الأمريكتان

“فورين بوليسي” الأمريكية: مرحبا بكم مرة أخرى في عالم “كيسنجر”

أكدت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أن الوقت الحالي يحتاج لأفكار وقيادة كالتي كانت عندما كان هنري كسينجر ، الذي أتم عامه الـ97 شهر مايو الماضي ، وزيرا للخارجية الأمريكية. 

وذكرت “فورين بوليسي” ، في تقرير لها  تحت عنوان “مرحبا بكم مرة أخرى في عالم كيسنجر”، أنه بوفاة المدرسة المحافظة الجديدة وافتقاد النزعة الليبرالية الدولية للمصداقية ربما يكون هناك داع للعودة لأفكار أحد أعظم وأكثر قادة الولايات المتحدة واقعية.

وأشارت المجلة الأمريكية إلى كتاب “حتمية المأساة” الذي يجادل فيه مؤلفه باري جوين أنه من الممكن أن تكره كسينجر وأن تراه شريرا لكنك لا يمكنك تجاهله خاصة في مثل هذه الأوقات العصيب ، مضيفة أنه “ليس تجاهل كسينجر فقط هو ما لا يمكن أن يتصور الأن بل إن الولايات المتحدة في حاجة ماسة لأفكاره حول طريقة التعامل مع عالم أدركنا أنه لم يعد يعمل بشكل جيد وربما لن يفعل ذلك أبدا”.

وقالت المجلة إن” العالم من وجهة نظر واشنطن عاد ليكون أكثر قربا مما كان عليه في عصر كسينجر، فكل أعداء الولايات المتحدة مختبئون لا يستطيعون المواجهة منذ الحرب الباردة والتي أنهت الشيوعية حتى حرب العراق وغيرها من الحروب بهدف القضاء على الأنظمة الشريرة والمنظمات الإرهابية”.

وأضاف التقرير أن “جائحة فيروس كورونا أدت لتسريع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأجندته مما ألهم موجة جديدة من الانعزالية المصحوبة بشعار “أمريكا أولا” وهو ما أكده مساعده التجاري روبرت ليتهايزر في مقال دعا فيه أن تقوم الولايات المتحدة بعكس اتجاه التجارة والاقتصاد الخارجي الأمريكي رداً على الممارسات التجارية الصينية التي يصفها “بالمفترسة” والتضليل المتعمد حول أصل الوباء حتى أن الولايات المتحدة تعيد للواجهة كتلا إقتصادية من العصور السابقة بدعوى إنشاء شبكة ” للازدهار الاقتصادي” للدول ذات التفكير المماثل.

وأشارت المجلة الأمريكية إلى أنه حتى الأحزاب الأمريكية اتخذت نفس الموقف الإنعزالي حيث مع قرب حلول موعد الانتخابات الرئاسية يبدو أن الديمقراطيين يتعاملون مع الصين بنفس منطق العزل والندية، المرشح الديمقراطي للرئاسة ونائب الرئيس الأسبق جو بايدن هاجم ترامب أكثر من مرة بسبب مدحه للرئيس الصيني كما أن الديمقراطيين يتساءلون بشكل غير مسبوق حول الانتهاكات الصينية لقواعد التجارة العالمية ويشكلون ضغطا على منظمة التجارة العالمية والصين بدعوى الانتهاكات التجارية الصينية، التي تسببت في فقدان الأمريكيين لوظائفهم.

ويرى تقرير المجلة الأمريكية أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحمل الصراعات التجارية وصراعات الهيمنة حتى أنه ليس لدى دبلوماسييها طريقة واضحة للخروج أو مواجهة هذا التوجه ، لافتا إلى أن نظام التحالف الذي خرج من رحم الحرب العالمية الثانية لا يزال قائما كما لاتزال الولايات المتحدة تعتمد عليه في مختلف المواقف لكنها تشير إلى أن هذا التحالف الذي يقترب من قرن من الزمان في عمره مهدد أكثر من أي وقت مضى.

وأوضحت المجلة أن الدول المشكلة لهذا التحالف تشوب علاقاتها عدم الثقة كما يوجد فساد بالدوائر السياسية لهذه الدول بالإضافة للتوجه القومي لتلك الدول والذي برز مؤخرا وقد يؤثر على موقف الدول من التحالف نفسه في المستقبل البعيد ومن دعم قراراته في المستقبل القريب ، كما أن دور المنظمات الدولية على غرار الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية يتراجع بشكل ملحوظ لحساب نفوذ متزايد لكل من واشنطن موسكو وبكين المتحكمين الفعليين بالسوق العالمي.

وذكرت المجلة الأمريكية  أنه خلال العقد الماضي أختبر العالم عددا من الأنظمة في سطوعها وأفولها ، الإشتراكية ، الفاشية كما شاهدنا الرأسمالية وهي تحطم الإشتراكية وتنافسها في الإنتاج وهو ما أسفر عن توزيع مجتمعي غير عادل للثروات في النظامين.

وتابعت المجلة الأمريكية ” فورين بوليسي” :”أننا نشهد في الوقت الراهن إنهيار النظام الديمقراطي والذي تتبعه معظم دول العالم بشكل صوري و” مشلول” ، ، مشيرة إلى أن نظام العالم المختار عرضة حقيقية للإنهيار أكثر من أي وقت مضى.

ويرى التقرير أن إنهيار الديمقراطية إن حدث سيكون له تأثيرعلى العالم أجمع وعلى الهيبة والسلطة الأمريكية التي هي الأخرى بدت في أكثر درجات انخفاضها في التاريخ القريب بسبب فترة الرئيس ترامب ” الاستقطابية الأولى” وفقا للمجلة والتي بلغت ذروتها مع الاحتجاجات على مقتل أمريكي من أصول إفريقية بمقاطعة مينابوليس بالإضافة لذلك فإن الطريقة ” الصبيانية” والمتعثرة التي يدير بها الرئيس ترامب الموقف حيال أزمة كورونا أسهم في تراجع الهيبة والسمعة الأمريكية أمام العالم الأمر الذي بدأ منذ عهد جورج دبليو بوش.

وأردفت المجلة بالقول :”من الصعب علينا أن نتذكر ما كانت عليه الهيبة والسمعة الأمريكية قبل عقدين من الزمان تحديداً قبل تاريخ 11 سبتمبر 2011 تلك اللحظة التي يقول عنها المؤرخ بجامعة ييل بول كينيدي أنها تسببت في أن تتجاوز الولايات المتحدة على الإمبراطورية الرومانية في سيطرتها ونفوذها الاقتصادي والعسكري تاريخيا، وهو الخطأ الإستراتيجي الذي وقع فيه بوش حيث لم يدرك أن عندما حدث ذلك في روما خرجت الأمور عن نصابها بسرعة وبطريقة دراماتيكية مما يتسبب في أزمات عدة، فما كان على إدارته أن تواجه التنظيمات والجماعات المسلحة حول العالم الأمر الذي نتج عنه ” لعبة الغزو الإمبريالي” التي نالت من السمعة الأمريكية”.

وأضاف التقرير أن :”تلك الحرب على التنظيمات الإرهابية كشفت عن نقاط الضعف الأمريكية لم ينته الأمر عند هذا الحد بل أضرت إدارة بوش بالإقتصاد الأمريكي وتسببت بإنهيار وول ستريت والركود الاقتصادي العظيم ، حدث ذلك في نفس الأثناء التي كانت فيها بكين تنشر نفوذها الأحادي وموسكو تضع الاستراتيجيات المناسبة للمستقبل”.

وأوضح التقرير أن الأمريكيين شعروا أنهم خدعوا فيما يتعلق بحرب العراق وذهبوا لإختيار ” باراك أوباما” أملاً في التغيير ،  الرجل الذي أشتهر بعد وصفه لحرب العراق “بالحرب الغبية” إلا أنه ظل يتأرجح خلال الثمان سنوات التي سكن بها في البيت الأبيض بسبب الوجود الأمريكي العسكري في الخارج كما عودة الأمريكيين لنغمة الشعوبية الأمريكية ” أمريكا أولا”.

وذكرت المجلة الأمريكية أن :”كل ما سبق يعيدنا مباشرة لكسينجر الواقعي والحاجة لاستراتيجية جيوسياسية شرسة على أن تكون حكيمة وعنيفة مع تنافس القوى العظمى المتنافسة” ، مشيرة إلى أن نهج كسينجر الواقعي في التعامل مع القوى الكبرى هو أكثر ما نحتاج إليه ويتوجب دراسته في الوقت الراهن وهو ما يمكن إعتباره الرسالة الرئيسية لكتاب حتمية المأساة لكاتبه باري جوين خاصة مع تصاعد الصين وعودة بكين للواجهة.

واقترح الكاتب جوين أن مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية والسلام العالمي قد تكمن في الماضي ويبرر وجهة نظره بأنه ليس من قبيل الصدفة أن ” لحظة” كسينجر ومعاونيه أتت في وقت عانت فيه الولايات المتحدة من الضعف (حرب فيتنام– فضيحة وترجيت- إضرابات مدنية -ركود السبعينيات).

وأضاف أن على الولايات المتحدة أن تتخذ نهجا سياسيا أكثر حكمة تجاه العلاقات مع القوى الكبرى يتيح لها التهدئة عنما يتطلب الأمر، كما يسهل الوصول لتسوية مؤقته في عدد من الأزمات، وهو ما أشار له رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفين روود في مقال نشرت له بمجلة ” فورين أفيرز” حول جائحة كورونا قال فيه ” إن الحقيقة غير المريحة أن الولايات المتحدة والصين ستخرجان من الجائحة أضعف مما كانتا عليه قبلها، بل ستخرجان منه أضعف اقتصاديا وستتأثر هيبتهما داخليا وخارجيا وهو ما سيؤدي للتوجه بثبات وبطء نحو الفوضى الدولية”.

وقال التقرير إنه “لمواجهة هذا الضعف الذي يطال الولايات المتحدة علينا أولا الإعتراف به” وأن أجيالا من الأمريكيين تعودوا على أن بلدهم تمتلك الريادة العالمية وهو أمر غير قابل للشك في أذهانهم لكن عليهم الاستعداد لذلك.

وتوقع “جوين” ، في كتابه حتمية المأساة ، الإنهيار الحالي حول تقدم المجتمع البشري قائلا :” إن العقلانيين الذين يتطلعون للكمال في الحكم البشري والمجتمع تجاهلوا حتمية المأساة”.

وأوضح أن كل الزعماء العظماء لم تكن اخياراتهم تنحسر بين إختيار جيد وأخر سئ بل كانت بين قرار أو اختيار سئ وأخر أسوأ منه” ، وهو وفقا لجوين ، ما يلخص مسيرة كسينجر السياسية التي كانت حافلة بمثل تلك المواقف كاتفاق السلام بالشرق الأوسط والطريقة المأساوية لنهاية حرب فيتنام وحتى الانفتاح على الصين.

وأفاد أن أفكار كسينجر أصبحت الآن أكثر واقعية وملائمة للوضع الحالي حيث يتشابه الحاضر بما كان عليه الوضع في السبعينيات عندما لم تكن النخبة السياسية الأمريكية الخارجية تفكر في الإنتصار بل كانت تفكر في البقاء.

في كتابه حتمية المأساة يشير جوين بالتفاصيل لما قام به الرئيس نيكسون ووزير الخارجية كسينجر من قرارات جريئة لحماية النفوذ الأمريكي ويقول إن كسينجر كان يعلم أن معركة فيتنام لا يمكن الفوز لكنه أدرك أهميتها للحرب ككل، وهو ما جعل الولايات المتحدة تلقي من القذائف على كمبوديا أكثر من تلك التي استخدمها الحلفاء خلال الحرب ، وفقا لجوين.

وأشارت المجلة في تقريرها إلى أن نهج كسينجر يبدو أكثر ملائمة للحاضر من أي وقت مضى كما أن الظروف الحالية مشابهة لحد كبير للوضع الذي كانت عليه الولايات المتحدة في السبعينيات.

ولفت “جوين” ،في كتابه، إلى أن ” ما لم يدركه المنتصرون في الحرب وفترة ما بعد الحرب الباردة أن العالم يعيش دون أيدلوجيات ولم تتمكن الديمقراطية من الإجابة عن كل الأسئلة المطروحة ” والواقع أن الوضع أضحى أسوأ من ذلك فقد تقلصت الحاجة للديمقراطية والحرية اليوم ، موضحا أن “كرة الحرية” التي اقتنع الأمريكيون أنها ستمر بكل أرجاء العالم بلا توقف انتهى أمرها.

وأضاف الكاتب أن التاريخ سيستمر في التدحرج نحو فشل الدول الضعيفة كأفغانستان واستمرار الصراع بين الديمقراطيات والأوتوقراطيات الكبرى كالولايات المتحدة والصين لكن لا ينبغي لأحد أن يخدع نفسه بالظن أن هذا الصراع سينتج عنه نظام عالمي جديد أو منظمات دولية أو سياسية جديدة.

وذكرت المجلة الأمريكية نقلا عن كسينجر في إحدى كتاباته :” أن كل موقف له ظروفه وحالته الخاصة” وقال إن صعود القومية الجديدة يتطلب هوية وطنية أو إقليمية جديدة للبلاد ” وهو ما تقوم به الصين حاليا، هذا التوجه الشعبوي الصيني حاله حال كل النزعات الشعبوية على خلق أعداء خارجيين والتهويل من التهديد والعداء الخارجي يمكن مجابهتها بنفس المبدأ الذي كان أقترح جورج كنان لمواجهة الإتحاد السوفيتي وهو “الحد من التهديد المتصور من الولايات المتحدة وهو ما سيؤدي لذبول الأنظمة الاستبدادية من نفسها”.

 ودعا التقرير إلى  ضرورة إيجاد إستراتيجية واقعية للتعامل مع تنامي النفوذ الصيني ، حيث تقوم الصين بتوسيع نفوذها عالميا اليوم من خلال ما يعرف ب ” مستعمرات الديون” الأمر الذي يتوجب موقفا أمريكيا على غرار مواقف كسينجر الحاسمة بالرغم من أن ” مستعمرات الديون” ليست بنفس خطورة وبسط النفوذ عند احتلال أو غزو الدول مباشرة.

ويقول جوين في كتابه إن الخيار واضح للبلدين فلا بديل لديهما عن التخلي عن النظام العالمي القائم حاليا وقبول النظام الجديد فإما أن يقبلوا بذلك من خلال التطور الفكري والطرق الدبلومتسية أو سفك الدماء ، في كلا الحالتين سيتوجب علبهم التعايش مع النظام الجديد حتى وإن كان غير مريح لهما بالإضافة لذلك سيتوجب على واشنطن وبكين جلب مزيد من القوى الكبرى لخلق التوازن الجديد”.

وذكر الكاتب  أن كسينجر توقع هذا الأمر قائلا  ” إن فوزنا بالحرب الباردة لن يسفر عنه بالضرورة بداية جديدة للحرية والرأسمالية الأمريكية ” ، حتى بعد الفوز بالحرب الباردة والتي أعترف كسينجر أن النقاش حول حقوق الإنسان كان له دور في الفوز بالحرب ورأى أنه على الولايات المتحدة إيجاد ثقل دولي جديد في ميزان القوى العالمي “يحافظ على التوازن في مناطق مختلفة من العالم”.

وأشار التقرير إلى رؤية كسينجر القائمة على أن :”على المسئولين عن السياسة الخارجية الأمريكية تقبل ظهور نظام دولي جديد كما تقبل النظام الحالي المعيب ومحاولة الإبقاء عليه سرا وليس علنا حيث أن دعم بقاء النظام الحالي من جانب واحد سأودي بباقي دول العالم لرفضه كما يرى أن الكفاح بشكل علني من أجل الحفاظ على الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي الحالي  سيؤثر سلباً عليها.

وأضاف التقرير أنه لا يمكن لنظام دولي أن يعيش إذا لم ينظر له على أنه مجرد وغير محايد وقد نصح كسينجر الساسة الأمريكيين أن يكون التفكير في السياسة الخارجية الأمريكية هو تحويل القوة الأمريكية لقوة جماعة من الدول والقوى المؤثرة لتتحول لقوة إجماع حتى يكون النظام الدولي مبني على الاتفاق بدلا من القبول المتردد.

وأوضح أنه على الرغم من هيمنتها لاتزال الولايات المتحدة صاحبة اليد العليا على النظام الدولي الذي ابتدعته أو كما كتب كسينجر ” يجب أن يكون هدفنا بناء إجماع أخلاقي يمكن أن يجعل العالم متعدد الأقطاب مبدعاً وليس مدمراً” .

وأشارت المجلة بنهاية التقرير إلى أن مهمة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي والتكيف مع النظام العالمي الجديد حال تغيره ستكون هي المهمة الأصعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى