تركيا

معهد إيطالي يستعرض توجهات السياسة الخارجية التركية في ظل جائحة كورونا

عرض – آية عبد العزيز

أصدر معهد دراسات السياسية الدولية بإيطاليا تقريرا بعنوان “ توجهات السياسة الخارجية التركية إبان جائحة كورونا” في يونيو 2020، قامت بتحريره “فاليريا تالبوت” وهى زميلة أبحاث أولى ورئيس مشارك لمركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للمعهد، لإلقاء الضوء على السياسة الخارجية التركية، وكيف سيؤثر الوباء على مستقبل العمل الخارجي لأنقرة؟ هل سيساهم في تغيير مسار العلاقات التركية مع شركائها القدامى والجدد. وذلك من خلال تناول بعض الأفكار التي سيتم طرحها على النحو التالي:  

“دبلوماسية فيروس كورونا” وتأثيرها على العلاقات الأوروبية-التركية

تبنى الرئيس التركي سياسة خارجية في ظل جائحة كورونا تعتمد على استغلال الأوضاع الراهنة التي تمر بها دول العالم لتقديم يد المساعدة والعون لبعض الدول تمثلت في تزويد أكثر من 50 دولة حول العالم بأطنان من الأقنعة وغيرها من معدات الحماية الطبية. من آسيا إلى أفريقيا، من الشرق الأوسط إلى البلقان مع الأعلام التركية التي تم الترحيب بها في البلدان التي تضررت بشدة من “كوفيد-19” في الغرب التي كانت العلاقات معها متوترة بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة نتيجة عدم التوافق حول إدارة عدد من الملفات الدولية محل الاهتمام بين الجانبين مثل قضية الهجرة، والتدخل في سوريا وليبيا، وتجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي على خلفية تراجع الديمقراطية وسيادة القانون وحرية التعبير في أنقرة. بجانب إصرار أنقرة على الدخول في “اللعبة الكبرى” للغاز في شرق المتوسط؛ حيث ساهمت اكتشافات الغاز في توتر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

 بالرغم من سياسة أنقرة الخارجية في ظل وباء كورونا لم تقض على التباينات والعثرات العالقة مع الغرب وتحديًا القوى الأوروبية، إلا إنها تعد خطوة لتقليل حدة العزلة الدولية التي تواجهها أنقرة بسبب سياساتها العدائية تجاههم، ومحاولة لكسب الدعم الغربي والأمريكي في وقت الذي تواجه فيه تركيا العديد من التحديات من الداخل والخارج. بالتزامن مع استمرار الخلافات بينهم التي ستتطلب آليات دبلوماسية أكثر فاعلية من “دبلوماسية الفيروس التاجي” وتجديد الخطاب السياسي الموجه للغرب بصفة عامة لإعادة العلاقات الثنائية.

الدور التركي في ليبيا على الرغم من “كوفيد-19”

 لم يمنع “كوفيد-19” تركيا من مضاعفة انخراطها في ليبيا؛ إذ زودت حكومة الوفاق بأنظمة صواريخ مضادة للطائرات وأجهزة تشويش رادارية ومركبات مدرعة. من ناحية أخرى، قدمت الزوارق الحربية البحرية التركية الدعم لهم ضد قوات الجيش الوطني الليبي المتمركزة في الشرق عبر الساحل الغربي لليبيا. كما واصلت الحكومة التركية تنظيم ونقل المرتزقة السوريين إلى ليبيا إلى جانب العشرات من الضباط العسكريين الذين يتدربون ويقدمون المشورة بشأن التخطيط وإدارة العمليات العسكرية ضد قوات الجيش الوطني الليبي في ساحة المعركة. مما أدى إلى تراجع الجيش الوطني الليبي. الأهم من ذلك أن قوات حكومة الوفاق سيطرت على قاعدة الوطية الجوية ذات الأهمية الاستراتيجية، ويذكر أن هناك مفاوضات بين الحكومة التركية وحكومة طرابلس بشأن مقاتلات تركية من طراز F-16 لتكون في هذه القاعدة الجوية. 

وهنا لابد من توضيح أسباب الدعم التركي لليبيا؛ حيث تُكمن أهميتها في خلق موطئ قدم لأنقرة على البحر المتوسط، للمشاركة في استكشافات الطاقة، وقد تم ذلك من خلال الصفقة البحرية بين أنقرة وحكومة الوفاق، علاوة على كسر عزلتها الإقليمية في المنطقة العربية، باستثناء قطر، وكذلك العزلة في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ حيث دخلت قبرص واليونان ومصر في شراكة إقليمية في قطاع الطاقة، وتلقيهم الدعم السياسي من قبل فرنسا. كما تعد ليبيا من الجبهات الحاسمة في التنافس الإقليمي. علاوة على استفادة صناعة الدفاع التركية وبالتالي اقتصادها أيضًا من الصراع في ليبيا لأنها تمكن تركيا من اختبار وبيع منتجاتها في مسرح الحرب الليبي. فضلاً عن إن سيطرة أنقرة على الغرب سيوفر لها نفوذًا إضافيًا على أوروبا من خلال سيطراتها على منصة انطلاق رئيسية ثانية للاجئين في أوروبا، بالإضافة إلى سوريا. 

ركائز التحرك التركي في سوريا في إطار “كوفيد-19”

قد يغير “كوفيد-19” مسار العلاقات الدولية، لكنه فشل حتى الآن في تغيير ديناميكيات الصراع في سوريا؛ حيث تسعى أنقرة، قبل وبعد كوفيد-19، إلى تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية تتمثل في ضمان أمن محافظة إدلب حتى يتم التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية. من خلال اعتماد استراتيجية ثنائية تجمع بين الآليات العمل العسكري والدبلوماسي، ومع تفشي الوباء قامت بنقل المساعدات الإنسانية إلى المحافظة، وتقييد حركة القوات التركية في المنطقة. ومع ذلك، لم تكفي المساعدات المقدمة معظم سكان إدلب البالغ عددهم ما يقرب من 4 ملايين نسمة. وذلك لإحكام سيطرتها على المحافظة لخدمة طموحاتها التوسعية في سوريا.

إلى جانب ذلك، أدت الجائحة إلى تفاقم الظروف المعيشية في إدلب. وعليه من المرجح أن يتخذ النازحون السوريون خطوات أخرى يائسة للعبور إلى تركيا. فضلاً عن منع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري من الحصول على أي وضع سياسي أو اعتراف دستوري. ومنع احتمال تدفق اللاجئين الجدد نحو الحدود الجنوبية لتركيا لأمن الحدود هو هدف رئيسي آخر لسياسة تركيا في سوريا؛ إذ يزيد الوباء من تفاقم قلق أنقرة فيما يتعلق بأمن حدودها مع سوريا. وعليه لم يتمكن “كوفيد-19” من تغير مسار اللعبة في سوريا، بين القوى المتنافسة التي استطاعت إحكام سيطرتها على مناطق نفوذها لحين احتواء الجائحة.

الانخراط التركي في الصومال والقرن الأفريقي

 تعتبر منطقة القرن الأفريقي واحدة من المناطق الرئيسية التي شهدت تزايد للدور التركي، من خلال إبرام سلسلة من الاتفاقيات التجارية والتبادلات على المستوى الدبلوماسي مع غالبية دول المنطقة، كان الخط الفاصل الحقيقي للانفتاح التركي على إفريقيا هو الدور الذي تم الاضطلاع به في الصومال في عام 2011. ومنذ ذلك الحين أصبحت البلاد محور الاستراتيجية التركية في إفريقيا. بعد ما يقرب من عشر سنوات من التدخل الإنساني التركي في الصومال. 

تجسدت المشاركة التركية في الصومال في المرحلة الأولى على تقديم مساعدات للسكان المنهكين من عشرين عامًا من الحرب الأهلية التي تخللها مجاعات مختلفة. في المرحلة الثانية التي انطلقت عام 2014، اتبعت جهود تركيا اتجاهًا مزدوجًا. تتمثل في اقتناع الدبلوماسية التركية، بضرورة ضمان السلامة الإقليمية للصومال، ودعم العملية المعقدة لبناء الدولة والمؤسسات من خلال التركيز على قطاع الأمن. أطلقت تركيا، مع جهات خارجية أخرى مثل قطر والإمارات العربية المتحدة، سلسلة من المبادرات التي تهدف إلى إعادة بناء القدرة الدفاعية الصومالية. 

على مدى الأسابيع التي تلت تفشي “كوفيد-19” قدمت أنقرة عدد من المساعدات الطبية والوقائية للصومال التي تعتبر ذات أهمية لها نتيجة هشاشة النظام الصحي بها وعدم قدراتها على مواجهة الوباء بشكل فعال. على الرغم من أن أولوية الدولة في الوقت الحاضر هي التعامل مع حالة الطوارئ، إلا أن هناك بعض الشكوك حول الانخراط التركي في الصومال وبشكل أعم في أفريقيا

المُعضلة الاقتصادية في سياق التطلعات الجيوسياسية التركية

تقوم السياسة الخارجية التركية على عدة دوافع تتجلى في: الاعتبارات السياسية المحلية، واحتياجات وتطلعات الائتلاف الحاكم، وثقل القضية الكردية، والقيود الاقتصادية، وعمل التوازن الجغرافي السياسي بين روسيا والغرب وإعادة التنظيم الإقليمي. كما سلط الوباء الضوء على القضايا الاقتصادية الهيكلية التي تواجه البلاد، والتناقضات بين هيكل الاقتصاد التركي وسياسة أنقرة الخارجية/التطلعات الاستراتيجية

وبالرغم من ذلك من المرجح أن تستمر أنقرة في سياساتها الخارجية وتطلعاتها الجيوسياسة القائمة على توظيف القوة الصلبة والاستباقية في ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط. كما ستظل الأهداف الرئيسية لسياسة تركيا تجاه سوريا كما هى بالرغم من أزماتها الاقتصادية المتنامية.  

فلدى تركيا اقتصاد مفتوح نسبيًا؛ حيث تأتي معظم استثماراتها من الغرب، ولا سيما أوروبا. لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ليس لديها نفوذ اقتصادي على تركيا، لكونها مسيطرة على النظام المالي الدولي، بالتوازي مع اعتماد تركيا على التمويل الدولي كاقتصاد مدفوع بالائتمان، تمتلك الولايات المتحدة العديد من أدوات التأثير على تركيا من الناحية الاقتصادية والمالية. وعليه يمكن اعتبار أن الضعف الحالي في الاقتصاد التركي يزيد فقط من النفوذ المالي الذي تملكه واشنطن على تركيا، بالإضافة إلى هشاشة قطاع الخدمات – خاصة السياحة – بجانب أزمة العملة الوطنية “الليرة”. 

الطائرات بدون طيار في السياسة الخارجية التركية

 أصبحت الطائرات بدون طيار التركية متواجدة في بعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتلعب دورًا غير مسبوق في بعض بؤر التوتر الرئيسية في المنطقة. كما أصبحت في طليعة صناعة الدفاع المحلية الآخذة في التوسع، التي تهدف إلى تحسين القوة العسكرية للبلاد أثناء العمل كمنصة انطلاق لطموحات أنقرة الإقليمية.

وفي هذا السياق اكتسبت الطائرات بدون طيار التركية TB2)) القدرة على العمل في سماء غرب ليبيا، وساعدت في تغيير مسار الصراع الليبي لصالح حكومة الوفاق، وقامت بتنفيذ معظم طلعات الطيران الجوي لحكومة الوفاق خلال الفترة بين 17 مايو و20 مايو التي دمرت العديد من أنظمة الدفاع الجوي Pantsir S-1 التابعة للجيش الوطني الليبي، وسمحت لحكومة الوفاق بالسيطرة على القاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية، إلى جانب عدد من القرى الرئيسية جنوب طرابلس. بالإضافة إلى توظيف الطائرات بدون طيار في العمليات العسكرية التركية في سوريا. 

ويُكمن دافع أنقرة في تطوير قدراتها الدفاعية محليًا وخاصة الطائرات بدون طيار في الحاجة إلى جمع المعلومات الاستخبارية وتحسين المراقبة في صراعها ضد منظمة حزب العمال الكردستاني (أو حزب العمال الكردستاني) الذي تعتبره منظمة إرهابية. 

وتعتبر الطائرات بدون طيار جزءًا رئيسيًا من سياسة التصدير خاصة لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مثل قطر وتونس وحكومة الوفاق، لترسيخ علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية، وتعزيز سمعتها كشريك عسكري موثوق به. 

ومع ذلك، تواجه استراتيجية الطائرات بدون طيار التركية الحالية عقبات تتجلى في الأثر الاقتصادي لوباء كورونا على كل من البحث والتطوير والإنفاق الوطني على تكنولوجيا الطائرات بدون طيار. كما أن لديها نقاط ضعف لا يمكن إنكارها في ميدان القتال كما يوضح العدد الكبير من TB2s التي تم إسقاطها في ليبيا لم يتم معالجتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى