سوريا

صفحات غير مطوية من التاريخ السوري.. ولواء “الاسكندرون” المسلوب

يقع لواء الاسكندرون في شمال غرب سوريا ويطل على البحر الأبيض المتوسط، ويمتد على مساحة 4800 كم مربع، ويضم هذا اللواء على عدة مدن من أهمها إسكندرون وأنطاكية والسويدية وأرسوز والريحانية وباياس.

 ويتمتع هذا الإقليم بتاريخ مثير للاهتمام، بحيث لا تزال الجمهورية العربية السورية تنظر اليه باعتباره المحافظة السورية الخامسة عشر وتُطلق عليه لفظة “اللواء المسلوب”، فيما تعتبره تركيا بمثابة المحافظة التركية الحادية والثمانين، وتستفيد من مينائه وتعتمد على محاصيله الزراعية المتنوعة، وتروج له باعتباره كذلك منطقة جذب سياحي. 

الجذور التاريخية لانتماءات لواء الاسكندرونة 

كان لواء الاسكندرون ينتمي إلى الأراضي السورية منذ فترة خضوعها الى الحكم العثماني. وعندما تم التوقيع على اتفاقية “سايكس- بيكو” 1916، نصت الاتفاقية على أن يقع كامل الساحل السوري الشمالي ضمن مناطق الإدارة الفرنسية بما في ذلك أراضي اللواء، وهي نفس المناطق التي قضي الاتفاق بانفصالها عن تركيا، ومن ثم انضمامها الى الجمهورية السورية بعد ذلك. وهو ما حدث بالفعل، وبتاريخ إعلان قيام المملكة العربية السورية بعام 1918، كانت مناطق لواء الاسكندرونة تُعد جزءً من الأراضي السورية. 

وفي أغسطس لعام 1920، أكدت معاهدة سيفر على ضم كامل اللواء إلى الأراضي الخاضعة للانتداب الفرسي على سوريا، واعترفت الدولة العثمانية في ذات المعاهدة بإنتماء مناطق جنوب الأناضول الى الدول العربية. 

ولكن سرعان ما تغيرت الأمور بمجرد أن بدأت فرنسا ترى أن بقاء لواء الاسكندرون في نطاق الأراضي السورية قد يتعارض مع مصالحها. وبدأت تعمل على السماح لتركيا بالبدأ على تتريك “اللواء”، وساهمت حركات التتريك التي استمرت بعد ذلك على مدار 15 عامًا في رفع نسبة تواجد الأتراك في النسيج السكاني للواء من 20% الى 35%.

وفي 1936، أنضمت سوريا الى عصبة الأمم وكان لواء الإسكندرون من ضمن أراضيها، ولكن تركيا اعترضت على بقاء اللواء تحت رايات العلم السوري وطالبت على الفور بتحويله الى دولة مستقلة. ورفعت الأمر الى عصبة الأمم لأجل البت فيه، والتي قامت عقب ذلك بإرسال مجموعة من المراقبين الدوليين الى اللواء. وبالفعل تم ارسال البعثة في أواخر 1936، وخلال تواجد اللجنة هناك تم تنظيم مسيرات شعبية حاشدة جمعت بين السكان العرب والأرمن مطالبين فيها  بالمحافظة على ارتباط اللواء بالدولة السورية. 

ولكن لم يكن الرفض الشعبي لفصل أراضي اللواء عن الجمهورية السورية أو واقع الأمر الذي يؤكد على عربية اللواء وسكانه وتكوينه يملك من تغيير واقع الأمر أي شيء. إذ أنه وفي هذه الأثناء كانت قد جرت محادثات سرية بين فرنسا وتركيا، اتفقت من خلالها الدولتان على فصل أراضي لواء واعتباره منطقة مستقلة منزوعة السلاح. وهو ما تم تنفيذه بالفعل واتخاذ قرار في 29 مايو 1937 مع إصدار عصبة الأمم قرارًا بفصل اللواء عن سوريا وانتداب حاكم فرنسي جديد له. 

دولة هاتاي.. خدعة تركية بنكهة فرنسية

في 1937 قررت عصبة الأمم أن تقوم بتشكيل قانون انتخابي للدولة الجديدة، وتمت اتاحة الفرصة لأن يقوم كل ناخب بتسجيل نفسه خلال الانتخابات ضمن الدولة التي يختار أن ينتسب لها. وفتح هذا البند باب التلاعب على مصراعية أمام تركيا، التي أخذت تعمل على استمالة أكبر عدد ممكن من غير الاتراك لأجل اقناعهم بالتسجيل ضمن القوائم التركية من خلال الضغوطات والأموال وبالإتفاق مع السلطات الفرنسية. ومن جانبها، سمحت فرنسا بولوج أكثر من خمسة وعشرون ألف مواطن تركي الى أراضي اللواء، كما قامت باستخراج بطاقات هوية تثبت سكنهم في أراضي اللواء بما يمنحهم الحق في الادلاء بأصواتهم في العميلة الانتخابية. 

وبتوقيت وصول اللجنة الدولية للإشراف على سير عملية الانتخابات في ابريل 1938، أذاعت وكالات اعلام تركية معتمدة أنباء عن عقد اتفاق بين فرنسا وتركيا، تعهدت فرنسا بموجبه أن تضمن وجود أغلية تركية في مجلس قيادة اللواء القادم. وتلى ذلك أن احتشدت القوات التركية على حدود اللواء مع توجيه انذارات الى فرنسا تفيد باعتزام تركيا لاحتلاله في حالة عجز فرنسا على الوفاء بالتزاماتها. 

وتسارعت وتيرة الأحداث بعد ذلك وتعقدت بشكل كبير، ووقع الكثير من القيادات العربية المحلية رهن الاعتقال من الانتداب الفرنسي. ثم وافقت فرنسا على السماح بولوج عدد 250 جندي تركي الى أراضي اللواء بغرض المشاركة في حفظ الامن، وهو ذات الشهر الذي غادرت فيه اللجنة الأممية. 

وفي هذه الأثناء، اتفقت فرنسا وتركيا على تشكيل لجنة مشتركة للإشراف على انتخابات جديدة عقد مغادرة اللجنة الأممية. وقرر العرب مقاطعة الانتخابات في نسختها الجديدة، مما ترتب عليه فوز القوائم التركية المشاركة بشكل ساحق وبالتزكية. وتلى هذه الخطوة، انعقاد مجلس اللواء الجديد وانتخاب ريسًا له وتشكيل مجلس وزاري كامل من الأتراك. وفي 1938، تم الإعلان عن قيام دولة “هاتاي” التركية على أراضي اللواء، وبدأت بعد ذلك الأراضي تخضع الى عملية تتريك اشتملت على جميع الجوانب. 

الضم النهائي.. رغبات تركية نُفذت بأيادي فرنسية

في 1939، تم الإعلان عن الاستفتاء على ضم أراضي هاتاي بشكل رسمي تحت رايات العلم التركي. وشهد الاستفتاء العديد من التجاوزات التي لم يكن من الصعب ملاحظتها، إذ أنه تم استقدام آلاف الأتراك ونقلهم عبرحافلات عملاقة خصيصًا بغرض المشاركة في الاستفتاء، الذي اقترف العرب نفس الخطأ مرة أخرى وقاموا بمقاطعته تمامًا. وكان العرب حينها يشكلون نسبة 40% من إجمالي السكان. ولكن بانسحابهم أصبح من الواضح أن النصر الساحق في الاستفتاء سوف يكون حليف الجانب التركي.  وترتب على ذلك أن أعلنت تركيا في نفس العام، وبشكل رسمي انضمام اللواء الى تركيا باعتباره محافظة هاتاي التركية. 

وبدأت بعد ذلك المدينة تمضي في صفحة جديدة من صفحات تاريخها، وهي الصفحة التي لاتزال الجمهورية العربية السورية تنظر اليها باعتبارها امتداد آخر الى اراضيها لا يختلف في وضعه وشأنه عن هضبة الجولان السورية المحتلة من قِبَل اسرائيل. وشهدت المدينة منذ لحظة رفع العلم التركي عليه، عمليات تضييق خناق ممنهجة على السكان العرب لم تكتفي فقط باتباع سياسة التتريك الشاملة، التي اشتملت على تتريك أسماء الشوارع والأماكن وتتريك التعليم والغاء اللغة العربية منه وما الى آخره. ولكنه اتسعت وتضمنت أن يتعرض العرب السوريون من سكان اللواء الأصليون الى تضييق خناق متعمد واستمر لعقود بعد ذلك، نتج عنه حدوث موجات نزوح جماعية منهم تجاه الأراضي السورية، قوبل من الجانب الآخر بعمليات نقل منظمة لآلاف الأتراك بغرض توطينهم في اللواء وتغيير محو هويته السورية بالكامل.

وفي الوقت الراهن، بينما تبدو الدولة التركية في مشهد المتلقي والمتضرر الرئيسي لموجات النزوح السوري الهارب من نيران الحرب الأكبر على مستوى العالم. قد يكون في هذا النزوح مشهد عكسي آخر من المشاهد التاريخية، التي تُعيد بشكل أو بآخر الأمور الى نصابها الصحيح. وفي الماضي تم تهجير السوريين عنوة من أراضيهم الأم في لواء الاسكندرون، وفي الوقت الراهن أعادتهم الحرب مرة أخرى الى نفس الأراضي التي تنظر اليها تركيا اليوم باعتبارها مناطقها الحدودية التي ترغب في تأمينها بشدة. 

وبطريقة أو بأخرى، من يتمعن النظر في التاريخ قد يرى أن الاحتلال في الكثير من الأحيان لا يحدث بشكل مفاجئ وصريح. ولكنه أحيانا يحدث بالتدريج من عند ذات النقطة التي يبدأ من عندها الزحف السكاني التدريجي لمواطني الدولة المُحتل على اراضي الدولة المرغوب في ضمنها، يلي ذلك الدعوة الى عقد استفتاء حر يثبت انتماءات السكان، ثم يتخلل هذا الاستفتاء تلاعب كبير ومكائد كثيرة متشابهة تنتهي في النهاية بفرض القوة العسكرية بدعوى تأمين الحدود أو تأمين السكان والمواطنين وما الى آخر. وبمعنى آخر، من ينظر في صفحات التاريخ سوف يرى بوضوح أن قصة احتلال لواء الاسكندرون السوري قصة تتكرر باستمرار من نفس الأطراف التي لم تكتفي يومًا بامتدادها الجغرافي الطبيعي. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى