شرق المتوسطتركيا

أي مستقبل تنتظره تركيا بعد تعيين الحدود البحرية بين إيطاليا واليونان؟

وقعت اليونان وإيطاليا أمس اتفاقا لتعيين حدودهما البحرية؛ بهدف استكشاف الموارد البحرية واستغلالها. وبحسب وزير الخارجية اليوناني “نيكوس دندياس” فإن مسألة تعيين حدود المناطق البحرية مع كل جيران اليونان في سياق القانون الدولي يعد هدفا ثابتا بالسياسة اليونانية. 

يأتي الإتفاق في وقت تتصاعد فيه التوترات التركية اليونانية بمنطقة شرق المتوسط، على خلفية انتهاك تركيا للسيادة البحرية اليونانية. وبحسب “دندياس”، فإن “ترسيم الحدود البحرية يتحقق وفقا للقانون الدولي باتفاقيات سارية، وليس باتفاقيات لا أساس لها مثل الاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية.”

سياق الإتفاق

يأتي الإتفاق اليوناني الإيطالي بعد نجاح الطرفين في التوصل إلى حل المشكلات التي نشأت بشكل رئيسي من التحفظات الإيطالية حول تقييد حقوق الصيد في البحر الأيوني. وعمليا، يعد هذا امتدادا لاتفاق عام 1977 بشأن الجرف القاري، والذي يضمن “حق الجزر في أن تكون لديها مناطق بحرية”، ويمهد الطريق لتفكيك المشاكل التي نشأت من جانب ألبانيا لترسيم الحدود.

من ناحية أخرى، تشير التحليلات إلى كون هذا الاتفاق تم إبرامه خلال الوقت الراهن جراء تصاعد التحركات الاستفزازية التركية ضد اليونان وقبرص، لاسيما مع قيام الخارجية التركية يوم الثاني من يونيو الجاري بنشر خريطة تظهر “حقول التنقيب الجديدة” شرق المتوسط، والتي تقدمت أنقرة مسبقا بطلب إلى الأمم المتحدة للحصول على رخصة التنقيب عن الطاقة فيها. 

تقع إشكالية الخريطة الجديدة –الموضحة أدناه- كونها تضم مناطق تقع بالمياه الاقتصادية الخالصة لليونان–وتحديدا قبالة سواحل جزر رودس وكارباثوس وكريت اليونانية- كذلك، فقد جاء التصرف التركي هذا في أعقاب ما أبداه الجانب اليوناني من اعتراض بشأن استمرار تركيا في نشر سلسلة من الطلبات المقدمة من مؤسسة البترول التركية لمنح تصاريح الاستكشاف والاستغلال في مناطق داخل الجرف القاري لليونان في الجريدة الرسمية للحكومة التركية، وهو الأمر الذي عدّه الجانب اليوناني واحد من العديد من الإجراءات التي تحاول تركيا من خلالها اغتصاب حقوق اليونان السيادية.

يجمع كلًا من اليونان وتركيا تاريخ طويل من النزاعات -وتحديدًا- حول جزر بحر إيجه، والتي بموجب اتفاقية لوزان عام 1923، تمتلك اليونان السيادة على جميع جزر بحر إيجه ما عدا جزر “طفشان وجوكتش يادا وبوزكادا” الواقعة بمضيق الدرنديل. وهنا يقع الخلاف التركي اليونانيحول إدعاء الأولى أحقيتها بجزر شرق إيجه، التي تمثل نقطة الاتصال المباشرة بين بحر إيجه والبحار المفتوحة، وهو ما يضفي لمالكهانفوذًا قويًا على الملاحة الحرة، والطيران، والأمن بشكل عام في المنطقة.

وقد اتخذت الخلافات ما بين البلدين منحى تصاعديًا مع اتجاه تركيا إلى نشر سفن الحفر والتنقيب بمناطق جزر بحر إيجه منذ أكتوبر 2018. وفي يناير 2019، أعلنت تركيا أن سفينة الأبحاث ” بربروسا” تجري مسوحات زلزالية داخل جزء كبير من الرف القاري التابع لليونان، والمنطقة الاقتصادية في قبرص. ثم تم مد أعمال المسح التي تقوم بها السفينة “بربروسا” إلى جزيرتي رودس، وكاستيلو ريتزو اليونانيتين في تطور كان هو الأول من نوعه.

وفي سبتمبر 2019، نُشر على موقع الرئاسة التركية صورة أردوغان، وخلفه خريطة توضح ما تطلق عليه أنقرة “الوطن الأزرق”، حيث تتوسع خريطة تركيا لتشمل الجزء الشرقي بكامله من بحر إيجه، وكذلك جزر ليمنوس ولسبوس ورودس وشيوس اليونانية. وفي نوفمبر، كان الاتفاق التركي مع حكومة الوفاق الليبية والذي بمقتضاه اُقتطِعت مناطق من المياه الاقتصادية اليونانية وتم إلحاقها للسيادة البحرية لتركيا. وبمقتضى هذا الاتفاق نشرت تركيا بالثاني من يونيو 2020 خريطة تنقيب جديدة، تقع الحقول الواردة بها ضمن الجرف القاري اليوناني، ويضاف إلى ما تقدم ما أعلنه وزير الطاقة التركي عن بدء أعمال التنقيب بتلك المنطقة في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر.

دلالات الاتفاق

يمكن القول إن هناك دلالتين رئيسيتين من الاتفاق المبرم ما بين اليونان وإيطاليا. تنصرف الأولى إلى ما يرسيه الاتفاق من شرعية للجزر اليونانية في مقابل ما تدعيه تركيا من أحقية بها، حيث يؤكد الاتفاق على سيادة اليونان على جزر بحر إيجه، وذلك من خلال ما أرساه من ضمان أن يكون للجزر الحق في مناطق بحرية خالصةعلى النحو المحدد في قانون البحار الدولي. وبحسب المحللين، فإن هذا الأمر”يضعف مبررات أنقرة في التنقيب عن النفط خارج حدودها بالبحر المتوسط، وتجعل أردوغان في مواجهة دولتين أعضاء في الاتحاد الأوروبي، سيتحركان بشكل مشترك للدفاع عن منطقتهما الاقتصادية بالجرف القاري اليوناني-الإيطالي”.

من جانب آخر، يحمل الاتفاق دلالة سياسية ذي أبعاد متعددة. فمن ناحية، يعمق الاتفاق من حالة الخلاف التركي الأوروبي إزاء ما يمارسه الأول من انتهاكات في حق السيادة اليونانية، لاسيما مع ما يرسيه الاتفاق من تأكيد قانوني لتلك السيادة. 

يذكر أن الخطاب التركي الموجه لأوروبا شهد مؤخرا تغيرا كبيرا -تصالحيا- وهو ما برز في رسالة الرئيس التركي الموجهة للاتحاد يوم التاسع من مايو2020 بمناسبة يوم أوروبا، والتي أشاد عبرها بما حققه الاتحاد من إنجازات، هذا علاوة على ما قدمته تركيا من مساعدات صحية إلى إيطالياوأسبانيا.ينبع هذا التغيير من الرغبة التركية في تلقي مساعدة تمويلية من الجانب الأوروبي. 

ففي ظل ما يشهده الاقتصاد التركي من تراجع، ومع رفض النظام قبول دعم صندوق النقد الدولي، عوّلت تركيا بشكل كبير على إنشاء خطوط مقايضةمع البنوك المركزية الأجنبية،لا سيما الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنوك الأوروبية، لإنعاش الاقتصاد التركي ولتوفير سيولة دولارية. ولكن في ظل ما يرسيه الاتفاق الأخير من تبديد للإدعاءات التركية، فمن غير المرجح استمرار اللهجة التصالحية.

من ناحية أخرى، يوطد الاتفاق ما تعيشه تركيا بالمنطقة من حالة عزلة فُرضت أولًا من خلال تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، ثم اتفاق قبرص اليونان إسرائيل بشأن إنشاء خط أنابيب “إيست ميد”، وأخيرًا، “إعلان القاهرة” الذي حقق -بشكل تقريبي- إجماع دولي، لا سيما بعد ما لاقاه الإعلان من ترحيب وتأييد أوروبي أمريكي روسي وصيني أيضًا، الأمر الذي يعمق من حالة العزلة التركية ويهدد باحتمال تهميش دورها بمسار الحل السياسي للأزمة الليبية.

مسارات محتملة

بناء على ما تقدم يمكن تصور عدد من المسارات التي قد تتحرك في إطارها تركيا في سبيل كسر العزلة المحيطة بها. يتمثل المسار الأول في استمرار تحركاتها الاستفزازية إما من خلال زيادة الدعم العسكري الموجه لحكومة الوفاق الليبية، أو من خلال نشر سفن الحفر والتنقيب بمناطق جزر شرق بحر إيجه، بمرافقة قطع بحرية وجوية عسكرية. 

بحسب صحيفة “كاثيمريني” اليونانية، فمن المتوقع أن تقوم تركيا بأنشطة الحفر الاستكشافي في أغسطس المقبل بمناطق قبالة ساحل كريت. وبحسب الجريدة أيضًا، فمن المرجح أن ترسل أثينا فرقاطات إلى المنطقة، في ذات الوقت الذي تتشاور فيه – بشكل رئيسي مع فرنسا –بهدف إنشاء وتعزيز التواجد الدولي بالمنطقة، والذي قد يكون أحد أشكالهالتدريبات العسكرية.

يدور المسار الثاني حول احتمال قيام تركيا بإجراء اتصالات مع روسيا، يتم في إطارها الدمج بين الملفين السوري والليبي، من خلال تقديم تركيا لتنازلات بملف إدلب في مقابل تدعيم روسيا للموقف التركي بالملف الليبي. وهنا، تجدر الإشارة إلى ما أثير حول قيام مجموعة فاجنر الروسية، بإخلاء قاعدة “الوطية” الجوية قبل هجوم جيش الوفاق عليها، في إشارة إلى أن أنقرة ربما أبلغت موسكو بشأن الهجوم الوشيك على القاعدة.ويتوقف تحقق هذا المسار حول حجم التنازلات المقدمة من تركيا، علاوة على تفضيلات المصلحة الروسية.

على نفس المنوال، قد تلجأ تركيا إلى الولايات المتحدة في سبيل محاولة التوصل إلى تفاهم ما بشأن الأزمة، ولكن يحيط هذا الاحتمال مجموعة من الإشكاليات، أهمها التأييد الأمريكي لمنتدى غاز شرق المتوسط، والاتفاق الثلاثي الخاص بإنشاء خط “إيست ميد”، وأخيرًا معارضة الكونجرس الأمريكي للسياسات التركية وهو ما يمكن الاستدلال عليه عبر إقرار الكونجرس لقانون “شراكةالأمنوالطاقةفيشرقالمتوسط لعام 2019” الذي من شأنه تقديم دعم مالي وعسكري لكلًا من قبرص واليونان، وإنشاء مركز للطاقة لتعزيز التعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل واليونان وقبرص، وعرقلة إتمام نقل طائرات F-35إلى تركيا، طالما استمرت الأخيرة في خططها لشراء نظام الدفاع الجوي الروسيS-400 .

وعلى أي حال، سيتوقف مدى تصاعد أو استقرار الأمور بالمنطقة بناءً على ما ستتوصل إليه الاتصالات التركية مع الجانبين الروسي والأمريكي بشأن الأزمة الليبية، فمن المرجح أن تكون نتيجة تلك الاتصالات بمثابة مؤشر حولتصاعد/ تراجع النفوذ التركي بالملف الليبي، وهو ما سيكون له انعكاس على التحرك التركي -بشكل عام- بمنطقة شرق المتوسط. ففي حال التصاعد، ستضمن تركيا بذلك مساحة للمناورة وربما التصعيد مع الجانب الأوروبي بشكل عام، ومع كلًا من قبرص واليونان بشكل خاص. أما في حال تراجع النفوذ، وفي سياق انخفاض معدلات الأداء الاقتصادي، فقد تبدو التهدئة بمثابة الخيار الرشيد، ولكن بالنظر إلى ما يعايشه الرئيس التركي وحزبه من تراجع لشعبيته في مقابل تصاعد لقوة المعارضة، فقد يؤثر النظام التركي اللجوء إلى التصعيد باستخدام خطاب “النزعة القومية” ومعاداة الغرب للدولة التركية، الأمر الذي سيضمن من خلاله تحقيق اصطفاف شعبي هو في أمسالحاجة إليه حالياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى