ليبيا

“إعلان القاهرة” .. المبادرة المصرية لتسوية الصراع الليبي

أعلن الرئيس “عبد الفتاح السيسي” مبادرًة باسم “إعلان القاهرة” كإطار تسوية مشتركة وشاملة للصراع الليبي المتأجج على مدار العِقد الماضي، وعكس المؤتمر الصحفي للإعلان عن المبادرة تمسك الدولة المصرية برؤيتها الثابتة لحفظ وسلامة الدولة الوطنية الليبية الموحدة، وحرص القاهرة على جمع شتات الأطراف الليبية المتصارعة والمهمشة في إطار تفاوضي واحد يضمن تمثيل كافة الليبيين. 

وتناولت المبادرة خطوات محددة لتطويق التدخلات الخارجية وإتاحة الفرصة للفرقاء الليبيون لمراجعة محصلة الصراع الدائر منذ 2011، كما رسم الإعلان مسارًا للتسوية يتيح تمثيلًا عادلًا لكافة الأقاليم، ويمكنهم جميعًا من المشاركة في وضع لبنات البناء الليبي المنشود. ونتناول فيما هو تالي أبرز محاور التسوية المصرية وفقًا لما جاء بـ “إعلان القاهرة” (6يونيو2020)، وملامح تفاعلات الداخل الليبي والمجتمع الدولي مع هذه المبادرة.

تنسيقية شباب الأحزاب ترحب بـ «إعلان القاهرة» لحل الأزمة الليبية ...

نحو حلحلة المعضلة الليبية.. القاهرة تبادر للتسوية الشاملة

شهد العام الماضي تحولات كبرى بميدان الصراع الليبي، حيث اتجاه الجيش الوطني لتحرير العاصمة “طرابلس” من التنظيمات الإرهابية، ودخول القوات التركية والمرتزقة الأجانب بشكل مباشر في العمليات العسكرية لدعم قوى الغرب المتحالفة مع تلك التنظيمات. ومع وصول الصراع الى حالة عجزت الجهود الأممية والدولية عن تحجيمها وخفض تأثيراتها على استقرار شمال افريقيا والشرق الأوسط، واستنادًا على أهمية استقرار الدولة الليبية كأحد ركائز حماية الامن القومي المصري، بادرت القاهرة بطرح رؤيتها للتسوية الشاملة ودعت الأطراف الليبية والدولية لدعمها والعمل على انجاحها. 

ونشير لأبرز محاور التسوية التي دعى إليها الرئيس “السيسي”، والتي تمثل خلاصة التجارب والمبادرات التي اجتهدت العديد من الأطراف المنخرطة بالصراع الليبي لطرحها في فترات سابقة، بما يتماشى مع طبيعة ومصالح الشعب الليبي واستقرار المنطقة.

  • أولًا: الإطار العام للتسوية: يتمسك “إعلان القاهرة” برؤية التسوية القائمة على وحدة وسلامة واستقلال ليبيا، وضرورة إشراك عموم الليبيين في عملية التفاوض وبناء السلام، لذا أستندت المبادرة على خطوات تمثيلية لأقاليم ليبيا الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان) كقواعد رئيسية لبناء الدولة الوطنية الموحدة. كما أكد الإعلان على احترام كافة الجهود والمبادرات الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، لاسيما مخرجات مؤتمر “برلين”؛ كونها تشكل مسارات شاملة للتسوية حصدت توافقًا وتأييدًا ودعمًا من الفواعل المنخرطين بالأزمة. 

وحرصت مصر على تحقيق الاشراف الاممي والدولي على الاستحقاقات المأمولة لضمان حسن سيرها، وتوفير الدعم والإمكانات اللازمة لإنجاح تلك العمليات الانتخابية بنزاهة وشفافية، بالإضافة الى البدء بعملية التسوية العسكرية ووقف القتال كمحدد رئيس على رغبة الأطراف في تحقيق الاستقرار، وأنه لا مجال للشروع في بناء ترتيبات سياسية أو أمنية أو اقتصادية إلا بوقف الاقتتال. وصولًا الى حتميتين، الأولى: ضرورة إعادة تشكيل الاجسام السياسية الليبية القائمة، والثانية: أهمية ربط عملية التسوية بجدول زمني ملائم.

  • ثانيًا: محور التسوية العسكرية: دعت المبادرة الى وقف إطلاق النار اعتباراً من يوم الاثنين (8يونيو2020)، كخطوة لبناء الثقة وإظهار الانفتاح على التسوية السلمية. مع استكمال أعمال مسار اللجنة العسكرية (5 + 5) بـ “جنيف” برعاية الأمم المتحدة، كركيزة أولى إذا نجحت ستصبح الفرصة متاحة لنجاح باقي المسارات (السياسية، والأمنية، والاقتصادية)، مع قيام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بإلزام كل الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة الأجانب من ليبيا وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها. وهو ما يمهد لإعادة سيطرة الدولة على كافة المؤسسات الأمنية ودعم المؤسسة العسكرية (الجيش الوطني الليبي)، مع تحمل الجيش الوطني مسؤولياته في مكافحة الإرهاب وتأكيد دوره بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والشرطية لحماية السيادة الليبية واسترداد الأمن في المجال البحري والجوي والبري.
بعد 9 سنوات... هل اقتربت انتفاضة ليبيا من أهدافها؟ | اندبندنت عربية

  • ثالثًا: التسوية السياسية: سعى الإعلان للتأكيد على أهمية تهيئة البيئة الملائمة لإحياء المسار السياسي برعاية اممية، وفي هذا السياق برزت الدعوة لإعادة تشكيل المشهد السياسي؛ لتلافي العقبات الدستورية والمؤسسية القائمة، وإعادة تشكيل المؤسسات السياسية بصورة تحقق فعالية وجدية التحرك نحو الحل السياسي، وتصعيد الآلية الوطنية الليبية الضامنة لإنجاح هذا المسار وعودة تلك المؤسسات للعمل في إطار الدولة الليبية. وانطلقت المبادرة من مبدأ الفصل بين المجلس الرئاسي ومجلس الوزراء، واختيار أعضاء المجلسين عبر مجمعات انتخابية -ممثلة للأقاليم الثلاثة- يضم كل منها أعضاء البرلمان ومجلس الدولة وأعيان وشيوخ القبائل، بما يضمن تمثيل الفئات المختلفة -المرأة والشباب- بكل إقليم تمثيًلا عادلًا، ويحقق تمثيل متوازن لكل إقليم في المؤسسات المراد تشكيلها بصيغة مجلس رئاسة من رئيس ونائبين.

وفي ضوء الإطار الدستوري المعمول به في ليبيا، يتولى أعضاء المجلس الرئاسي الجديد بتسمية رئيس الوزراء، والذي يقوم بدوره هو ونائبيه بتشكيل الحكومة وعرضها على المجلس الرئاسي، تمهيداً لإحالتها لمجلس النواب لمنحها الثقة. على أن يحصل كل إقليم على عدد متناسب من الحقائب الوزارية طبقاً لعدد السكان (طرابلس9 – برقة7 – فزان5)، وألا يجمع أي إقليم أكثر من رئاسة للسلطات الثلاث (الرئاسة-البرلمان-مجلس الوزراء)، على أن يتم تقسيم الـ (6) وزارات السيادية على الأقاليم الثلاثة بشكل متساوي (وزارتين لكل إقليم) مع تعيين نائبين لكل وزير من الإقليمين الآخرين. كذلك تشكيل لجنة قانونية -برئاسة رئيس البرلمان وتضم ممثلي أعضاء مجلسي النواب والدولة- لتعديل الإطار الدستوري الليبي الحالي (اتفاق الصخيرات)، ويعتمد البرلمان هذه التعديلات، تمهيدًا لانتخاب المجمعات الثلاث -بإشراف الأمم المتحدة- لجنة لصياغة دستور جديد للبلاد وطرحه للاستفتاء الشعبي لإقراره.

  • رابعًا: المحور الاقتصادي والمالي: حددت المبادرة المدة الزمنية للفترة الانتقالية بـ 18 شهرًا قابلة للزيادة بحد أقصى 6 أشهر، وتشمل تلك المرحلة إعادة تنظيم المؤسسات الليبية خاصة المؤسسات الاقتصادية الرئيسية (المصرف المركزي – المؤسسة الوطنية للنفط – المؤسسة الليبية للاستثمار)، وإعادة تشكيل مجالس إدارتها لضمان فعالية أداء الحكومة الجديدة وتوفير الموارد اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية انتهاءً بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية. واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوحيد المؤسسات الاقتصادية والنفطية في شرق وغرب ليبيا، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، إلى جانب منع وصول الأموال الليبية إلى أي من الميليشيات، والعمل على ضمان توزيع عادل وشفاف للموارد الليبية لكافة المواطنين.

تفاعلات الداخل والخارج مع “إعلان القاهرة”

أثارت المبادرة المصرية المعروفة بـ “إعلان القاهرة” موجات من ردود الفعل المحلي والإقليمي والدولي، والتي جاءت في مجملها متسقةً مع طبيعة التعاطي داخليًا وخارجيًا ومواقف الأطراف المختلفة من تجدد دورات الصراع في ليبيا، حيث أيدت العديد من المكونات الليبية المبادرة لما رأت فيه من حرص على أن يكون الحل السياسي هو المسار المراهن عليه، وأن يتم إعادة القضية الى مائدة التفاوض الليبي-الليبي بشكل رئيسي. 

وجاء التأييد الخارجي إقليميًا ودوليًا للإعلان من الدول المهتمة بتطورات وإشكالية الصراع الليبي؛ إنطلاقًا من أن القاهرة هي طرف ساعٍ لإحلال السلام والاستقرار في ليبيا، وأنها طرف معني بالأساس بهذا الصراع كونها دولة جوار يتقاطع أمنها مع مقتضيات الامن القومي المصري، كذلك وأن الدولة المصرية حليف استراتيجي للدول الكبرى والأوروبية ويمكن التعويل عليها وعلى رؤيتها لحلحلة الازمة دون التخوف من وجود أطماع أو أهداف مشبوهة يمكن أن تسعى اليها، على النقيض من الدول الإقليمية الأخرى التي تسهم في تأجيج الصراع وإفشال المبادرات السابقة.

فعلى صعيد الداخل الليبي، أعلن المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري، تأييد القوات المسلحة لإعلان القاهرة، وأكد “أن المبادرة المصرية لحل الأزمة الليبية تضمن حلاً سياسيًا يرضي جميع الأطراف كونها تنص على تعديل اتفاق الصخيرات وإعلان دستوري جديد”. وأعربت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا عن ترحيبها بالمبادرة المصرية لحل الأزمة الليبية، داعية جميع الأطراف في ليبيا للمشاركة بشكل جدي في وقف الاقتتال والوقف الشامل لإطلاق النار واستئناف المفاوضات والحوار السياسي. كما أعلنت الحركة الوطنية الشعبية الليبية دعمها للمبادرة المصرية المُتضمنة في إعلان القاهرة، معتبرة إياها ملبية لطموحات وغايات الشعب الليبي في إعادة بناء الدولة، والتخلص من الإرهاب والمرتزقة، ووقف العدوان، فضلاً عن مراعاتها لكل المعطيات التي تؤسس لحل سلمي يرضي جميع الأطراف.

وكالة الصحافة الفلسطينية - خلافات بين المشاركين في مؤتمر برلين ...

وإقليميًا، رحبت العديد من الدول العربية بمبادرة القاهرة ودعت الأطراف الليبية لوقف القتال والعودة الى التفاوض ومسارات الحل السياسي. وقد أعلنت المملكة الأردنية الهاشمية ترحيبها بالمبادرة المصرية لحل الأزمة الليبية، معتبرة أن هذه المبادرة تعد انجازًا مهمًا. كما أعلنت الإمارات العربية المتحدة تأييدها للجهود المصرية وأكدت “وقوفها مع كافة الجهود التي تسعى إلى الوقف الفوري للاقتتال في ليبيا، والعودة إلى المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة، بما يضمن سيادة ليبيا بعيدا عن التدخلات الخارجية كافة”. 

ورحبت المملكة العربية السعودية بـ “جهود مصر” الهادفة إلى حل الأزمة الليبية، معربة عن تأييدها دعوة “السيسي” لوقف إطلاق النار والعودة للمسار السياسي، على قاعدة المبادرات والقرارات الدولية ذات الصلة”. وأعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن “تثمينه للمبادرة لإيقاف القتال في ليبيا والتوصل إلى تسوية سياسية متكاملة للأزمة في البلاد “. كما رحب رئيس البرلمان العربي، مشعل بن فهم السُّلمي، بإعلان القاهرة الذي أطلقه الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي”، لحل الأزمة الليبية والحفاظ على وحدة واستقرار ليبيا. كما أعلنت الخارجية الكويتية عن ترحيبها بمبادرة “إعلان القاهرة” مؤكدة دعمها لكافة الجهود التي ترمي لوقف نزيف الدماء في ليبيا. وأكدت مملكة البحرين ترحيبها بالمبادرة المصرية الداعية إلى وقف إطلاق النار في ليبيا، والالتزام بالمسار السياسي من أجل تحقيق تطلعات وطموحات الشعب الليبي في الأمن والاستقرار.

وعلى الصعيد الدولي، أعربت الولايات المتحدة عن ترحيبها بـ “إعلان القاهرة” وترحيبها بجهود دعم العودة إلى المفاوضات السياسية في ليبيا، وقالت السفارة الأمريكية في ليبيا في بيان على تويتر “نرحّب بجهود مصر وغيرها من الدول لدعم العودة إلى المفاوضات السياسية التي تقودها الأمم المتحدة وإعلان وقف إطلاق النار، وندعو جميع الأطراف للمشاركة بحسن نيّة لوقف القتال والعودة إلى المفاوضات السياسية التي تقودها الأمم المتحدة”. كما رحبت روسيا بالمبادرة ووصفتها بالهامة من أجل إنهاء الأزمة، وقالت السفارة الروسية بالقاهرة “تقدمت مصر اليوم بالمبادرة الهامة لإنهاء الأزمة في ليبيا، نرحب بكل الجهود الرامية الى تسوية النزاع واستعادة السلام في كافة الأراضي الليبية”، وأكد مصدر دبلوماسي روسي لوكالة (نوفوستي) للأنباء أن “مبادرة القاهرة تعد أساسًا لبدء عملية سياسية جادة في ليبيا”. 

كما أعلنت فرنسا دعمها للمبادرة المصرية لحل الأزمة الليبية، والتي تهدف إلى الوقف الفوري للقتال واستئناف المفاوضات في إطار اللجنة العسكرية المشتركة 5+5. وهو ما أعلنته بريطانيا أيضًا، بعد ترحيبها بالمبادرة المصرية لحل الأزمة الليبية، وتأكيدها على ضرورة أن تحظى بدعم دولي. فيما أعربت الخارجية الإيطالية عن تأييدها لأي مبادرة من شأنها التوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية، داعية جميع الأطراف لاستئناف مفاوضات “5+5”.

ولم تكن موجات ردود الفعل التي أنتجها إعلان القاهرة مشتملةً على التأييد المطلق، فقد صدرت العديد من التصريحات المتباينة الأخرى والتي تحفظت على المبادرة أو على بعض بنودها. وأكدت الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا عن تقديريها لدور القيادة المصرية وحرصها على استقرار وسلامة ليبيا، إلا أنها تحفظت على أن الإعلان جاء كانعكاس لمبادرة رئيس النواب “عقيلة صالح” التي كانت متأخرة ومضيعة للوقت والجهد؛ كون تلك الفرصة كانت متاحة في المؤتمر الجامع (غدامس) الذي لم يعقد بعد إطلاق عملية تحرير طرابلس ابريل2019. ورفض رئيس مجلس الدولة، خالد المشري، المبادرة لاعتبارات تتعلق بأنها لا تقوم على الاتفاق السياسي الليبي، وأنها تتضمن مشاركة قائد الجيش الليبي الذي يرى في عودته الى التفاوض مؤشرًا على فشله في الهجوم على طرابلس، وأن إطلاق عملية تحرير طرابلس كانت أحد أسباب عدم انعقاد المؤتمر الجامع وهي فرصة كان ينتظرها كل الليبيون. واعتبر مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية التركي، ياسين أقطاي، أن مبادرة القاهرة هي محاولة “لنفخ الروح في أبدان قد ماتت ونفوس قد بليت”، ما يؤكد أن الموقف التركي سيكون غير داعم ومعطل لجهود التسوية السلمية للازمة الليبية.

وختامًا، ففيما اجتهدت الدبلوماسية المصرية وغيرها من المؤسسات واللجان التنسيقية المعنية بإدارة الملف الليبي في إيجاد طريقة مُثلى لكسر حلقات الصراع المتتالية، فإن العامل الرئيس لنجاح مثل هذه الجهود هو العامل الليبي نفسه؛ فلا حل إلا بوجود رغبة ليبية وطنية في تسوية الصراع تدعمها إرادة دولية في إحلال السلام والاستقرار. ويظل كبح جماح أطماع تركيا في استحواذ مكامن الطاقة بشرق المتوسط، وتصدير الإرهاب وعدم الاستقرار لدول الإقليم، الإشكالية الأبرز التي يجب العمل بشكل جماعي مع الأطراف الساعية لحل الازمة الليبية لمواجهتها ووضع نهاية لها، ويبقى “إعلان القاهرة” إشعارًا بأن الدولة المصرية تضع ليبيا وفرض الاستقرار ومحاربة الإرهاب بها على رأس أولوياتها، وأن مهلة الـ 48 ساعة هي إطارًا زمنيًا لإتخاذ مصر خطوات أكبر لحشد الموقف الدولي اللازم لضبط الأوضاع في ليبيا. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى