تركيا

بالوثائق.. “عبد الله بوزكورت” يكشف: كيف أشرف أردوغان على مسيرات احتجاجية ضد مصر، وكيف فشل في تجييش منظمة المؤتمر الإسلامي ضد القاهرة

كشفت إحدى المكالمات الهاتفية، التي تم التنصت عليها، في سياق تحقيق جنائي تم إجراؤه عام 2013، للتحقيق بشأن إحدى شبكات الجريمة المنظمة في تركيا، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تجاهل كافة المخاوف الداخلية من وقوف تركيا بمفردها، في موقف المعادي للقيادة المصرية الجديدة، بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، وأشرف بشكل شخصي، كرئيس لوزراء تركيا، على حشد أعداد من المتظاهرين، في تركيا ودول أخرى، للتظاهر دعماً لمرسي. ويتضح من تفاصيل هذه المكالمة، مدى التعصب الأيديولوجي، الذي كان دوماً محفزاً أساسياً لطموحات أردوغان السياسية، التي تستهدف تبوأ قيادة العالم الإسلامي، والاستفادة بشكل أساسي من فصائل جماعة الإخوان المسلمين حول العالم، وهذا كله على حساب المصالح الوطنية التركية.

صورة من احدى التظاهرات المناهضة للحكومة المصرية المؤقتة، تم تنظيمها في إسطنبول في السابع عشر من أغسطس 2013، وقد نظمتها بأوامر أروغان مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية (IHH).

تمت المكالمة الهاتفية التي نحن بصددها، في السادس عشر من أغسطس عام 2013، الساعة الثالثة والنصف مساء، بين “رجب طيب إردوغان، رئيس الوزراء التركي آنذاك، ورجل الأعمال السعودي ياسين القاضي”، الذي كان حينها مدرجاً من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، ضمن قائمة الممولين لتنظيم القاعدة الإرهابي.

خلال هذه المكالمة، أعرب أردوغان عن ضيقه من طغيان تطورات المشهد المصري الدراماتيكية آنذاك، على كافة التطورات الإيجابية في تركيا، وقال “غدا، سوف أسافر إلى محافظة بورصة شمال غرب البلاد، للتظاهر مع شعبنا، نصرة لإخواننا في مصر، واليوم أقيمت هناك جنازة رمزية لتأبين شهداء مصر”.

وأضاف أردوغان أن مديرية الشئون الدينية التركية (ديانت)، قامت بدور أساسي في إقامة صلاة الجنازة في عموم تركيا، وجدير بالذكر هنا، أن (ديانت) هي إحدى الوكالات الحكومية التي يتولى إدارتها أردوغان، وتدير نحو 90 ألف مسجد في عموم البلاد، ويعمل بها أكثر من 150 ألف إمام وخطيب، داخل البلاد وخارجها.

وتابع أردوغان قائلاً سيكون هناك تجمع حاشد غدا في مركز مقاطعة قونيا، بالتزامن مع تواجدنا في مدينة بورصة، مشيراً إلى أنه يجب توسيع نطاق هذه الفعاليات والتجمعات، وهنا أعرب ياسين القاضي، عن أسفه لاستمرار صمت العالم العربي، حيال الإطاحة بمحمد مرسي، وأعرب القاضي عن أسفه لأن العالم العربي ظل صامتًا بشأن الإطاحة بمرسي، وأن انعدام ردود الفعل من جانب الدول الغربية، أو ما أطلق عليه (النادي المسيحي)، على هذا الحدث، أثار انزعاجه بشكل أكبر، وقد أتفق أردوغان مع القاضي بشأن هذا.

وثيقة المحادثة الهاتفية بين أردوغان وياسين القاضي

وإذا ما راجعنا أحداث تلك الفترة (2013)، سواء التي تمت قبل هذه المكالمة أو بعدها، سنجد تأكيداً لصحة كل ما أتي أردوغان على ذكره للقاضي عبر الهاتف، ففي الخامس عشر من أغسطس، أُقيمت سلسلة من الفعاليات والتجمعات، في عدة محافظات تركية، للاحتجاج على الإطاحة بمرسي، منها تجمع لعدد من المتظاهرين، أمام القنصلية المصرية في منطقة (بشيكتاش) في إسطنبول. في السادس عشر من نفس الشهر، تجمع بعد صلاة الجمعة، آلاف الأشخاص، في ساحة مسجد أيوب سلطان في إسطنبول، لأداء صلاة الجنازة على روح من قُتلوا في مصر من عناصر تنظيم الإخوان في مواجهات مع الأمن المصري، وبعد الصلاة، نظمت بعض المنظمات غير الحكومية، تظاهرات حاشدة، رُفعت خلالها الأعلام المصرية والتركية، بجانب صور للرئيس المخلوع محمد مرسي، وتزامن ذلك مع تظاهر نحو خمسمائة شخص، خارج مسجد الفاتح في اسطنبول، رددوا خلالها شعارات مؤيدة لمرسي.

أما في مقاطعة بولو، قادت مؤسسة المساعدة الإنسانية (İHH)، ونقابة موظفي الخدمة المدنية (Memur-Sen)، وهما من المنظمات المرتبطة بأردوغان، مسيرة من مسجد (يلدرم بايزيد)، عقب صلاة الجمعة، رفعت فيها شعارات مؤيدة وداعمة لمرسي، وكذلك تم تنظيم تظاهرات مماثلة، في أجزاء أخرى من البلاد، منها مدن: ديار بكر وماردين وأرضروم وبورصة وقيصري وبالوفا وبيتليس وأضنة وسامسون وطرابزون وأماسياً، بجانب منطقة (تشايكوما) في مقاطعة زونغولداك، ومنطقة (ساندليكلي) في مقاطعة أفيونكاراهيسار، وخلال كافة هذه التظاهرات، تم ترديد هتافات منددة بقائد الجيش المصري آنذاك عبد الفتاح السيسي، والولايات المتحدة وإسرائيل.

في اليوم التالي، السابع عشر من أغسطس، سافر أردوغان بالفعل إلى مدينة بورصة، (وذلك يؤكد صحة تفاصيل المكالمة التي نحن بصددها)، ومن هناك، وخلال كلمته في حفل افتتاح مشروع التحول الحضاري في منطقة يلدريم، وجه انتقادات لاذعة لقائد الجيش المصري عبد الفتاح السيسي، وشبهه بالرئيس السوري بشار الأسد، وأدعى أن مصر تعاني من (إرهاب الدولة)، وحمل الحكومة المؤقتة في مصر، مسئولية الحوادث الدامية في البلاد، وفي هذا الصدد قال خلال الحفل “أماكن العبادة مقدسة، لكن الحكومتان السورية والمصرية دمرتا وأحرقتا مساجد مصر وسوريا. لا فرق بين السيسي والأسد، وأولئك الذين يدعمونهم لا يختلفون عنهم”.

وتابع أردوغان قائلاً “هناك بعض الدول الإسلامية، التي وصفت الشهداء في مصر بالإرهابيين”، (في انتقاد غير مباشر لدول الخليج)، وقال “إن أولئك الذين يصفقون لإرهاب الدولة في مصر، هم على نفس المسار الذي تسير فيه الآن الحكومة المصرية المؤقتة”، وأنه “يوجد حالياٌ فريقين في مصر، الأول يتبع الفرعون، والآخر يتبع موسى”، ووجه أردوغان أيضاً خلال هذا الحفل، سهام الانتقاد لدول الخليج، لدعمها الحكومة المصرية المؤقتة بمليارات الدولارات.

كما كرر أردوغان اتهاماته للمجتمع الدولي، بشأن أحداث الشرق الأوسط، فقال “أولئك الذين التزموا الصمت، عندما تم إطلاق النار على المطالبين بالعدالة، وأولئك الذين بصمتهم على هذه الأحداث، وافقوا عليها وروجوا لها، جميعهم غرقوا في دماء المصريين، ولا يمكنهم مواجهة ضمائرهم بعد الآن”.

واستفاض أردوغان في هذا الصدد، وقال إن الأطراف الدولية التي تمارس ألاعيبها في مصر، ستحاول أن تمارس هذه الحيل في دول إسلامية أخرى، وأنهم قد يرغبون في فعل هذا أيضاً في تركيا، لأنهم لا يريدونها دولة قوية، وأضاف “سندمر محاولات إيقاعنا في هذا الفخ”. وفي أثناء حديثه عن مصر، رفع أردوغان أربعة أصابع، مشيراً بعلامة (رابعة)، في إشارة دعم للإخوان المسلمين، مستوحاة من اعتصام ميدان رابعة العدوية المسح في القاهرة أنذاك.

في تجمع حاشد يوم 17 أغسطس / آب 2013 في محافظة بورصة، رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان يرفع أربعة أصابع، يلمع “لافتة ربيعة”، رمز دعم احتجاجات الإخوان المسلمين في ميدان رابعة العدوية في القاهرة.

إحباط أردوغان بسبب فشله في الاستعانة بمنظمة المؤتمر الإسلامي ضد مصر

بالعودة إلى المكالمة التي نحن بصددها، نجد أن أردوغان خلالها، ذكر تفاصيل حول حوار دار بينه وبين “أكمل الدين إحسان أوغلو”، أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي فيها حذره أوغلو من أن تركيا قد تصبح معزولة إقليميا ودولياً، إذا استمرت في سياساتها المعادية لمصر، وذكر أردوغان للقاضي رده على كلام أوغلو، وقال قلت له ماذا تقصد بالوحدة؟، الله معنا، أليس هذا كافيا؟”، وأضاف أردوغان “قلت له أيضاً عليك أن تنظر للأمر من منظور ما إذا كنا نفعل الشيء الصحيح أم لا، الله معنا، فلا تكترث لكل الدول الأخرى”.

وقد اتفق القاضي مع أردوغان في هذا التوجه، وأشار إلى أنه كان على صواب في سياساته. علاوة على ذلك، ذكر أردوغان خلال هذه المكالمة، أن حكومته ستحفز منظمة المؤتمر الإسلامي، لعقد اجتماع طارئ، وأنها ستستغل هذا الاجتماع، من أجل مساعدة جماعة الإخوان المسلمين.

الإذن القضائي الذي تم بموجبه تسجيل المكالمة بين أردوغان والقاضي

مع ذلك، لم تنجح محاولات أردوغان، لتعبئة منظمة المؤتمر الإسلامي، ضد مصر، مما دفعه إلى إصدار أوامر إلى مساعديه، لملاحقة إحسان أوغلو. فقد كان إردوغان محبطاً بسبب عدم دعم منظمة المؤتمر الإسلامي، الحملة التركية ضد الحكومة المصرية المؤقتة، وكان غاضباً بشكل خاص من إحسان أوغلو، وهو مواطن تركي، يشغل منصب أمين عام هذه المنظمة. وبالفعل بدأ بعض مساعدي إردوغان في ذلك التوقيت، مثل نائب رئيس الوزراء “بكير بوزداك” في استهداف “إحسان أوغلو”، حيث دعا في مقابلة تلفزيونية، تم بثها في الثامن عشر من أغسطس، إلى استقالة أوغلو من منصبه، بدعوى أن هذه المنظمة غير فعالة، وقال نصاً “لقد انتفت الحاجة لوجود منظمة المؤتمر الإسلامي، بعد أن فشلت في إعلاء الصوت حيال الأوضاع في مصر، ولو كنت في موضع إحسان أوغلو، كنت سأستقيل من منصبي”.

وفي انتقاد آخر لإحسان أوغلو، كتب حسين شيليك، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم آنذاك، في نفس اليوم، على حسابه في موقع تويتر، هل هناك من يعرف ما فعله إحسان أوغلو؟، لقد أدان الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي بعد الانقلاب “. وفي معرض التعبير عن عدم موافقته على بقاء منظمة المؤتمر الإسلامي صامتة حيال الأحداث في مصر، قال شيليك “متى ستتكلم هذه المنظمة، عما يحدث في مصر، إن لم يكن الآن؟، أم أنها متأثرة بمواقف بعض الدول، التي تساهم في تمويلها؟”، وذلك في إشارة إلى دول الخليج العربي، التي كانت تدعم الحكومة المؤقتة في مصر.

لقد استخدم القاضي، من أجل إجراء المكالمة الهاتفية التي نحن بصددها، هاتف مسجل باسم مصطفى لطيف طوباش، وهو رجل أعمال فاسد، يرتبط بعلاقات وثيقة مع عائلة أردوغان منذ سنوات طويلة، وهو الذي تحدث أولاً مع إردوغان، وقال له العم – وهو الاسم الرمزي للقاضي – “يريد التحدث معك”. في ذلك الوقت، كان القاضي يعقد صفقات تجارية سرية مع طوباش، وبلال “نجل أردوغان” وشركاء آخرين، في انتهاك للقوانين التركية.

في السادس عشر من أغسطس، تجمع الآلاف في ساحة مسجد أيوب سلطان في اسطنبول، بعد صلاة الجمعة، لأداء صلاة الجنازة على روح أولئك الذين قتلوا في مصر، وللاحتجاج على الحكومة المصرية المؤقتة.

أُطيح بحليف أردوغان مرسي، في الثالث من يوليو 2013، بدعم من الجيش المصري، بعد احتجاجات شعبية واسعة، مما شكل ضربة قوية لعلاقات تركيا المهمة مع مصر، وهي دولة عربية كبرى.

وقد اصطف الرئيس أردوغان مع الإخوان المسلمين، ورفض الاعتراف بشرعية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحكومته، وعوضاً عن ذلك قدم ملاذا آمناً لقيادات جماعة الإخوان المسلمين، وحول تركيا إلى مركز إقليمي للتنظيم الدولي لهذه الجماعة. وفي أغسطس 2013، تبادلت تركيا ومصر، استدعاء السفراء، نتيجة لمواقف أردوغان المؤيدة بوضوح لجماعة الإخوان، وترتب على ذلك تخفيض العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلى مستوى القائم بالأعمال.

أردوغان ونجله بلال والسعودي ياسين القاضي

تصدر كل من ياسين القاضي وبلال أردوغان، قائمة المشتبه بهم، خلال تحقيق حول الفساد، أجراه الادعاء العام في إسطنبول، ويتعلق بالجريمة المنظمة، وكانت النيابة العامة على وشك توقيفهم، بموجب أوامر أصدرتها في الخامس والعشرين من ديسمبر 2013، لولا تدخل أردوغان، الذي أصدر أوعز لقيادة الشرطة التركية، بعدم تنفيذ قرارات الاعتقال الصادرة من المدعي العام بحق هؤلاء، وتمكن بعد ذلك من تبييض جرائم أصدقائه وأفراد عائلته، بقيامه بتنحية كافة المشاركين في تحقيقات النيابة حول هذا الموضوع، ومنهم المدعين العامين وبعض ضباط الشرطة.

وقد أقرت الدائرة الثانية في المحكمة الجنائية العليا بإسطنبول، التي تختص بالقضايا المتعلقة بالإرهاب، بصحة وقانونية تسجيل المكالمة الهاتفية التي نحن بصددها، وتم ضم هذا التسجيل، في الثامن عشر من أغسطس 2013، إلى ملف التحقيق رقم 2013/7296.

عبد الله بوزكورت

مدير مركز نورديك مونيتور السويدي لدراسات الإرهاب والاستخبارات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى