تركيا

أنقرة.. صراعات متشابكة وانخراط متزايد

لم تعد السياسة الخارجية التركية تنطلق من مبدأ ” تصفير المشاكل” أو “صفر مشاكل” مع دول الجوار إذ سرعان ما تحولت بفعل عدد من التغيرات والتفاعلات لتظهر بوجه مغاير ومخالف لما كانت تُعلنه في أوقات سابقة، بحيث أصبحت أنقرة عنصرًا مشتركًا وفاعلًا أساسيًا في كافة الأزمات والصراعات بل محركًا لها. 

وبالنظر إلى الساحات المشتعلة في الوقت الراهن سواء في سوريا، ليبيا أو شرق المتوسط نجد أن تركيا تلعب دورًا مشتركًا ومتشابكًا في هذه الملفات، بحيث أصبحت تحركاتها مزعزعة للاستقرار الإقليمي ومهددة للسلم والأمن الدوليين. 

أثرت ثمة اعتبارات بشكل كبير في التحول الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية في الأعوام الأخيرة، خاصة ما يتعلق بالأهداف والمصالح الاقتصادية والبحث عن الثروات والموارد وأفرزت الدوافع الاقتصادية لتركيا عددا من التحولات على سياستها الخارجية، حيث عملت على تأمين هذه الأهداف بشتى السبل إلى أن وصلت لحد المواجهات العسكرية ودعم وتمويل الجماعات الإرهابية ونقل المرتزقة ورعايتهم في الصراعات المختلفة.

ورغم محورية العامل الاقتصادي إلا أن السمات الشخصية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان تدخل ضمن العوامل الأكثر تأثيرًا في هذا التحول خاصة في ظل رغبته الواضحة والمتنامية في استعادة الإرث العثماني، وعليه فقد تبنى ” أردوغان” نهجًا قائمًا على التوسع والانخراط في الأزمات الإقليمية وقد ساهمت السلطة المطلقة له ونجاحه في تكريس سلطة الفرد والتنكيل بخصومه عبر توسيع صلاحياته وتحركاته الداخلية في تأمين مشروعه التوسعي في الخارج. وعليه يمكننا الوقوف على حدود وطبيعة تحركات تركيا في منطقة شرق المتوسط وليبيا .

C:\Users\feps\Desktop\7bbd7718-78ea-4818-994e-dc5f430ea699.jpg

مؤشرات التصعيد شرق المتوسط

 حفزت الاكتشافات الهائلة للغاز الطبيعي والأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية لمنطقة شرق المتوسط تركيا للانخراط بشكل مباشر واثارة المشاكل وافتعال الأزمات، خاصة في ظل تنامي حجم الاحتياطات من الغاز الطبيعي والذي قدرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنحو 340 تريليون قدم مكعب، بعدما بلغت نحو 122 ترليون قدم مكعب عام 2010. ويمكننا الوقوف على حدود التصعيد التركي شرق المتوسط عبر عدد من الملامح من بينها: 

  • البحث عن حقوق غير مشروعة، تعددت أشكال ومظاهر تركيا لزعزعة الاستقرار شرق المتوسط عبر محاولات متعددة للتنقيب عن الغاز الطبيعي شرق المتوسط وقد تجلى ذلك بوضوح في عدد من المناسبات من بينها: ارسال السفن البحرية للتنقيب في المياه القبرصية وقد جاءت آخر هذه المحاولات في( نوفمبر 2019)، علاوة على قيام تركيا بتبني ” مشروع الوطن الأزرق” والتي حاولت من خلاله تحديد المياه الإقليمية لها بنحو 462 ألف كيلوا متر مربع وفقًا لما اوضحتها خريطة نشرها موقع الرئاسة التركية ( سبتمبر2019)، ناهيك عن توقيع أردوغان لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السراج ( نوفمبر 2019)، بالإضافة لذلك نشرت الخارجية التركية ( يونيو2020) خريطة جديدة تظهر الاطماع التوسعية لتركيا شرق المتوسط وعدد من الأماكن والنقاط التي تستهدفها تركيا في عمليات البحث والتنقيب عن الغاز. 
الصورة
  • مخالفة القوانين الدولية، تعتبر التحركات التركية شرق المتوسط مخالفة للقانون الدولي للبحار، حيث ترفض تركيا كافة الاتفاقيات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية بين الدول المتشاطئة شرق المتوسط، وهو ما ظهر بوضوح في رفض اتفاق ترسيم الحدود الموقع بين مصر وقبرص، فضلًا عن ذلك، أبدت تركيا اعتراضها على اتفاقية ترسيم الحدود بين إسرائيل وقبرص. من ناحية أخرى يمكن اعتبار اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ” أردوغان” و” السراج” مخالفًا للقانون الدولي خاصة في ظل تجاهلها للحقائق القانونية والجغرافية لجزيرة ” كريت” اليونانية على اعتبار أن الجزر ليس لها مناطق اقتصادية أو جرف قاري خاص بها وهو ما يتنافي مع قواعد القانون الدولي للبحار.
  • عسكرة التفاعلات في المنطقة، عملت تركيا على عسكرة التنقيب شرق المتوسط، حيث نفذت تركيا عددا من المناورات العسكرية من بينها: مناورة “ذئب البحر” (مايو2019) وتعتبر أكبر مناورة في تاريخ تركيا إذ تم تنفيذها على 3 في البحار الثلاثة المحيطة بتركيا (البحر المتوسط، البحر الأسود، بحر إيجة)، كما أجرت مناورة أخرى حملت اسم ” الوطن الأزرق” (فبراير2019)، فضًلا اعتراض تركيا لمسارات عدد من السفن أثناء عملية التنقيب وكان أخرها (ديسمبر2019) عندما اعترضت سفينة إسرائيلية في شرق المتوسط وطردتها من منطقة بحرية تابعة لقبرص، كما منعت تركيا في ( فبراير2018) حفار تابع لشركة إيني الإيطالية من التنقيب عن الغاز في المياه القبرصية. بالإضافة لذلك تعمل تركيا على نشر الطائرات المسيرة من طراز “بيراقدار تي بي2” وعدد من القوارب الهجومية والفرقاطات والمروحيات والغواصات اثناء قيامها بأعمال التنقيب غير المشروعة شرق المتوسط.
https://s3-eu-west-1.amazonaws.com/enabbaladi/arabic/wp-content/uploads/2019/12/32412341234.jpg

أهداف الانخراط شرق المتوسط

  • كسر ومواجهة العزلة، تعمل تركيا من خلال تدخلاتها وتصعيدها المستمر شرق المتوسط على كسر العزلة الإقليمية التي فرضتها عليها عدد من التفاعلات في المنطقة خاصة وأن أغلب التحركات تتم دون اشراك أنقرة فيها وهو ما يمكن ملاحظته عبر تدشين منتدى غاز شرق المتوسط(يناير2019) بهدف تعزيز المنافع والمصالح المشتركة بين الأطراف المشاركين فيه، فضلَا عن عمق ومتانة الشراكة الاستراتيجية التي تشكلت بين مصر وقبرص واليونان، ناهيك عن توقيع اتفاق ” ايست ميد” بين قبرص واليونان وإسرائيل ( يناير2020) بهدف نقل وتوريد الغاز إلى أوروبا، علاوة على ذلك يأتي الاتفاق بين إيطاليا واليونان ( يونيو2020) بشأن ترسيم الحدود البحرية ليطيح بالطموح التركي في التحول لمركز إقليمي للطاقة. وعليه تعمل تركيا بشكل مباشر على التصعيد ومحاولة فرض أمر واقع عبر التنقيب من أجل مواجهة هذه العزلة.
أميركا وفرنسا تطلبان الإنضمام لمنتدى «غاز شرق المتوسط» - شبكة رصد ...
  • تأمين مصادر الطاقة، تأتي التحركات التركية ومحاولة استكشاف والتنقيب عن الغاز في إطار دوافع اقتصادية، إذ تعمل على تأمين مصادر الطاقة خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على استيراد الطاقة من الخارج، حيث تُشير التقديرات إلى أن نحو 90% من احتياجات تركيا تأتي عبر الاستيراد ، بحيث تستورد ما يقدر بنحو 50 مليار دولار في العام الواحد. وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا تعمل تركيا على تجاوزه خاصة وأن مناطقها البحرية تخلو حتى الآن من أية اكتشافات حقيقية.
  • الهروب من تعقيدات الداخل، تأتي تحركات تركيا شرق المتوسط ضمن سياسة اردوغان الخارجية الرامية إلى افتعال الأزمات لإلهاء الداخل والهروب من تعقيداته خاصة في ظل تأزم الأوضاع الاقتصادية والتراجع الكبير في شعبية الحزب الحاكم وارتفاع أسهم المعارضة في الداخل.

الانخراط في ليبيا وتوظيف الميليشيات الإرهابية

ثمة دوافع وأهداف تقف وراء التدخل التركي في الأزمة الليبية، فعلى الرغم من أن ليبيا لا تجمعها حدود برية مع تركيا، إلا أنها عززت من وجودها هناك عبر الدعم المتواصل لحكومة الوفاق. وقد بدأ هذا الدعم يأخذ صورًا وأشكالًا متباينة ويزداد تدريجيًا في أعقاب اعلان الجيش الليبي (إبريل2019) عملية تحرير طرابلس من الميليشيات المسلحة. وقد مثل موافقة البرلمان التركي (يناير2020) على مشروع ارسال قوات إلى ليبيا تحولًا نوعيًا في مسار الدعم التركي. وعليه ما يمكن الوقوف على أشكال هذا الدعم فيما يلي:

  • نقل وتوريد السلاح، عملت تركيا على تزويد حكومة الوفاق بمعدات عسكرية وأسلحة متطورة، حيث أفادت عدد من التقارير بأن أنقرة زدوت السراج بأنظمة صواريخ مضادة للطائرات وأجهزة تشويش ومدرعات ومركبات، فضلًا عن ارسال عدد من السفن والقطع البحرية والزوارق الحربية لدعمه، بالإضافة الى الطائرات المسيرة التركية. كما تعمل مجموعة من الخبراء والعسكريين الاتراك أو ما يُعرف باسم ” غرفة عمليات طرابلس” على توجيه وتدريب المرتزقة وتقديم المشورة ووضع الخطط والاستراتيجيات للعمليات الموجهة ضد الجيش الليبي.
  • نقل المرتزقة والميليشيات، تمكنت تركيا من نقل المرتزقة والميليشيات المسلحة من سوريا إلى ليبيا، حيث عملت تركيا على استقطاب هذه العناصر وتدريبها في معسكرات في شمال سوريا ومن ثم نقلها إلى الساحة الليبية، إذ تشير التقديرات إلى أن تركيا نجحت منذ (أكتوبر2019) في نقل ما يزيد عن 8000 عنصر للساحة الليبية. 
البرلمان العربي يرفض التدخل العسكري التركي في ليبيا | المصري اليوم

وقد ساهم الدعم العسكري التركي في تغيير موازين القوى مؤخرًا خاصة في اعقاب السيطرة على قاعدة الوطية ذات الأهمية الاستراتيجية ومن المرجح أن تتخذ تركيا من هذه القاعدة مقرًا شبة دائم وترسخ بحيث تتحول لقاعدة عسكرية تركية تمكنها من تحقيق أهدافها وتقديم مزيد من الدعم لحكومة السراج، خاصة في ظل فيام تركيا بنقل طائراتها وأسلحتها ومعداتها العسكرية لهذه القاعدة في أعقاب السيطرة عليها. 

أهداف الانخراط في ليبيا

جملة من الأهداف الرئيسية التي دفعت تركيا للانخراط العسكري المباشر في ليبيا الأمر الذي يمكن الوقوف عليها فيما يلي:

  • تأمين المصالح الاقتصادية، تعمل تركيا على تعزيز وتأمين مصالحها الاقتصادية ، إذ بلغت الاستثمارات التركية في ليبيا قبل أحداث 2011 نحو 15 مليار دولار، فضلًا عن وجود نحو 120 شركة تركية داخل ليبيا، وعليه تعمل تركيا على تأمين مصالحها مستقبلًا عبر مشاريع إعادة الاعمار. كما دخلت تركيا في مساعي ومساومات مع حكومة السراج تستهدف الحصول على تعويضات مبدئية تصل إلى 2.7 مليار دولار عن أعمال نٌفذت في ليبيا قبل 2011. من ناحية أخرى تعمل تركيا في ليبيا على السيطرة على موانئ النفط بما يساعدها على تجاوز الأوضاع الحادة التي يواجها الاقتصاد الليبي. حيث تُشير التقديرات إلى أن حجم الخسائر التراكمية التي كانت من الممكن أن يستفيد منها “أردوغان” والسراج قد بلغت نحو 5 مليار دولار منذ إغلاق موانئ النفط الليبية (يناير2020).
ليبيا.. خسائر إغلاق موانئ النفط تلامس الـ5 مليارات دولار - RT Arabic
  • تعزيز النفوذ، تعمل تركيا عبر دعمها العلني للميليشيات المسلحة غرب ليبيا على تعزيز نفوذها ، حيث وجدت تركيا في الساحة الليبية مجالًا حيويًا لموازنة ومعادلة القوى العربية ومناكفة التحالف الإقليمي-مصر، السعودية، الإمارات- الرافض لرعاية تركيا للجماعات والتنظيمات المسلحة والإرهابية وسياستها الخارجية القائمة على التدخل في شؤون الدول. كما تسعى أنقرة عبر تواجدها في الغرب الليبي للحصول على نفوذ يؤهلها لممارسة مزيد من الضغوط على أوروبا، خاصة وأن ذلك قد يسمح لتركيا بممارسة الابتزاز لدول أوروبا بورقة اللاجئين على غرار ما تفعلة في سوريا.
  • الاستثمار العسكري، تعمل تركيا على تعزيز والاستفادة من التدخل في الأزمة الليبية في المجال العسكري، حيث يمكن أن تستفيد صناعة الدفاع التركية ما يسهم في انتعاش الاقتصاد المتعثر، إذ يساعد الصراع أنقرة على اختبار وبيع منتجاتها العسكرية للسراج ومن ثم استثمار وعرض قدراتها العسكرية على اعتبار أن المسرح الليبي سوقًا صخمًا لاختبار فاعلية وقدرات السلاح العسكري التركي.
بعد إسقاط 5 منها.. انتهاك سافر من "الدرون التركية" لأجواء ليبيا

   مجمل القول،

 تظل التحركات التركية في شرق المتوسط والملف الليبي متشابكة ومتداخلة بشكل كبير ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض، كما تظل الدوافع الاقتصادية محركًا اساسيا ومغذيًا لهذه التحركات وما يتبعها من تدخلات عسكرية مباشرة في ليبيا أو عبر عسكرة شرق المتوسط. ويرجح أن يستمر الوضع على ما هو عليه ما لم تتوصل القوى الكبرى والمجتمع الدولي إلى صيغ مشتركة تستهدف وقف السياسة التوسعية التركية ومحاولة تطويقها والحد من تحركاتها المزعزعة للاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى