسيان عن السيطرة على انتشار عدوى الفيروس التاجي في البلاد. في 14 مارس 2020، تم انشاء مجلس تنسيق حكومي مختص بمكافحة انتشار الفيروس التاجي برئاسة ميخائيل ميشوستين. وفي اليوم التالي -15 مارس- تم انشاء مجموعة عمل في إطار مجلس الدولة، بقيادة عمدة موسكو سيرجي سوبانين. وتعقد اجتماعات مجموعة العمل بمعدل مرة كل يومين أو ثلاثة أيام. ويشارك فيها المحافظون والوزراء وكذلك نائب رئيس الوزراء تاتيانا جوليكوفا. ويقدم كلاً من ميخائيل ميشوستين وسيرجي سوبانين تقارير بشكل منتظم الى بوتين بشأن الوضع الوبائي وتطوراته. 

ردود أفعال على تحركات سوبانين أثناء الجائحة – آراء متضاربة 

يشير محللون سياسيون الى أن سيرجي سوبانين يلعب دورًا قياديًا بالغ الأهمية خلال الأزمة، ويرى أن هذا الدور يؤهله لأن يكون هو الزعيم الإقليمي الأكثر خبرة والمدير الأكثر كفاءة ومهارة اثناء المرور بالأزمة. فيما وصفه أحد المحللون أن دوره خلال الفترة الماضية جعل منه “أبًا للأمة”. بينما يرى آخرون أن الأزمة الحالية التي تشهدها البلاد كانت بمثابة اختبارًا حقيقيًا يبرهن على مدى كفاءة وفاعلية كل مسئول محلي داخل البلاد. 

يذكر كذلك أن مركز بيانات ليفادا كان قد أجرى استطلاع للرأي بخصوص سوبانين خلال شهر ابريل 2019. ونتج عن هذا الاستطلاع أن معدل 57% من سكان مدينة موسكو ممن اشتمل عليهم الاستطلاع كانوا ينظرون بإيجابية نحو قرارات العمدة. بالشكل الذي يضع سوبانين هو السياسي الثاني على مستوى العاصمة من حيث معدلات ثقة المواطنين.  لكن تجدر الإشارة الى أن مركز ليفادا لم يجري أي استطلاعات رأي بخصوص نفس المسألة بعد ما شهدته العاصمة من مسيرات احتجاجية صيفية أو حتى خلال الجائحة التي تمر بها البلاد في الوقت الراهن. 

وهو ما قد يكون مبرر منطقي للأخذ بعين الاعتبار الآراء المعارضة لأداء سوبانين خلال الجائحة، والتي تميل معظمها الى اعتبار سياسته وتعليماته في غاية القسوة والصرامة. كما يتداول البعض ادعاءات تفيد أنه تسبب في أزمة عميقة نتج عنها تعرض شريحة ليست هينة من السكان للفقر، وتدمير أعمالهم، وارتفاع معدلات البطالة. فيما تشير آراء أخرى، إلى انعدام فاعلية جميع ما اتخذه سوبانين من إجراءات اغلاق صارمة في مواجهة الفيروس، بفعل بقاء محطات مترو الانفاق قيد العمل خلال فترة الإغلاق. إذ أن حجم الاحتكاك البشري المستمر داخل محطات مترو الأنفاق العملاقة التي تربط ارجاء العاصمة ببعضها البعض، كان كفيلاً بإبطال فاعلية جميع الإجراءات الأخرى. 

وختامًا، أن الحديث عن إمكانية تولي سوبانين منصب رئيس البلاد خلفًا لبوتين، قد يكون درب من دروب الخيال، لأسباب كثيرة تبدأ من أن بوتين وسوبانين كلاهما في الستينيات من العمر، وأن المنطق يقودنا لأن نتوقع أنه بوقت تنحي بوتين عن السلطة سوف يتطلب الأمر الاعتماد على خليفة أصغر سنًا ولديه لياقة أكبر على تحمل أعباء الحكم. وتنتهي عند النظر الى حقيقة أن سوبانين لم يكتسب أهميته وشهرته خلال الجائحة لأي أسباب أخرى سوى أنه يشغل منصب عمدة موسكو، وهي ليست مجرد العاصمة فقط ولكنها في نفس الوقت كانت بؤرة تفشي المرض على مدار انتشاره في البلاد. 

بمعنى آخر، إن ما اتخذه سوبانين من إجراءات دفعت بإسمه الى شاشات الأخبار والبرامج التليفزيونية لم تكن تختلف في مضمونها أو ترتيبها وتوقيتاتها وشدتها عن أي إجراءات أخرى تم اتخاذها لمكافحة المرض، إما في مدن أخرى داخل روسيا، أو حتى في بقاع أخرى عبر العالم. لا يمكن إنكار أن سوبانين قائد كفؤ ويتمتع بمهارات إدارية عالية وذكاء استثنائي، لكن كل هذه السمات لا تمنع أن ما حظي به من انطلاقة وكما ذكرنا آنفًا، يعود الى كونه يشغل منصب عمدة العاصمة. ولا تمنع كذلك، أنه قد يكون لا يزال بعيدًا عن تولي منصب رئيس الوزراء الروسي التالي، والسبب يعود إلى أنه لطالما كان شخصًا مقربًا من الدائرة اللصيقة لبوتين، ولكن الأخير فضل مع ذلك اختيار ميشوستين بدلاً عنه. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى