السودان

تفاصيل خطاب السودان إلى مجلس الأمن حول سد النهضة

قدمت وزارة الخارجية السودانية خطابا إلى مجلس الأمن أمس مرفقا بمذكرة يتناول الحديث حول المسائل المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي، التي أثيرت في الرسائل التي بعثت بها كل من مصر وإثيوبيا إلى مجلس الأمن في 1 و14 مايو الماضي على التوالي. 

ويوضح الخطاب موقف السودان بشأن القضايا المثارة في هاتين الرسالتين، وآثار السد الإيجابية والسلبية على السودان، كما يوضح أبرز مراحل التفاوض، وتفاصيل المبادرة التي اتخذها السودان لإستئناف عملية التفاوض، مع الإشارة إلى مبادئ القانون الدولي التي يستند اليها السودان في موقفه من مفاوضات سد النهضة.

آثار سد النهضة على السودان

ذكر الخطاب انه بالنسبة للسودان، يعتبر النيل الأزرق شريانا للحياة لمعظم سكان السودان البالغ عددهم 40 مليون نسمة. ويخدم 70٪ من الأراضي المروية في الدولة، وهو بذلك يمثل قلب الأنشطة الزراعية التي يعتمد عليها سكان البلاد واقتصادها إلى حد كبير، وبمجرد الانتهاء من بناء سد النهضة سيكون له هيكل ضخم هو الأكبر في افريقيا، وضمن أكبر15 محطة كهرومائية في العالم، وبالتالي وجوده على بُعد كيلومترات قليلة من الحدود السودانية الإثيوبية سيترتب عليه إمكانية إحداث آثار ايجابية وسلبية على السودان.

أولًا: الآثار الإيجابية:

تنبع الآثار الإيجابية المحتملة لسد النهضة الإثيوبي على السودان من تنظيم تدفق مياه النيل الأزرق، وبالتالي تقليل الفيضانات السنوية خلال موسم الأمطار، وتشمل الآثار الإيجابية ما يلي:

  • الإمداد بالكهرباء: زيادة توليد الطاقة الكهرومائية من محطات الطاقة الكهرومائية الموجودة في السودان (روصيرص ومروي)، بالإضافة إلى الإمدادات المستقبلية المتوقعة من GERD.
  • الزراعة المروية: ستتحسن موثوقية إمدادات المياه لخطط الري الحالية والمستقبلية، مما يعزز الزراعة المروية في الدولة.
  • آثار إيجابية أخرى: تشمل هذه الآثار العمر الأطول للسدود السودانية (مع تقليل الرواسب)، وتقليل الأضرار الناجمة عن الفيضانات المرتفعة بشكل استثنائي، وتوفير تكلفة الضخ، وزيادة عمق الملاحة على طول نهر النيل الرئيسي.

ثانيًا: الآثار السلبية:

أما الآثار السلبية التي أشار اليها الخطاب، فتنبع من كون السد سيغير تمامًا نظام تدفق النيل الأزرق عن طريق تسطيح هيدروغرافه. وسيؤدي ذلك إلى تأثيرات كبيرة على هيدرولوجيا النهر وموارد المياه والترسيب، ومع هذا الحجم الضخم للسد، قد يتسبب في مخاطر سلبية كبيرة على السودان إذا لم يتم تصميمه وإنشائه وتعبئته وتشغيله بشكل صحيح، وتتمثل أبرز الآثار السلبية في:

  • سلامة السد: إن فشل سد بهذا الحجم الضخم سيتسبب في أضرار مدمرة في الأرواح والممتلكات والزراعة في السودان ويهدد حياة وسلامة حوالي 20 مليون مواطن سوداني يعيشون مباشرة في اتجاه مجرى النهر، ويهدد السلامة التشغيلية للسدود السودانية.
  • الآثار الاجتماعية: يعتمد الملايين من المزارعين بشكل رئيسي على الزراعة في فيضان النيل الأزرق والرئيسي، وبالتالي فإن تنظيم تدفق النيل الأزرق سيقلل من الأراضي المروية بالفيضانات بنحو 50٪، وبالتالي يؤثر على المزارعين إذا لم يتم معالجة هذا التأثير وتخفيفه بشكل صحيح. 
  • تقليل الرواسب: الرواسب السنوية التي يحملها فيضان النهر تعتبر سماد طبيعي جيد، وستنخفض كمية ونوعية الرواسب بشكل كبير.
  • الآثار البيئية: وتشمل التغيرات في نوعية مياه النهر، والتغيرات الشكلية، ومصائد الأسماك، وغابات الفيضانات، والعديد من القضايا الصحية.
  • التعبئة والتشغيل طويل المدى لسد النهضة: مرافق التخزين في السودان صغيرة الحجم وتعتمد بالكامل على نمط التدفق السنوي للنيل الأزرق. وبالتالي فإن سنوات الجفاف ستؤثر بشكل كبير على مرافق التخزين السودانية وعلى كل من التشغيل والصيانة لتلبية احتياجات قطاعي الزراعة والطاقة الكهرومائية.

وأكد الخطاب أن التنسيق والتعاون الأوثق والإتفاق مع إثيوبيا حول كيفية ملء وتشغيل سد النهضة “شرط مُسبق” لتحقيق الفوائد المحتملة والتخفيف من الآثار السلبية، وإلا فإن السد يمكن أن يسبب الكثير من المخاطر على السودان.

أبرز محطات التفاوض.. والمبادرة السودانية لإستئناف المفاوضات

بدأت المناقشات والمفاوضات مع إثيوبيا بشأن GERD منذ عام 2011، شارك السودان -بحسن نية- في جميع مراحل مفاوضات GERD بما في ذلك تنظيم جولات المفاوضات الثلاثية الرئيسية في الخرطوم (2013-2015) التي تولد عنها اتفاقية إعلان المبادئ  (DoP)وقد وقعت الاتفاقية من قبل قادة الدول الثلاث في الخرطوم في 23 مارس 2015. وقد بدأت الجولة الحالية من المفاوضات في مايو 2018، بتشكيل المجموعة الوطنية المستقلة للبحث العلمي(NISRG)، التي أنشأتها اللجنة التساعية (المكونة من وزراء الخارجية والموارد المائيه ورؤساء المخابرات للدول الثلاث)، وفي نوفمبر 2019 انضمت الولايات المتحدة والبنك الدولي إلى عملية المفاوضات كمراقبين لدعم الدول الثلاث للتوصل إلى اتفاقية نهائية شاملة بشأن ملء وتشغيل سد النهضة خلال عدة جولات تفاوضية، وبحلول الجلسة الأخيرة التي اختتمت في 13 فبراير2020، كانت مسودة الاتفاقية في مرحلة متقدمة جدًا حيث تم الاتفاق على 90٪ من القضايا، ولم يتبق سوى القليل من الاختلافات، ولكن من المؤسف أن المفاوضات توقفت منذ فبراير 2020 مع تصعيد في التصريحات الخطابية من كل من مصر وإثيوبيا.

وأشار الخطاب إلى قيام السودان حاليًا بمبادرة لإقناع مصر وإثيوبيا باستئناف المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي وعادل قبل أن يبدأ ملء السد.

 وفي هذا السياق، عقد رئيس وزراء السودان اجتماعات ثنائية (عبر الإنترنت) مع رئيسي وزراء مصر وإثيوبيا يومي 19 و21 مايو 2020 على التوالي. وأكد القادة الثلاثة استعدادهم لاستئناف المفاوضات بهدف إبرام اتفاق عادل وشامل. كما أمروا وزراء الري والموارد المائية في الدول الثلاث باستئناف المناقشات الفنية على الفور. ومنذ ذلك الحين، عُقدت عدة اجتماعات ثنائية ونأمل أن تستأنف المفاوضات الثلاثية قريبًا.

مبادئ القانون الدولي التي تحكم قضايا السد

يرى السودان أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997، توضح المبادئ الأساسية لقانون المياه الدولي العرفي التي يجب الالتزام بها لحل الخلافات المتبقية بشأن سد النهضة، والمبدأ الأساسي لقانون المياه الدولي هو تعاون الدول المشاطئة للمجرى المائي المشترك. كما تحدد اتفاقية الأمم المتحدة بالتفصيل أربعة مبادئ رئيسية يؤيدها السودان بالكامل وهي: 

مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول”؛ “الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن”؛ “الإخطار وتبادل البيانات والمعلومات”؛ و”التسوية السلمية للمنازعات”.

هي ذاتها المبادئ التي أكدت عليها اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة من الدول الثلاث في مارس 2015، وتحديدا في المواد الأولى والثانية والسابعة والعاشرة من الاتفاقية، فضلًا عن اتفاقها مع مبدأ التعاون الذي يقوم عليه قانون المياه الدولي في المادة الخامسة لإتفاقية اعلان المبادئ التي تؤكد على التعاون في الملئ الأول وادارة السد.

الموقف السوداني من المفاوضات.. لا بديل عن اتفاق شامل

استند الموقف السوداني إلى تأكيد ما قدمته المذكرات المقدمة من كل من مصر واثيوبيا إلى مجلس الأمن في 1و14 مايو 2020 من ضرورة الإلتزام الكامل باتفاقية إعلان المبادئ، بالاضافة إلى المبادئ الاربعة الأساسية لاتفاقية الأمم المتحدة، وقانون المياه الدولي الموضحة أعلاه. 

وبناء على هذه المبادئ، ومن منطلق ايمان السودان بأن التعاون سيعمل على تحسين العوائد والفوائد للجميع، تفاوض السودان بحسن نية وآمن ودافع عن اتفاقية شاملة تشمل جميع الدول المشاطئة الثلاثة، ورفض المشاركة في أي مفاوضات ثنائية في غياب الطرف الثالث، ولهذا السبب امتنع السودان عن إجراء مفاوضات ثلاثية في واشنطن في غياب إثيوبيا صاحبة السد. وكذلك رفض السودان أيضًا الموافقة على قرار الجامعة العربية الذي ينتقد إثيوبيا. وفي نفس الوقت، رفض السودان اقتراحًا قدمته إثيوبيا باتفاقية جزئية لا تغطي إلا المرحلة الأولى من التعبئة، حيث يعتقد السودان أن أي اتفاق يجب أن يكون شاملاً ويجب أن يغطي جميع القضايا ذات الصلة بملء وتشغيل سد النهضة لضمان فاعليته.

علاوة على ذلك، يؤمن السودان إيمانا قويًا بأن التوصل إلى اتفاق شامل بشأن المبادئ التوجيهية والقواعد قبل البدء في ملء سد النهضة أمر ضروري ومهم للغاية لجميع الأطراف، مع التأكيد على ان أي قرارات أحادية بشأن توقيت وقواعد ملء السد ستعرض ملايين الأرواح والمجتمعات للخطر.

مطالبة مجلس الأمن بدعم المفاوضات ومنع أى اجراءات أحادية

انتهى الخطاب إلى انه بعد مرحلة المفاوضات في واشنطن، يعتقد السودان أن الدول الثلاث قريبة جداً من إبرام اتفاق شامل. بإرادة سياسية قوية والتزام من الأطراف الثلاثة، يمكنهم معالجة الاختلافات القليلة المتبقية. 

لذلك طلب السودان من مجلس الأمن:

(1) ثني جميع الأطراف عن اتخاذ إجراءات من جانب واحد بما في ذلك البدء في ملء سد النهضة قبل التوصل إلى اتفاق شامل، أو اتخاذ أي إجراء آخر يعرض السلام والأمن الإقليميين والدوليين للخطر؛ 

(2) دعم جهود السودان ودعوة جميع الأطراف إلى استئناف المفاوضات الفورية بحسن نية بهدف حل القضايا العالقة وإبرام اتفاق شامل نهائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى