دول المغرب العربي

بين “النهضة” والمحور التركي.. هل تنتقل تونس من “البؤس السياسي” إلى دولة “الرئيس الواحد”؟

الخلاف والشقاق بات هو المسيطر على المشهد السياسي التونسي، ويمكن اعتبار حركة النهضة هي العنصر المشترك الفاعل في كل أوجه الشقاق في السياسة التونسية، وأحيانًا هي مصدر ذلك الخلاف ومنبعه، في ظل إصرار الحركة على خرق تقاليد السياسية التونسية عبر إقحام البلاد في دعم المشروع التركي في ليبيا، مما وضعها في مواجهة مباشرة مع الرئاسة والكتل السياسية المتحالفة معها ومع كبار قادتها ورموزها.

تحركات الغنوشي المريبة تستدعي سحب الثقة

تتواصل شبكة الاتصالات المثيرة للريبة التي يقوم بها رئيس حركة النهضة ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي التي تضع علامات استفهام كبيرة حول مساعي الغنوشي من ورائها، ويتخطى بها دوره المنوط به كرئيس للبرلمان، وآخر هذه التحركات هي اتصاله يوم 19 مايو برئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فايز السراج لتناول مستجدات الوضع في ليبيا، وقدّم خلاله الغنوشي تهانيه للسراج على سيطرة الميلشيات التابعة لحكومته على قاعدة الوطية العسكرية.

أحزاب تدين الاتصال الهاتفي بين الغنوشي والسراج وتدعو سعيّد إلى التدخل

جاء هذا الاتصال الأخير ليؤكد بشكل ما الاتهامات التي وُجهت إلى الغنوشي بتعدي سلطاته كرئيس للبرلمان، وعمله على إقحام تونس ضمن المحور التركي وإعلان دعمها لمشروع تركيا الاستعماري للغرب الليبي. وذلك بعد زيارة رئيس حركة النهضة الإخوانية إلى تركيا للقاء رئيسها رجب طيب أردوغان في شهر يناير الماضي، وكذلك تلقيه اتصالًا هاتفيًا من أردوغان في 25 أبريل الماضي بحثا خلاله “سبل التعاون بين البلدين في مكافحة فيروس كورونا والعلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية” حسبما أوضحت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية.

اتصال فتح باب الانتقادات على مصراعيه من قبل الكتل السياسية والنيابية المدنية، ثم جاء الاتصال الهاتفي الذي أجراه راشد الغنوشي مع رئيس مجلس الدولة في طرابلس الإخواني خالد المشري يوم 4 مايو بحثا خلاله -حسب بيان المجلس- الأوضاع الاقتصادية والصحية في ظل الآثار المترتبة على جائحة كورونا، والتأكيد على ضرورة تفعيل المؤسسات المغاربية بما يخدم شعوب المنطقة. وهو الاتصال الثاني بين الطرفين في غضون نحو أسبوعين إذ سبقه اتصال في 15 أبريل الماضي جاء على إثر تصريحات وزير الدفاع التونسي عماد الحزقي التي أطلق فيها وصف “ميلشيات” على القوات الموجودة في طرابلس.

وردًا على هذه التحركات المريبة طالب الحزب الدستوري الحر برئاسة عبير موسى بعقد جلسة عامة لمساءلة الغنوشي على هذه الاتصالات. وطالبت عبير موسى بسحب الثقة من رئيس البرلمان، واصفة إياه بأن خطر على الأمن القومي للبلاد، وأن سحب الثقة منه واجب وطني، مشيرة إلى أن زيارات الغنوشي المتكررة إلى تركيا تُعدُّ خرقًا لقانون مجلس النواب وهو ما يستوجب مساءلته والمطالبة بسحب الثقة منه. وأصدرت أربع كتل في البرلمان وهي “قلب تونس” و”الإصلاح” و”تحيا تونس” و”المستقبل”، بيانًا يوم 21 مايو يدين خطوات الغنوشي، معربة عن رفضها لإقحام تونس في صراعات المحاور الإقليمية والذي يتناقض مع المواقف الرسمية للدولة التونسية.

الرئاسة في مواجهة البرلمان

تحركات الغنوشي لم تثر استياء الكتل المدنية بالبرلمان التونسي فحسب، بل يمكن القول إنها قضّت مضجع الرئيس التونسي قيس سعيّد باعتبارها إقحام من قبل الغنوشي لنفسه في أحد الأمور التي تُعد من صلب اختصاصات الرئيس التونسي وهو السياسة الخارجية للدولة، وعلى إثر ذلك وجّه سعيّد انتقادات مباشرة للبرلمان، وتعمّد تغييب الغنوشي عن اجتماع تشاوري عقده يوم 30 أبريل الماضي حول الأزمة الليبية حضره كل من رئيس الحكومة ووزيرة العدل ووزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الخارجية، ويرى مراقبون أن سعيّد تعمّد عدم عقد هذا الاجتماع ضمن اجتماعات مجلس الأمن القومي ليضمن عدم حضور الغنوشي الذي يشغل منصب عضو مجلس الأمن القومي بصفته رئيس مجلس نواب الشعب. وهو ما علّق عليه عضو مجلس نواب الشعب عن حركة النهضة سيد الفرجاني بأنه “رسالة من الرئيس التونسي بإبعاد الغنوشي وهو أمر غير مقبول ويمكن نقده من الناحية السياسية”.

“البؤس السياسي” كان هو توصيف الرئيس التونسي قيس سعيّد للوضع السياسي في البلاد، قائلًا “البؤس الذي نعيشه اليوم لا يوازيه إلا البؤس السياسي، لكن سنقضي في نفس الوقت على البؤس الاجتماعي والبؤس السياسي الذي نعيشه”، ولم يكتفِ سعيّد بذلك، بل وجّه انتقادًا مباشرًا إلى أداء البرلمان –تسيطر عليه النهضة بأغلبية غير مطلقة- “الذي تتغير فيه التحالفات بين لحظة وأخرى بين بعض الأطراف”. و”لو كان النائب مسؤولا أمام ناخبيه، وكان بإمكان الناخبين سحب الثقة منه، لما كانوا (كتل في البرلمان) في حاجة إلى الخرق الجسيم الذي يجسد مرضا سياسيا ودستوريا”.

سعيد ردا على النهضة: لتونس رئيس واحد في الداخل والخارج

ولم يكتفِ سعيّد بذلك، بل وجه رسالة يمكن وصفها بالمباشرة إلى راشد الغنوشي بالتأكيد على أن تونس لها رئيس واحد، مشددًا في خطاب له يوم 23 مايو على أن
“الدولة التونسية واحدة.. ولها رئيس واحد في الداخل والخارج”، مضيفًا “هناك من يريد العيش في الفوضى.. فوضى الشارع وفوضى المفاهيم ولكن للدولة مؤسساتها وقوانينها.. الدولة ليست صفقات تبرم في الصباح وفي المساء.”.

إلا أن جهودًا تجري في الكواليس لرأب الصدع بين سعيّد والغنوشي، ولكن يمكن القول إنها لا تنجح في الوصول إلا لبعض اللقاءات التي يُهدف من ورائها إلى التسويق الإعلامي بعدم وجود خلافات بين الرجلين، ومثل ذلك اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان يوم 29 مايو، وروّج له البرلمان في بيان رسمي بأنه “أثبت زيف ما تروّجه بعض الأطراف المشبوهة من صراع داخل الدولة وبين مؤسّساتها، وأنّ الاختلاف في وجهات النظر ممكن في إطار احترام الدستور ومبدأ وحدة الدولة في خياراتها وتوجّهاتها الكبرى”.

تصدعات في أحلاف “النهضة” وبيتها الداخلي

بصفتها الكتلة الأكثر قُربًا وتحالفًا مع حركة النهضة، كانت الاستقالات التي ضربت كتلة “قلب تونس” داخل البرلمان مؤشرًا خطيرًا بالنسبة لحركة النهضة، فعدد نواب “قلب تونس” آخذ في الانخفاض إثر الاستقالات المتوالية التي يقدمها نوابها، وآخرها استقالة القياديين زهير مخلوف ومحمد مراد الحمزاوي في 14 مايو، وبذلك انخفض عدد نواب كتلة “قلب تونس” من 38 نائبًا في بداية انعقاد البرلمان إلى 27 نائبًا فقط.

وذلك نتيجة لتحالف الحزب مع حركة النهضة داخل أروقة البرلمان، بدءًا من الاتفاق على اختيار راشد الغنوشي رئيسًا للبرلمان، وهو ما عدّه النواب المستقيلون انحرافًا عن المبادئ التي تأسس عليها الحزب وتخليًا عن “ضوابط العلاقة السياسية التي تربطهم بالآخرين وخاصة الحزب الفائز الأول في الانتخابات” حسب ما جاء في نص استقالة النائب زهير مخلوف.

وسعيًا لوقف هذا التآكل في صفوف الحزب حليف “النهضة” قدّم “قلب تونس” مبادرة تشريعية بدعم من حركة النهضة لمنع “السياحة الحزبية” وإلزام كل نائب بالبقاء الوجوبي داخل الكتلة التي ترشح عنها للمجلس. وقد وصف الرئيس التونسي هذه السياحة بأنها “مرض سياسي ودستوري أخطر من وباء كورونا الذي ضرب كل دول العالم”.

استقالة هؤلاء النواب وسعيهم لتشكيل كتل جديدة داخل البرلمان تقوض من مساعي النهضة للسيطرة على القرار التشريعي داخل المجلس، إذ كان باستطاعتها تمرير ما تشاء من قرارات من خلال تحالفها مع بعض الكتل، وعلى رأسها، كتلة “قلب تونس” التي كانت تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد المقاعد في البرلمان، كما أن هؤلاء المستقيلين يمكنهم التحالف مع الكتل المناوئة للنهضة وعلى رأسها الحزب الدستوري الحر، لتشكل مجتمعة حجر عثرة أمام مشاريع النهضة، فضلًا عن إمكانية جمع التوقيعات اللازمة على العريضة التي قدّمها الحزب الدستوري الحر لسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي.

عبدالفتاح مورو المرشح لرئاسة تونس: برنامجي يتجاوز الخلافات وليس ...

أزمات حركة النهضة لم تقف عند هذا الحد، بل طالت التصدعات والشقوق بيتها الداخلي، وقد بدأت ملامحها في الظهور مع إصدار الغنوشي قرارًا في 11 مايو بحل المكتب التنفيذي للحركة. وهو القرار الذي وصفه مراقبون بأنه جاء بعد أن زادت حدة الخلافات داخل الحركة، وسعي الغنوشي إلى تقديم قائمة أسماء جديدة لتشغل المكتب التنفيذي، مع قُرب التحضير للمؤتمر الحادي عشر للحركة. وقد بررت الحركة في بيان رسمي هذا القرار بأن الغنوشي “يعتزم إدخال تعديلات في تركيبة المكتب استجابة لمتطلبات واستحقاقات المرحلة”.

بيد أن كل هذه الملامح باتت يقينية مع إعلان نائب رئيس حركة النهضة والمرشح الرئاسي في الانتخابات الماضية عبد الفتاح مورو استقالته من الحركة في 26 مايو، وهي الاستقالة التي عُدّت توطئة لسلسلة من الاستقالات ستضرب الحركة في أحد أشد أوقاتها ضعفًا، مع ازدياد المقاومة ضدها على كافة المستويات.

إجمالًا، يمكن القول إن تطبيق حركة النهضة بزعامة الغنوشي لمخططاتها الداعمة للمحور التركي في ليبيا لن يكون سهلًا، وسيلقى معارضة ومقاومة، سواء من الكتل المناوئة للنهضة، أو من الرئيس التونسي إن قرر –حقًا- التصدي للتحركات والتصرفات التي تنازعه في الحكم وتقتص من صلاحياته، فضلًا عن الانقسام الواضح داخل الحركة والذي قد يصرف اهتمام قياداتها نسبيًا إلى ترتيب البيت الداخلي أولًا.

ويُضاف إلى ذلك الرفض الشعبي الواضح لكل ما تدعو إليه “النهضة” ولمشروعها التركي، بدليل بيان الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أصدره يوم 31 مايو وأكد فيه إنه سيتصدى بكل الأشكال لمحاولات استخدام الأراضي التونسية منطلقا للتدخلات الأجنبية في ليبيا، وأنه على استعداد لتسخير كلّ قواه وكافّة أشكال الضغط لمنع جرّ تونس إلى مستنقع المحاور. هذا بجانب ضيق المواطنين بحالة الانقسام المشهودة حاليًا في السياسة التونسية، والتي تجعل الكتل السياسية مهتمة بخلافاتها متناسية الأعباء الاقتصادية التي زيدت على كاهلهم جراء انتشار فيروس كورونا المستجد، وهو رفض ظهر في المظاهرات التي شهدتها البلاد يوم الخميس 28 مايو في عدد من المدن، مطالبة بالتنمية ومحتجة على التهميش وغياب البنية التحتية والمشاريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى