تركيا

مشاريع التوسع العقائدية وثنائية الأرض والممرات البحرية.. كيف يتشابه نظاما تركيا وإيران؟

الموقع الجغرافي المميز لكل من تركيا وإيران، أضاف لسياساتهما النشطة – خصوصية ووقعاً لا يمكن تجاهل أصداءه في الاستراتيجية العسكرية لإقليمي شمال إفريقيا والشرق الأوسط. فكلتا الدولتين تقعان ضمن الفضاء الأوراسي، أحد أهم محركات السياسة العالمية ونقطة انطلاق “انتقام” القوى التعديلية “روسيا والصين”، بناءً على المراجعات النقدية التي أحدثتها الدولتان للتسويات السياسية للحرب الباردة، بما دشّن مرحلة جديدة من العودة إلى حتمية الصراع التقليدي في نظام عالمي متعدد الأقطاب للسيطرة على ثلاثية الأرض والممرات البحرية والكتل القارية.

ومع بروز القوتين – تركيا، إيران – أمام محصلات التخطيط الاستراتيجي القادم من أقاصي الشرق بعد انقضاء الحرب الباردة، تموضع كلِ منهما في معسكر يتضارب جملةً وتفصيلاً مع الآخر بدءاً من الآيديولوجيا وصولاً للاستراتيجية العسكرية. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي الرامي لتطويق ومواجهة روسيا ومنعها من الانتقال للمياه الدافئة وتسربها مرة لشرق وجنوب أوروبا. وإيران شريك استراتيجي لروسيا والصين، فبعيداً عن الشراكات الأمنية والاقتصادية والعسكرية، فإن الثلاثي (روسيا – الصين – إيران) يمثل وفق المفهوم الغربي رأس حربة لتقويض النظم السياسية الليبرالية الغربية وقيمها الحضارية والثقافية. ومع التباين المُركب بين القوتين – تركيا، إيران – إلا أن ثمة تشابهات وقواسم مشتركة عديدة بينهما، تظهر جلياً في فضاءات الصراع بمنطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لأسباب يمكن عدّ أبرزها في:

  • عدم وجود مُنظم إقليمي، فبعد حرب أكتوبر 1973، تأسس ميزان جديد للقوي في المنطقة أرسي بها استقرار نسبي طيلة أربعة عقود، وامتص التوازن هزات اندلاع حروب طاحنة، كحربي “إيران – العراق”، غزو العراق للكويت وما تبعه من تدخل غربي – عربي. حيث كان المنظم الإقليمي آنذاك الولايات المتحدة. ومع اندلاع ما يُسمي “بالربيع العربي” مطلع العام 2011، وبدء ظهور بوادر الانسحاب الأمريكي من العراق وتخفيض القوات، غاب وجود “المنظم الإقليمي: في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولاسيما بعد الصعود العالمي الروسي التدريجي بٌعيد الحرب مع جورجيا بالعام 2008. حيث مثل غياب المنظم الإقليمي فرصة مواتية لموسكو لإنهاء قطيعة 24 عاماً للشرق الأوسط. ما دفع باتجاه تعظيم أدوار القوي الإقليمية الرئيسية.
  • انهيار موازين القوي لصالح القوي غير العربية، حيث انهارت موازين القوى للمنطقة العربية بعد حدثي غزو العراق بالعام 2003، واندلاع الأزمة في سوريا في مارس 2011. إذ خرجتا على إثرهما سوريا والعراق من معادلة القوي العربية، محدثتا انكشافاً أمنياً كاملاً للجناح الشرقي للمنطقة العربية لصالح كل من “تركيا – إيران – إسرائيل”.

وعليه، تشابهت إلى حدِ كبير الاستجابة التركية – الإيرانية، للمحصلة الكبرى للتحولات الأمنية منذ العام 2003، وصولاً للعام 2011، والمتمثلة في الانكشاف الأمني للجناح الشرقي للمنطقة العربية، فدعمتا الفواعل العنيفة من غير الدول، من خليج عدن لخليج سرت، ومن بغداد لطرابلس. إلا أن الاستجابة التركية – الإيرانية، تعدت مستوي الدعم المباشر – الغير مباشر، للتنظيمات المسلحة، لتدخل مرحلة الاشتباك العنيف مع الجغرافيا السياسية منذ حسم معركة حلب لصالح الجيش العربي السوري وروسيا وإيران. حيث تضمنت الاستجابة ملمحين أساسيين:

  • إنشاء بنية تحتية عسكرية “خارجية” ضمن سياسات التوسع الإقليمي، حيث عكفت إيران على التواجد في مختلف القواعد الجوية السورية لإدارة عمليات استخباراتية وقيادة عمليات ميدانية وتأمين نقاط الدعم اللوجيستي. وقسمت مناطق تواجدها في المسرح السوري ضمن اتجاهات استراتيجية ثلاثة، في الشرق “دير الزور” والشمال “حلب، حماة”، والجنوب “الخاصرة الجنوبية للعاصمة دمشق، وقبالة الحدود مع إسرائيل على بُعد 50 كلم. 

تصل أعداد القواعد العسكرية الإيرانية قرابة الـ 10، طبقاً لتقارير صادرة. وتركزت غالبية القواعد الإيرانية الثابتة في الخاصرة الجنوبية لدمشق، للضغط على إسرائيل ونقل المواجهة خارج إيران، وتعزيز مجال القدرة الصاروخية الإيرانية خارج حدودها السيادية. وهو ما يفسر تركيز الغارات الجوية الإسرائيلية في سوريا في منطقة الجنوب، وضواحي العاصمة، ومنطقة البوكمال في الشرق التي تعد بمثابة نقطة الربط للجسر البري الواصل من طهران حتي بيروت.

 أما في الحالة التركية، فإن البني التحتية العسكرية كانت في دوائر أوسع من مثيلاتها الإيرانية. أقر رئيس وزراء تركيا عام 2018 خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي وجود 11 قاعدة عسكرية تركية داخل العراق، وذكر أن تركيا تستعد لزيادة عدد قواتها المتمركزة في هذه القواعد رغم احتجاج الحكومة العراقية من حين إلى آخر. لكن العدد الحقيقي لهذه القواعد يتخطى الـ 15 قاعدة عسكرية وبعضها يقع على عمق 30 كيلومترا داخل إقليم كردستان العراق، بحسب تقارير حديثة. 

كما وفرت القواعد ونقاط الانتشار التركي العسكري في شمال العراق توجيه الاحداثيات الدقيقة لسلاح الجو، حيث نفذت تركيا في ساعات مبكرة من يوم الإثنين، 11 يونيو، سلسلة ضربات جوية مكثفة ضمن 80 غارة، علي أهدافِ لحزب العمال الكردستاني في منطقة جبال قنديل، حسبما ذكرت وزارتي الدفاع والخارجية التركيتين.  

وفي سوريا، أنشأت تركيا حوالي 60 نقطة مراقبة عسكرية في أربع محافظات سورية، الحسكة، حلب، حماة واللاذقية. تقوم بهمام تنفيذ بنود الهدنات العسكرية مع الجانب الروسي فضلاً عن بنود اتفاقات “أستانا – سوتشي”، كما تتشكل نقاط المراقبة ما بين نقاط ثابتة ومتحركة وكبائن حراسة مضادة للرصاص وتضم حوالي أكثر من 10 آلاف جندي تركي، مع 6 آلاف آلية عسكرية تركية. فضلاً عن تمركز نحو 30 ألف جندي تركي في جمهورية شمال قبرص التركية الغير معترف بها دولياً. أما التطور اللافت هو اتجاه تركيا لتأسيس بنية تحتية لها في الغرب الليبي من خلال تثبيت سيطرتها الميدانية عبر وكلاء محليين علي مدينتي مصراته وطرابلس الساحليتين. 

  • السعي للسيطرة علي الممرات البحرية ومناطق الاختناق المرورية، تسعي كل من تركيا وإيران لإحكام السيطرة علي المضائق والممرات البحرية قبالة دائرة نفوذها المباشر أو دائرة التوسع بالمجال الحيوي لهما. فالبلدين يشرفان علي مضائق هامة في الاستراتيجية العسكرية والتجارة الدولية في آن واحد، مضيقي “البوسفور – هرمز”. “البوسفور” يمر من خلاله 48 ألف سفينة كل عام، ما يجعله واحدا من أكثر البوابات البحرية ازدحاما في العالم. فضلاً عن 3% من حجم الإمدادات العالمية. أما “هرمز”، يعبره سدس النفط العالمي يوميا، أي ما يعادل 18.5 مليون برميل نفط يومياً، وثلث الغاز الطبيعي المسال في العالم. علي نقيض الهدوء الذي يتمتع به “البوسفور”، فإن مضيق “هرمز” انتقلت إليه أصداء التطاحن بالشرق الأوسط وشهد توترات أمنية ناجمة عن شدة عقوبات إدارة الرئيس ترامب علي إيران، ولاسيما في قطاع النفط فيها، إذ نجحت الولايات المتحدة في إزالة نحو 2.7 مليون برميل نفط خام لإيران من السوق العالمية. ما دفع بتواتر الأوضاع في الخليج، وأعاد للواجهة حرب ناقلات النفط والأعمال التخريبية علي ظهر سفن الشحن، وتحديداً منذ تنفيذ الهجمات التخريبية في الفجيرة الإماراتية في مايو من العام الماضي. وفي محاولة لنقل الضغط من الجغرافيا والمياه القريبة من إيران للخارج، ركزت طهران جهودها في دعم ميليشيات الحوثي في اليمن وتوفير قدرة القصف بالصواريخ الباليستية لديه، فضلا عن التواجد قبالة مضيق باب المندب. أما أنقرة فحولت بوصلتها من الجزء الغربي لاسطنبول، شطر شواطئ الصومال البعيدة قبالة مدخل البحر الأحمر. حيث افتتحت في أكتوبر من العام 2017 أول قاعدة عسكرية لها في الصومال، وتُعد أكبر قواعدها في الخارج. وبعد نحو شهرين زار الرئيس التركي السودان ووقع علي اتفاقية إدارة وتشغيل جزيرة سواكن ووصف بعض بنودها بـ “السرية”، في إشارة لإمكانية التواجد العسكري التركي فيها. لكن هذه الخطوة كانت مقترنة بوجود نظام الإخواني عمر البشير في السودان والذي أطاحت به ثورة شعبية.

ما يعكس اهتمام أنقرة البالغ بالبحر الأحمر الذي تمر عبره تجارة تُقدّر بـ 2.5 تريليون دولار؛ وسعيها الدؤوب لوصل نقطة قاعدة الصومال مع سواكن لتثبيت حضور عسكري بطول البحر الأحمر ضمن سياقات التنافس الإقليمي الحاد بين أنقرة وحلف “القاهرة – نيقوسيا – أثينا” الذي طوق تركيا قبالة سواحلها. كما يأتي الانخراط العسكري التركي المباشر في ليبيا للحضور في شرق المتوسط ضمن معادلات وخطوط الطاقة الناشئة والمتدفقة للسوق الأوروبية التي تبحث عن بديل للغاز الروسي.

التشابه في مجمل التحركات الميدانية الاستراتيجية بين أنقرة وطهران، لم يكن وحده. حيث انعكست أحلام التوسع “الإمبراطورية” علي كلتاهما وأثرت بحد كبير في تركبية النظام السياسي الحاكم فيهما.

استنساخ نموذج الحرس الثورى .. تأمين إدامة القوة الإكراهية

في سعيهم الحثيث للحفاظ على مقدرات السلطة والاستئثار بسلطة التشريع والقيادة، شكل ملالي طهران في أعقاب الثورة في الخامس من مايو 1979، الحرس الثوري الإيراني، كقوة موازية، تفوق قوة الجيش لمنع الانقلاب والحفاظ على ديمومة نظام الحكم الثيوقراطي الجديد. وفر نظام الملالى موارد مالية طائلة، حيث تمثل مخصصاته 53% من ميزانية الدفاع – حسب مشروع مكافحة التطرف بلندن -. وخصص للحرس الثوري قوات برية وبحرية وجوية وصاروخية باليستية. وللمفارقة أُسست الجمهورية التركية الحديثة علي يد مصطفي كمال أتاتورك 1923، لتكن جمهورية غربية حديثة، ارتأي لمؤسسها الذي دُفِن في قبر جُمِع ترابه من شتي مناطق تركيا؛ أن تكتسي تركيا بالوجاهة الأوروبية وتتنصل لجذورها الأوراسية وفنائها العربي والإسلامي. لتصير جمهورية علمانية لكنها لم تخفي نزعتها للهيمنة علي جوارها العربي تحديداً بالثوب العلماني، أو العثماني القديم. 

ظل الجيش التركي يمثل الحماية الحصرية لمبادئ العلمانية للجمهورية التركية، ونفذ 5 انقلاب عسكرية منذ العام 1960 حتي العام 2016. إلا أن نقطة التحول في مسار العسكرية التركية علي المستوي الهيكلي والعملياتي كانت بعد انقلاب الخمس ساعات في 15 يوليو 2016. إذ فشل الانقلاب وعبر عن خريطة تشابك الولاءات والسلطة الحقيقية في تركيا، وبدأت بعدها حكومة العدالة والتنمية واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة في كافة مؤسسات الدولة ولاسيما الجيش. حيث قُدِرت أعداد المفصولين من صفوفه على إثر اتهامات بالتورط في الانقلاب والانتماء لحركة الخدمة لصاحبها “فتح الله كولن”؛ لـ 20 ألفا تقريباً، استحوذ سلاح الجو علي غالبيتهم، وشملت قوائم الفصل كافة الرتب والقيادات من قائد سلاح الجو، وصولاً لصغار الضباط. وفصلت أنقرة 125 ألفا و678 موظفا عموميا من وظائفهم بموجب مراسيم بحكم القانون أصدرها الرئيس رجب أردوغان، ونزع رتب 3 آلاف و213 عسكريا.

إجراءات الفصل والاعتقال، لم تكن كافية لحفظ ديمومة النظام السياسي التركي الذي بات يتبني مشروعا توسعياً يقوم علي توظيف أدوات الإسلام السياسي. فظهرت الحاجة لقوات رديفة تتشابه في تنظيمها الهيكلي ووظائفها مع قوات “الحرس الثوري – الباسييج” الإيرانية، التي تحقق شقي “القوة الإكراهية”، سرعة التعبئة العامة، والانتشار في كافة النقاط الجغرافية بموجب الدستور والقانون.

حيث وافق البرلمان التركي الخميس الماضي، على مشروع قانون “حراس الأحياء والأسواق الشعبية” وسط غضب شديد من جانب المعارضة التي ترى أن هؤلاء الحراس سيتحولون إلى ميليشيا أو جيش خاص للرئيس رجب طيب إردوغان على غرار الحرس الثوري الإيراني لحمايته. ويمنح القانون الجديد حراس الأحياء والأسواق الشعبية الصلاحيات نفسها التي يتمتع بها رجال الشرطة. وأصبح بإمكان حراس الأحياء الذين يبلغ عددهم حاليا 28 ألف شخص، ينتظر أن يرتفع إلى 200 ألف بعد القانون الجديد، بموجب مادتين أضافهما حزب العدالة والتنمية الحاكم، بحيازة واستخدام أسلحة نارية في حالة الضرورة واعتراض الأفراد للتدقيق في هوياتهم أو تفتيشهم، وهو ما أثار رفض المعارضة.

كما أكد حزب العدالة والتنمية الذي طرح مشروع القانون بالتنسيق مع حزب الحركة القومية، أن القواعد الجديدة ستسمح للحراس بمساعدة قوات حفظ النظام (الشرطة وقوات الدرك) بفاعلية أكبر، عبر إحباط محاولات السرقة ومنع وقوع اعتداءات في الشوارع، لكن المعارضة تقول إن إردوغان يسعى إلى إنشاء جيش خاص موال له، وذهب البعض إلى رغبته في تشكيل “ميليشيات في الشوارع” أو نموذج يشبه الحرس الثوري في إيران لتأمينه. ولاسيما بعدما ظهرت تشكيلات من المدنيين بصحبة قوات الشرطة في شوارع البلاد وتقوم بالقبض علي العسكريين أثناء محاولة الانقلاب الأخيرة.

مجمل القول، تتبني كل من تركيا وإيران مشاريع توسعية عقائدية بنسختيها السنية والشيعية، تقوم علي توظيف مختلف أدوات الإسلام السياسي، وتتحرك في الإقليم بنزعة إمبراطورية، تخدم تطلعات الشخصية القومية الفارسية والتركية القديمة “العثمانية”، ما يؤثر علي شكل النظام الحاكم في أنقرة ويدفعه لضبط هيكله المؤسسي بشكل يتماشي مع أدبيات الحاكمية الإسلامية شيئاً فشيئاً، بالتوازي مع استمرار ثنائية الأرض والممرات البحرية سمة حاكمة لسياساتها الهجومية النشطة الرامية للانتقال من المخيلة الجيوبوليتيكة لطموحات التوسع، لمرحلة البناء الاجتماعي الذي يستوعب هذه الطموحات ويرحب بها من مدخل الدين، ضمن دائرة الدول المستهدفة من المشروعين التوسعيين، ما يدفع بحالات عدم الاستقرار الممتد، ويؤجج الصراعات الطائفية والمذهبية ولاسيما في الجناح الشرقي للمنطقة العربية، وشطري المضائق البحرية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى