دول المغرب العربي

دلالات انخفاض شعبية الغنوشي في تونس

يبدو أن هناك إصراراً من جانب قيادات النهضة على عدم التحرر من غلبة مصلحة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين المصنف إرهابيا من قبل العديد من الدول على مصالح الدولة التونسية، ولاسيما بعد تصريحات  الغنوشي خلال ظهوره على “قناة نسمة” معبرا عن عدم حيادية تونس في مصالحها تجاه ليبيا وتقاربه مع حكومة الوفاق الليبي قائلا “لا معنى للحياد مع حكومة الوفاق”، والذي يوضح إصراره وتوافق وتشابك المصالح ما بين النهضة في تونس وتنظيم الإخوان في ليبيا، وهو ما ترفضه معظم القوى السياسية والمجتمعية فى تونس، فهناك اتفاق عام رافض لنهج حركة النهضة ورئيسها الغنوشي المتمثل فى إلحاق الدولة بمحاور خارجية تهدد أمنها، وتعده القوى المختلفة بأنه انحياز لمصلحة الحزب أكثر منه انحياز لمصلحة الدولة التونسية، لذا توالت المواقف والتصعيدات من قبل هذه القوى بما يمثل تهديدا لشعبية الغنوشى ولحزبه.

تصعيدات متتالية

عكس البيان الصادر عن الاتحاد العام التونسي للشغل في 31 مايو رفضه لما يقوم به الغنوشي لدعم طرف ضد آخر في ليبيا، لاسيما بعد بيانات وتصريحات لقيادة القوات الأمريكية أفريكوم والتي كشفت عن خطة لاستخدام الأراضي التونسية لدخول الولايات المتحدة الصراع الليبي مباشرة، ورفض الاتحاد العام جر تونس إلى مستنقع المحاور أو استخدامها للتدخل الأمريكي أو التركي في ليبيا، كما دعا رئيس الجمهورية ونواب الشعب التونسي إلى تقديم مبادرة قانونية تمنع أي طرف مهما كان موقعه وقوته من جر تونس إلى الاصطفاف وراء الأحلاف التي تمثل ضررا لمصالح تونس وليبيا ولشعوب المنطقة العربية،  ونص البيان على عدة أمور منها:

  • رفض أي تدخل أجنبي في ليبيا واعتباره احتلالا مباشرا، والدعوة إلى وجوب فرض حلّ ليبي ليبي للأزمة عن طريق حوار يسبق بإيقاف كل أشكال الحسم المسلح.
  • تجنّد الاتحاد مع كلّ القوى الوطنية للتصدّي بكلّ الأشكال لاستخدام تراب بلادنا منطلقا للتدخل الأمريكي أو التركي أو غيره في ليبيا.
  • تسخير كلّ قواه وكافّة أشكال الضغط لمنع جرّ تونس إلى مستنقع المحاور ومطالبة السلطات بمختلف مستوياتها واختصاصاتها بالالتزام بموقف رفض الاصطفاف والنأي بالبلاد عن التورّط في تدمير الشقيقة ليبيا وتقتيل شعبها.
  • مطالبة السلطات التونسية وخصوصا رئيس الجمهورية المخوّل دستوريا للتعبير عن الموقف الوطني، باتّخاذ كلّ الإجراءات الأمنية والحمائية والسيادية لحماية حدودنا ومنع تنقّل الإرهابيين من ليبيا وإليها وعدم تكرار التجربة الإجرامية للتسفير التي أودت بالآلاف من شبابنا إلى محارق الموت والإرهاب[1].
https://www.youtube.com/watch?v=wqDCfIdOhdo

كما كانت هناك دعوات لحل البرلمان، حيث تظاهر المئات من التونسيين فى 3 يونيو أمام البرلمان للمطالبة بسحب الثقة من الغنوشى بعد تجاوز صلاحياته وانحيازه للمحور التركى القطرى تجاه الصراع فى ليبيا، ثم عقدت جلسة مساءلة داخل البرلمان الأولى من نوعها لسحب الثقة من الغنوشى والتى قادها الحزب الدستورى الحر[2]، إضافة إلى دعوات من قبل أنصار الرئيس قيس سعيد تطالب بالتغيير السياسي الذى وضعته الأغلبية الإخوانية في برلمان 2014 [3].

فضلا عن ذلك دعوة “جبهة الإنقاذ الوطني” لحراك سياسي يضم أحزاب سياسية خارج البرلمان ومنظمات وطنية ومجموعة من الشباب والمستقلين يوم 14 يونيو لحل مجلس النواب وتنظيم انتخابات برلمانية مبكرة وإجراء استفتاء لتغيير النظام الانتخابى، كما تهدف إلى أن يكون النظام رئاسى ديمقراطى، بالإضافة إلى التدقيق فى ثروة الأحزاب وعلى رأسها حزب الغنوشى وإنشاء مجلس للإنقاذ وتشكيل حكومة مصغرة.

 واعتبرت جبهة الإنقاذ أن البرلمان أصبح يشكل خطر على الأمن القومي التونسي في ظل تشكله من ائتلاف الكرامة وحزب حركة النهضة، وهو ما جاء على لسان المتحدث باسم جبهة الإنقاذ فتحي الورفلى واصفا الغنوشي بأنه جنرال حرب[4].

كانت هناك لائحة برلمانية لتصنيف الإخوان منظمة إرهابية، عبر الحزب الدستوري الحر عن رفضه لتحركات الغنوشى واستطاع عقد جلسة برلمانية لمساءلة الغنوشي لسحب الثقة منه، على خلفية قيامه بالتواصل مع السراج وتهنئته بالسيطرة على قاعدة الوطية الجوية في ليبيا، إلا أن الجلسة لم تنجح في جمع الأصوات البرلمانية اللازمة من قبل 109 نائبا كما هو محدد في اللائحة الداخلية للبرلمان التونسي لسحب الثقة من الغنوشى.

لكن الحزب الدستوري الحر لا زال يواصل معركته ضد حركة النهضة واعتزم تقديم لائحة في البرلمان لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية مناهضة للدولة المدنية، على أن تعلن الحكومة هذا التصنيف رسميا واعتبار أي شخص تونسي له ارتباطات مع جماعة الإخوان المسلمين مرتكبا لجريمة إرهابية بحسب قانون مكافحة الإرهاب[5]

خلافات وانشقاقات داخل النهضة

استمرار خروج قيادات النهضة تشير بضعف الحركة في القريب لا سيما في ظل الانشقاقات والتصدعات التى شهدتها وآخرها استقالة زياد العذارى الأمين العام لحركة النهضة وعبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة[6] ، وعبد الحميد الجلاصى عضو مجلس شورى النهضة متهما الغنوشى بتأجيل استعدادات المؤتمر الوطنى الحادى عشر للنهضة لا نتخاب رئيس جديد للحركة[7].

كما أن الخلافات السياسية للنهضة تتصاعد مع القوى الحزبية كالخلاف مع حركة الشعب لاسيما بعد تصويت حركة الشعب لفائدة اللائحة البرلمانية التي تقدم بها الحزب الدستوري الحر، وهو ما عكسه تصريح لنور الدين البحيرى رئيس الكتلة البرلمانية لحركة النهضة قائلا إن حركة الشعب بتحالفها مع الحزب الدستوري الحر في آخر جلسة عامة بالبرلمان، تجعل تحالفها مع حركة النهضة ضمن الائتلاف الحاكم لا مبرر له. وتساءل البحيري في تصريح إعلامي هل حركة الشعب تعتبر حركة النهضة شريكة لها في الوطن، أم عدواً؟ وأضاف ذلك يجعل من التحالف معها ضمن التحالف الحكومي لا مبرر له البته[8].

كما أن هناك دعوات من جانب النهضة لإقصاء حركة الشعب وتحيا تونس من الحكم على خلفية رفضهم التدخل الأجنبي في ليبيا، وتهدف النهضة إلى توسيع دائرة الائتلاف الحاكم ودخول قلب تونس، إلا أن النائب عن التيار الديمقراطي الاسعد الحجلاوى صرح بإن توسيع دائرة الحكم يكون نتيجة لتقييم عمل الحكومة بعد 100 يوم عمل وهذا لم يحدث، واصفا ما تقوم به النهضة بالعبث السياسي[9].

مما سبق يتضح أننا سنشهد فى القادم استمرار لسيناريو رفض دور الغنوشى السياسى وهو ما سيؤثر على موقفه فى الشارع التونسى خاصة وموقف حركة النهضة عامة، لاسيما فى ظل توافق كتل سياسية حول هذا ورغبة فى التجديد داخل الحركة بتغيير قائدها، إضافة إلى توافق موقف رئيس الدولة التونسى قيس سعيد مع موقف الكتل السياسية الرافضة لتحركات الغنوشى الخارجية.

المصادر:

[1] بيان المكتب التنفيذي الوطني، 31 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/30pbaoX  تاريخ الدخول 9 يونيو 2020.

[2] محاور خلافية إشكاليات أحزاب الحكم في الشرق الأوسط،مركز المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة، 4 يوينو2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/37rtaAr تاريخ الدخول 11 يوينو 2020.

[3] تصنيف إخوان تونس “إرهابية”.. تأييد سياسي يغلفه التفاف شعبي، العين الإخبارية، 10 يونيو2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Uv2Ujf تاريخ الدخول 10 يونيو 2020.

[4] جبهة الإنقاذ التونسية تدعو لهبة شعبية 14 يونيو لإنقاذ تونس، سكاي نيوز عربية، 8 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3dPOuSt تاريخ الدخول 10 يونيو 2020

[5] تونس: مشروع للدستوري يصنّف الإخوان منظمة إرهابية، الشرق الأوسط ، 9 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2A8unk5 تاريخ الدخول 9 يونيو 2020

[6] جبريل العبيدي،” تونسة النهضة أم أخونة تونس”،الشرق الأوسط، 8 يونيو2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3hltEwG تاريخ الدخول 9 يونيو 2020.

[7] Amel al-Hilali, Ennahda threatened with more resignations, al-monitor,19 Mar 2020, available at: https://bit.ly/30xo304 accessed on 11 June 2020

[8] المنجي السعيداني،”اتهام شركة تونسية بالتلاعب في إرادة الناخبين”، الشرق الأوسط،8 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2YoN1fI تاريخ الدخول 9 يونيو 2020.

[9] قيادى بحزب التيار الديمقراطى للصباح نيوز: نرفض دخول قلب تونس للحكومة وإخراج حركة الشعب من الائتلاف ليس بيد حركة النهضة ،الصباح نيوز، 9 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3fcj2OM  تاريخ الدخول 10 يونيو 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى