الأمريكتان

هونج كونج …نافذة إضافية للتصعيد الأمريكي ضد الصين

شهدت هونج كونج خلال العام الماضي موجات متجددة من الاحتجاجات بدأت برفض مشروع قانون ينص على ترحيل مواطني هونج كونج لمحاكمتهم في الصين، ثم اتسعت مطالب المتظاهرين من مجرد إلغاء مشروع القانون لتشمل قائمة أوسع من مطالب الإصلاح الديمقراطي، وإزاحة زعيمة هونج كونج “كاري لام” المدعومة من بكين.

وعلى الرغم من الموجات المتجددة من الاحتجاجات في هونج كونج خلال عام 2019، إلا أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عمد إلى تبني لغة هادئة وسياسة مهادنة مع الصين فيما يتعلق بهونج كونج، في مقابل اتجاهه للتصعيد في ملفات أخرى مثل الحرب التجارية. 

ثم اتجه في أعقاب ذلك خلال نوفمبر 2019 إلى تبني مشروع قانون يدعم المحتجين في هونج كونج، الأمر الذي فسرته أغلب التحليلات إلى الضغوط التي مارسها أعضاء الكونجرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء.

قانون مثير للجدل

يمكن القول بشكل عام، أنه وفقًا للنظام الأساسي لهونج كونج؛ فهى  تتمتع بوضع خاص يستند إلى مبدأ “دولة واحدة ونظامين”، ما يعني أنها تتمتع بدرجة متقدمة من الإدارة الذاتية، باستثناء ما يتعلق بالدفاع والشؤون الخارجية. واستنادًا إلى ذلك، اتجهت بكين إلى تبني قانونًا جديدًا للأمن القومي في هونج كونج.

فقد وافق البرلمان الصيني بأغلبية كاسحة على فرض قانون للأمن القومي في هونج كونج. حيث تم إعداده كاستجابة لموجة الاحتجاجات التي شهدتها هونج كونج العام الماضي. ووفقًا للرواية الصينية، يهدف القانون إلى التصدي للميول الانفصالية والتآمر والإرهاب والتدخل الأجنبي في هونج كونج.


وكرد فعل على القانون الجديد اندلعت الاحتجاجات مجددًا في هونج كونج، كما شهدت انتشار أمني كثيف في محيط البرلمان، وتوقيف مئات الأشخاص، واعتبرت “كلاوديا مو” النائبة المؤيدة للديمقراطية في المجلس التشريعي لهونج كونج، في تعليق لها بوكالة فرانس برس، “إنها نهاية هونج كونج”، مضيفة أنه “اعتبارًا من الآن ستصبح هونج كونج مدينة صينية كغيرها”. ورأى أحد رموز المعارضة “جوشوا وونج” أن هذا القانون “سيقضي على الحركات الديمقراطية” في هونج كونج.

وفي المقابل، رحبت رئيسة السلطة التنفيذية “كاري لام” بتصويت البرلمان الصيني ووعدت بالالتزام بما ورد في النص بـ”تعزيز تطبيق القانون والتعليم دفاعًا عن الأمن القومي”. ومن جانبه، أكد النائب المؤيد لبكين “مارتن لياو” أن القانون “لن يمس بالحقوق والحريات التي يتمتع بها سكان هونج كونج”.

تصعيد متوقع

في أعقاب تصويت البرلمان الصيني على قانون الأمن القومي في هونج كونج، اتجه ترامب إلى إدخال قضية هونج كونج إلى ساحة التصعيد بين واشنطن وطهران.  أتضح ذلك في التصريحات التي أطلقها الرئيس ترامب في البيت الأبيض في 29 مايو الجاري، إذ وجه إدارته إلى إلغاء الإعفاءات الممنوحة لهونج كونج. مشيرًا إلى أن الخارجية الأمريكية ستعمل على مراجعة سياسات السفر إلى هونج كونج. مضيفًا أنه سيوعز بدراسة الإجراءات المختلفة التي تتخذها الشركات الصينية المدرجة ضمن سوق الأسهم الأمريكية. معتبرًا تحرك الصين الأخير بمثابة “مأساة لشعب هونج كونج والصين والعالم”.

وفي السياق ذاته، شدد ترامب على فرض عقوبات على مسؤولين في هونج كونج. كما قال “سأصدر توجيهًا لحماية جامعاتنا ومختبراتنا من سرقة المعلومات ومنع دخول أشخاص من الصين يهددون مصالحنا”. لافتًا إلى أن “الصين تجسست على الولايات المتحدة طوال سنوات لسرقة اختراعاتها”. مؤكدًا أن تغطية الصين على ما وصفه بـ”فيروس ووهان”، تسبب في جائحة عالمية. ومن ثم، أعلن إنهاء علاقة الولايات المتحدة بمنظمة الصحة العالمية. معتبرًا أن “الصين تتحكم بمنظمة الصحة العالمية”. وكذا أشار إلى ادعاء الصين بملكيتها للعديد من المناطق في بحر الصين الجنوبي”.

وتعليقًا على ذلك، أعتبر وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” أن السياسة الصينية لم تعطي هونج كونج “قدرًا كبيرًا من الحكم الذاتي” كما كان مقررًا وفقًا للاتفاقية الصينية البريطانية الموقعة إبان إعادة هونج كونج إلى الصين عام 1997. بعبارة أخرى، فإن هونج كونج لم تعد تتمتع بقدر كافٍ من الاستقلال الذاتي عن بكين بطريقة تجعلها جديرة بمعاملة تجارية خاصة، ومن ثم فقد تخضع هونج كونج لنفس الرسوم التي فرضها ترامب على الصادرات الصينية.

وكان البيت الأبيض قد نبه في 26 مايو الجاري إلى أن هونج كونج قد تخسر موقعها كمركز مالي دولي إذا فرضت بكين قانونها للأمن القومي المثير للجدل، ويأتي ذلك في إطار سياسة إدارة ترامب التي فرضت رسومًا جمركية حادة على الكثير من البضائع الصينية منذ عام 2017، بالتوازي مع التعامل مع هونج كونج بشكل منفصل عن الاقتصاد المدار مركزيًا عبر بكين.

وعلى المستوى الخارجي، قادت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واستراليا حملة ضد قانون الأمن القومي الذي أصدرته بكين بشأن هونج كونج، واعتبرت هذه الدول هذا القانون محاولة صينية لإسكات المعارضة وتقييد الحريات. كما اتهمت الدول الأربعة بكين – خلال مناقشة غير رسمية في مجلس الأمن الدولي – بانتهاك التزاماتها، وعبروا عن “قلقهم العميق” حيال هذا القانون بوصفه “سيحد من حريات الشعب، وسيُضعف بشكل دراماتيكي الاستقلالية والنظام اللذين جعلا هذه المنطقة مزدهرة إلى هذا الحد”. واعتبروا أن “إعادة بناء الثقة داخل مجتمع هونج كونج، والسماح للشعب بالتمتع بالحقوق والحريات التي وعد بها، ستكون السبيل الوحيد للخروج من الاضطرابات التي شهدتها المنطقة العام الماضي”. كما حثت الولايات المتحدة وحلفاؤها الصين على العمل مع حكومة هونج كونج وشعبها لإيجاد “تسوية مقبولة من الطرفين”.

أسباب اتجاه ترامب للتصعيد

يمكن القول بشكل عام، أن سياسة ترامب تجاه هونج كونج شهدت حالة من التباين، فقد عمد إلى تبني نبرة “هادئة” خلال العام الماضي لعددٍ من الأسباب، أبرزها، ارتكان ترامب إلى سياسة براجماتية مصلحية لا تكترث كثيرًا بمسائل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. إضافة إلى استخدام هونج كونج ككارت مسكوت عنه للمقايضة على الاتفاق التجاري. بجانب رغبته في ترك بعض القنوات مفتوحة مع بكين، لاسيما وأن الصين لا تتهاون في الأمور المتعلقة بالقضايا الداخلية. 

وعلى الرغم من هذه النبرة “الهادئة”، إلا أن اتجاهه نحو التصعيد في هذه القضية كان متوقعًا لعدد من الأسباب:

  • اتساع حدة ونطاق الخلافات الأمريكية الصينية.
  • غلق الباب أمام الصين لاستغلال انشغال العالم بجائحة كورونا.
  • التسبب الصيني في انتشار جائحة كورونا، مع محاولتها استغلال الجائحة سياسيًا.
  • استمرار الملفات الخلافية العالقة كالخلافات التجارية وتكنولوجيا الجيل الخامس.
  • تضييق الخناق الدولي على الصين عبر استغلال ملف هونج كونج الذي تدعمه دول عديدة.
  • العمل على شيطنة صورة الصين في أكثر من قضية لتسهيل عقابها على تفشي جائحة كورونا.
  • العمل على إبراز قضية ذات توافق داخلي لتحويل انتباه الشارع الأمريكي عن الإخفاقات المرتبطة بإدارة أزمة كورونا.
  • محاولة خلق مشكلة خارجية لتجاوز الأزمات الداخلية كغلق مواقع التواصل الاجتماعي، والاحتجاجات التي اندلعت فور مقتل “جورج فلويد”.

ختامًا، يُمكن أن نخلُص إلى استنتاج عام مفاده أن دخول قضية هونج كونج إلى ساحة التصعيد بين واشنطن وبكين ستضع بلا شك العلاقات بينهما على محك جديد، وستفرض قدرًا من الخصومة الواضحة بين واشنطن وبكين التي قد تتطلب من الدول الأخرى إعلان ميلها الصريح لأحد الطرفين. 

وارتباطًا بذلك، لا يمكن إغفال النبرة المنضبطة والسياسة المتعقلة التي لطالما تعمد بكين إلى تبنيها، لكن وصول التصعيد الأمريكي إلى ملف هونج كونج الذي يحمل قدرًا عاليًا من الحساسية بالنسبة لبكين، قد يدفعها إلى اتباع سياسة أكثر تشددًا. إلا أن اعتبار الزج بهذه القضية بمثابة كارت لدى الإدارة الأمريكية يعني أنها ستوظفها بذكاء لا ينجم عنه تصعيد غير محسوب من الطرف الآخر. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى