الأمريكتان

أمريكا ضد أمريكا.. حقائق السياسة والتاريخ في انتفاضة مينابولس

إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة التي لم تتوقف عن الحرب منذ تأسيسها على يد المهاجرين الأوروبيين في ثلاثة عشر ولاية كانت تتبع التاج البريطاني، فإنها أيضًا الدولة التي لم يتوقف شعبها عن الاضطرابات العنيفة منذ تأسيسها، حتى أصبح الأمر أشبه بطقس سنوي في الولايات الأمريكية.

ولعل ذلك يعود الى “الثقافة المؤسسة للولايات المتحدة الأمريكية” وهى ثقافة مسيحية بروتستانتية في الأساس، تمجد الرجل الأبيض، لذا دخلت الولايات الأمريكية منذ استقلالها عن بريطانيا عبر الثورة الأمريكية في صراع ثقافي اتخذ أشكالًا عنيفة وعسكرية وصلت إلى الحرب الأهلية ضد كل ما هو غير منتمٍ الى عرقية/قومية البيض البروتستانت، ولم يستثن من هذه الإشكالية الثقافية العنيفة حتى المسيحيون الكاثوليك أو الأرثوذكس، كذا اليهود الذين سعى اليمين المحافظ حتى سبعينيات القرن العشرين إلى إجبارهم على التحول للمسيحية عبر جمعيات كانت تعمل بشكل قانوني، بعيدًا عن الدعاية الصهيونية التي تحاول تصوير اليهود في أمريكا باعتبارهم المحرك الحقيقي للسياسة خلف الستار.

ولكن اضطرابات مينيابولس التي اندلعت في 26 مايو 2020 على وقع مقتل الأمريكي الأسود جورج فلويد في اليوم السابق، اتخذت شكلًا مختلفًا عما سبق من اضطرابات شعبية وعرقية، على ضوء رعاية المعارضة الأمريكية لهذه الاضطرابات وتحويلها الى انتفاضة شعبية عارمة، أشبه بترتيب المظاهرات بشكل وتوقيت موحد في ميادين الربيع العربي منذ بضعة سنوات، حيث استخدمت المعارضة الأمريكية أدوات الربيع العربي ميدانيًا وإعلاميًا، كما لو كنا نشاهد نسخة مصغرة من الربيع العربي في الولايات الأمريكية.

خرجت المظاهرات في الخمسين ولاية دفعة واحدة، ما شكل ضغطًا كبيرًا على أجهزة الشرطة والأمن الداخلي في كل ولاية على حدة، مع وجود زخم إعلامي واهتمام صحفي وآلة متابعة عملاقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلال المعارضة الأمريكية لحالة السخط الشعبي والاحتقان المعيشي على ضوء غلق الولايات الأمريكية لثلاثة أشهر جراء انتشار وباء كورونا.

توظيف الاحتقان المعيشي وحتى الطائفي أتى بثماره، واندلعت أعمال عنف لم تشهدها الولايات المتحدة منذ اغتيال الحقوقي الأسود مارتن لوثر كينج في 4 أبريل 1968، ونظرًا لأهمية انتفاضة أبريل 1968 في الوعي الجمعي للأمريكيين السود، تعمد الرئيس السابق باراك حسين أوباما في كلمته التي ألقاها عبر تطبيق زووم أن يشير إلى “أنه يعرف التاريخ جيدًا وما يحدث اليوم أقوى مما جرى عام 1968” في محاولة لبث مزيد من الحماسة في نفوس المتظاهرين.

توظيف سياسي وليس تحرك حقوقي

إن التوظيف السياسي في اضطرابات 2020 الأمريكية لم يتوقف عند حدود الآثار السلبية لكورونا فحسب ولكن وصل إلى حادثة قتل جورج فلويد ذاتها، على ضوء اقتراب معركة الحسم الانتخابية في نوفمبر 2020 حينما تعقد الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

يشهد الغرب عمومًا والولايات المتحدة اليوم صراعًا سياسيًا غربيًا – غربيًا، ما بين التيار القومي الصاعد عالميًا، والتيار النيوليبرالي الذي يضم القوى والأيدولوجيات التقليدية التي تحكم الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وكان من مفرزات هذا الصراع الأيديولوجي، هو قيام التيار النيوليبرالي بشيطنة ترامب عبر الإعلام، ثم فشل المعارضة الأمريكية في إقالة الرئيس أو محاسبته داخل الكونجرس الأمريكي، كما فشلت المعارضة عبر حكام الولايات الموالين لها في كبح خطة ترامب لإعادة تشغيل الاقتصاد الأمريكي بعد وباء كورونا الذي صنع أسوأ موجة ركود اقتصادي في الولايات المتحدة منذ ثلاثينات القرن العشرين.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\a5d304f7-8e87-4025-bbbb-2751bad44975.jpg

المعارضة الأمريكية التي تشكل اليوم جزءًا من مجهود دولي لكبح صعود تيارات اليمين القومي في العالم، تعمل بالتنسيق مع جهات أوروبية سعت بدورها لتوظيف “الاحتجاجات الأمريكية” وصنع تظاهرات في أوروبا تندد بما يجرى في الولايات المتحدة من اجل حشد الرأي العام الأوروبي ضد اليمين القومي في تلك الدول الأوروبية.

ولكن للمفارقة فإن الأرقام الرسمية للاقتصاد الأمريكي أوائل يونيو 2020 تشير الى تعافى سريع ومفاجئ، ما يعني أن خطة إعادة تشغيل أمريكا تؤتى ثمارها بالفعل، ويوضح أن إدارة ترامب استوعبت صدمة احتجاجات مينابولس، وأن الرئيس الأمريكي يكمل مسيرته الانتخابية بما يجعل بورصة التوقعات حيال انتخابات نوفمبر 2020 تصاب بالشلل، وعلى ما يبدو فإن الصراع الأيديولوجي العالمي بين التيار النيوليبرالي والتيار القومي لن يحسم إلا ليلة 3 نوفمبر 2020 حينما يتسمر العالم أمام شاشات الأخبار الأمريكية لمراقبة نتائج الفرز أولًا بأول.

السجل المخزي لزعيم المعارضة الأمريكية

يحاول باراك أوباما ان يصنع نموذجًا جديدًا على السياسة الأمريكية، عبر تنصيب نفسه زعيمًا للمعارضة، بعيدًا عن آليات الأغلبية والأقلية داخل الكونجرس، أو حتى ترتيب القيادة داخل الحزب الديمقراطي المعارض، وعادة ما ينزوي الرؤساء السابقين في أمريكا بعيدًا عن العمل السياسي المباشر داخل الولايات المتحدة وربما يتم تكليفهم بمهام أممية، ولكن أن يعود رئيس سابق للعمل السياسي بل وتقوم مؤسسته بعنونة خبر إلقائه خطاب بعبارة “الرئيس أوباما يلقى خطابًا للأمة الليلة” فهي أدوات غير معهودة في قواعد عمل المعارضة الأمريكية.

اعتلاء الحراك الشعبي وتوجيهه إلى أجندة وبنك أهداف محدد سلفًا ليس بالأمر الجديد على أوباما، الذى قاد الولايات المتحدة على نفس النمط في سنوات الربيع العربي، وللمفارقة فإن خطاب أوباما للربيع الأمريكي أتى في الذكري الحادي عشر لخطابه إلى العالم الإسلامي في جامعة القاهرة، وهى مفارقة توضح أن التيار النيوليبرالي الذى كان يستعد عام 2009 لفعاليات الربيع العربي في الشرق الأوسط في القاهرة ودمشق وطرابلس وصنعاء، أصبح اليوم يحاول أن يجد موطئ قدم في محيط واشنطن وكاليفورنيا ونيويورك. حسابات الربح والخسارة في تلك المفارقة توضح كيف خسر التيار النيوليبرالي أمام الربيع العربي وكيف يخسر اليوم أمام التيار القومي.

والمفارقة الأخرى التي توضح ان الحديث عن الحقوق والإنسانيات ما هو إلا قناع كاذب للليبرالية الأمريكية والنظام النيوليبرالي العالمي، هو ان أوباما الذي يعد أول اسود يتولى رئاسة الولايات المتحدة لم يبذل أي جهد في قضايا السود طيلة السنوات الثماني التي قضاها في البيت الأبيض.

بل وشهدت سنوات حكمه مقتل العشرات من السود برصاص الشرطة الأمريكية، وتسببت تلك الأحداث في اضطرابات فيرجسون – تقع في ولاية ميزوري – الأولى (9/25 أغسطس 2014) والثانية (24 نوفمبر 2014 – 2 ديسمبر 2014) والثالثة (9/11 أغسطس 2015) على ضوء مقتل الأسود Michael Brown مايكل براون.

كما اندلعت احتجاجات ستاتن ايلاند Staten Island – بولاية نيويورك – الأولى في يوليو 2014 والثانية في ديسمبر 2014 بسبب مقتل الأسود ايريك جارنر Eric Garner على يد الشرطة ايضًا.

وفى أغسطس 2015 اندلعت اضطرابات سانت لويس – بولاية ميسوري – بسبب مقتل الأسود منصور بال – باى Mansur Ball-Bey على يد الشرطة، كما اندلعت احتجاجات بالتيمور بولاية ميريلاند (18 ابريل 2015 – 3 مايو 2015) عقب مقتل الأسود فريدي جاى على يد الشرطة. وفى مارس 2012 اندلعت مظاهرات سلمية بمدينة سانفورد بولاية فلوريدا عقب مقتل الأسود تريفون مارتن على يد الشرطة!

وشهدت سنوات أوباما اضطرابات ولاية ويسكنسن 2011 واضطرابات احتلوا وول ستريت عامي 2011 و2012، واحتجاجات جامعة ميسوري عامي 2015 و2016 لأسباب عرقية.

هكذا شهدت سنوات أوباما عشر انتفاضات شعبية جراء العنف ضد السود، وتمددت تلك الاحتجاجات خارج المدن سالفة الذكر لتشمل عددًا من الولايات، بالإضافة إلى ثلاثة اضطرابات شعبية عامة، وعشرات الاحتجاجات الصغيرة طيلة السنوات الثمانية لأول رئيس من أصول أفريقية أو آسيوية دون أن يتحرك في هذا الملف، ودون ان تحظى الانتفاضات العشرة بدعم أو توظيف المعارضة الجمهورية لها، أو التغطية الإعلامية والدولية والتعاطف العالمي الذي صنعه الاعلام الدولي المناوئ لترامب حيال احتجاجات 2020.

وللمفارقة فإن معارضي الرئيس ترامب داخل الحزب الجمهوري وقعوا في فخ التناقض أيضًا، فالرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن صرح بأنه يجب الاستماع إلى صوت المحتجين، علمًا بأن الولايات المتحدة انتفضت في تظاهرات عارمة في مارس 2003 رفضًا لحربه المرتقبة حيال العراق، ولم يسمع بوش الابن لصوت الشعب الأمريكي الرافض لحربه يومذاك.

الجيش والثورة والدستور.. رؤية أمريكية

سعى المشرع الأمريكي إلى وأد المشكلة العنصرية في الولايات المتحدة مبكرًا، عبر سن قانون الدعوة الرابع عام 1792 ثم استبداله بقانون الانتفاضة عام 1807 أو Insurrection Act of 1807 حيث يسمح للرئيس بأن ينشر القوات المسلحة في الولاية أو الولايات التي تشهد اضطرابات أو قتال أو تمرد أو أزمة طبيعية أو مصطنعة أو عدوان ما.

وللمفارقة فإن الدولة التي صنعت مصطلح الحكم العسكري في سنوات الحرب الباردة، وحقنته في العلوم السياسية بتوصية من المخابرات المركزية في إطار الحرب الفكرية مع الاتحاد السوفيتي، حيث لم يكن هذا المصطلح بتعريفاته موجودًا في العلوم الإنسانية منذ فجر التاريخ وحتى بدء الحرب الباردة، فإن هذه الدولة هي أول من سن قانون يلزم الجيش بالتدخل والتصدي للثورات الشعبية وفرض الأمن مهما اقتضى الامر.

ولم يكن نص قانون الانتفاضة مجرد نص دستوري تم تعديله عامي 1861 و1871، ولكن قام رؤساء الولايات المتحدة بتفعيله أكثر من مرة، ونزل الجيش الأمريكي للتصدي للثورات والاضطرابات الشعبية في تاريخه.

استخدم الرئيس جورج بوش الأب الجيش الأمريكي من اجل التصدي لانتفاضة لوس أنجلوس في أبريل ومايو 1992، اما الرئيس ليندون جونسون فقد استخدم الجيش أربع مرات من أجل إيقاف اضطرابات المواطنين السود في سنوات الانتفاضة ضد التمييز العنصري، وذلك خلال اضطرابات ديترويت بولاية ميتشجان في يوليو 1967 وسحق الانتفاضة الشعبية بعد أن خلف 43 قتيلًا، ونزل الجيش في واشنطن في أبريل 1968 ثم مدينة شيكاجو وولاية ميريلاند في الشهر نفسه لسحق الاضطرابات التي قام بها السود فيما يعرف بـ” الصيف الساخن الطويل 1967″ او The long, hot summer of 1967.

في أغسطس 1831 استدعى الرئيس أندرو جاكسون الجيش الأمريكي للتصدي لانتفاضة العبيد في ولاية فيرجينيا أو ما يعرف بـ تمرد ساوثامبتون، بعد أن قتل العبيد السود 65 شخصًا فردت ميلشيات من السكان البيض بقتل 120 مواطن من السود سواء عبيد او غير ذلك، وعقب سيطرة الجيش على الوضع، صدرت قرارات بإعدام 56 عبدًا شارك في التمرد من ضمنهم نات تيرنر قائد التمرد، في حادث شكل لاحقًا إحدى شرارات الحرب الأهلية الأمريكية.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\0e9b7865-24dd-41be-9d49-cf9eefa9d87c.jpg

الرئيس جاكسون عاد بالجيش مرة أخرى لفض الاعتصام العمالي في ولاية ميرلاند في يناير 1834، والرئيس جروفر كليفلاند واجه اضراب عمال السكك الحديد الذي تحول إلى اضطرابات عمالية عنيفة، وذلك عن طريق تفعيل قانون الانتفاضة نزول الجيش الى الشوارع في يوليو 1894.

في أبريل 1914 اندلع أكبر إضراب عمالي في تاريخ أمريكا، وقد أنزل الرئيس وودرو ويلسون الجيش للتصدي لهذا الاضطراب وسقط ما لا يقل عن 200 قتيل من العمال ولاية كولورادو وحدها.

لاحقًا جرت أعمال شغب في مدينة ديترويت، ناتجة عن الأحوال الاقتصادية والضغوط الاجتماعية بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، الرئيس فرانكلين روزفلت انزل الجيش إلى ولاية ميتشجان في يونيو 1943وانهى تلك الاضطرابات. فيما استخدم الرئيس يوليوس جرانت الجيش في قمع تمرد ميلشيات كلو كلوس كلان التي تمثل المتطرفين البيض وذلك في ولاية نورث كارولينا في أكتوبر 1871.

ثم عاد الرئيس جرانت بالجيش لوقف اضطرابات ولاية لويزيانا عقب اجراء الانتخابات المحلية في سبتمبر 1872، ومرة ثالثة في مايو 1874 لإنهاء قتال بين الميلشيات في ولاية اركنساس.

الرئيس رذرفورد هايز استخدام القانون في أكتوبر 1878 لإنهاء قتال المليشيات في ولاية نيومكسيكو، وعلى ضوء تخوف الحكومة الأمريكية من اضطرابات ناتجة عن حصول السود على بعض حقوقهم أرسل الرئيس دوايت ايزنهاور ل الجيش الى ولاية اركنساس في سبتمبر 1957، وفعل الرئيس جون كينيدي الامر ذاته مع الى ولاية الباما في يونيو 1963.

كينيدي لجأ الى الجيش على ضوء اندلاع اضطرابات ولاية ميسيسبي في سبتمبر 1962 وقد حسم الجيش تلك الاضطرابات وفرض الأمن وقتذاك. هكذا ينقل لنا التاريخ فصولًا عتيدة من تدخل الجيش الأمريكي ضد الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية والعمالية، وحمل السلاح والعنف العنصري من السكان البيض والسود على حد سواء، ما يعني ان محاولة تفعيل الرئيس ترامب لقانون الانتفاضة لا يشكل حادثة تاريخية إذ جرى الأمر مرارًا.

وربما يغيب عن البعض حقيقة ان الحرس الوطني التابع لكل ولاية في أمريكا، يتبع الجيش الأمريكي أيضًا، وهو أشبه بحرس رئاسي تابع لحاكم الولاية، ولكنه أيضًا يمكن أن يتلقى الأمر من القائد الأعلى للجيش ألا وهو والرئيس الأمريكي أو وزير الدفاع، إضافة الى رئيس الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، وعمليًا لا توجد احتجاجات شعبية او كارثة طبيعية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية إلا ونزل الحرس الوطني فيها للمساعدة، ما يعني عمليًا أنه لا يوجد مظاهرة في تاريخ أمريكا تجاوزت الخط الأحمر للأمن القومي إلا وكانت إحدى أفرع الجيش الأمريكي جاهزة للتصدي وضبط الأمن مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى