مكافحة الإرهاب

“أبو حمزة القرشي” وملامح خطوات “داعش” القادمة

نشرت مؤسسة “الفرقان” الجناح الإعلامي التابع لتنظيم “داعش الإرهابي” في الـثامن والعشرين من مايو الجاري مقطعا صوتيا مدته حوالي 40 دقيقة للمتحدث باسم التنظيم “أبو حمزة القرشي”، تحت عنوان “وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار”. ويعد هذا هو الظهور الثالث للقرشي منذ تأكيده مقتل “أبي بكر البغدادي” (زعيم التنظيم السابق)، وإعلان اسم قائد التنظيم الجديد “أبي إبراهيم الهاشمي القرشي”. 

ويستعرض البيان ملامح حول خطوات التنظيم القادمة في وقت تصاعد فيه نشاط تنظيم “داعش” في مختلف ولايته، ما يثير عددا من الملاحظات الأولية، نوردها فيما يلي: 

الملاحظة الأولى: تتعلق بكيفية تعامل التنظيم مع فيروس “كورونا”، فخلال البيان عمل التنظيم على تصوير الفيروس على أنه “انتقام من الله” لحصار عناصر التنظيم في “سرت والباغوز والموصل”. وقد أظهر التنظيم الابتهاج والشماتة بتفشي كورونا في الغرب، وعجز الأخير عن الوصول إلى مصل بالرغم من كل التقدم التكنولوجي، وأكد البيان على التداعيات الاقتصادية السلبية التي أصابت الغرب جراء تفشي الفيروس.

وربط البيان بين تمويل الأخير العمليات العسكرية ضد التنظيم، وبين العقاب الإلهي المتمثل في إنهاك اقتصاد الدول الغربية جراء تفشي الفيروس.

تجدر الإشارة إلى أن ما جاء في البيان ما هو إلا امتداد لمنطق “داعش” في التعامل مع “كورونا”، فمنذ أن تم الاعلان عن انتشار الفيروس في العالم بنهاية شهر يناير الماضي، أعلن في العدد (223) لصحيفة النبأ الإلكترونية التابعة له، أن فيروس “كورونا” جاء كغضب إلهي ضد المجتمعات الجاهلية. 

 ومع انتشار الفيروس بشكل واسع أصدر التنظيم ما أطلق عليه “توجهات شرعية للتعامل مع الأوبئة “، حيث تضمن العدد (225) من صحيفة النبأ توجيهات لعناصر ومقاتلي التنظيم للحماية من الفيروس. كما دعا التنظيم في العدد (226) من نفس الصحيفة إلى استغلال انشغال الدول الأوروبية بمكافحة الفيروس، وتوجيه ضربات إرهابية ضدها. وهو ما يمكن أن نفهم منه أن التنظيم ربما قد نجح في توظيف جائحة كورونا العالمية ليعزز نشاطه في عدد من المناطق، مستغلا ضغط الأزمة على الدول.

الملاحظة الثانية: تتعلق بالوضع في العراق، حيث هدد التنظيم حكومة “مصطفى الكاظمي” في العراق متوعدا “بمواجهة مفتوحة” بعد انسحاب القوات الأمريكية. كذا تفاخر البيان بعمليات التنظيم الأخيرة في العراق، إذ أن هجمات التنظيم خلال شهر رمضان هناك بلغت الأعلى منذ عام تقريبا. وقُدرت تلك الهجمات بحوالي 226 هجمة في الفترة من 1 إلى 27 رمضان وذلك طبقًا لبيانات صادرة عن التنظيم.

غير أن البيان تجاهل الخسائر التي مُني بها التنظيم في الأيام الماضية، حيث قُتل ثلاثة من كبار قيادات “داعش” هم: “حجي تيسير”(والي العراق)، و”أحمد إسماعيل الزاوي”(المسؤول عن شمالي بغداد)، و”أحمد عبدو محمد حسن الجغيفي” (المسؤول عن العمليات اللوجستية). كذلك ألقت قوات الأمن العراقي القبض على “عبد الناصر قرداش”(رئيس اللجنة المفوضة). وقد اكتفى البيان بوصف تلك التحركات من قبل الحكومة العراقية بـ “الدعاية الموهومة”.

تجدر الإشارة إلى أن “داعش” في إطار تعامله مع خسائره ينطلق من قناعة مفادها “أنها معركة وليست حربا”، إذ يصف تراجعه باعتباره مرحلة مؤقتة في الطريق الطويل للنصر. وقد كشفت التطورات الميدانية عن سرعة تكيفه، وتأقلمه مع الإجراءات التي تتخذها الدول ضده، ما يشير إلى تمتعه بالمرونة والديناميكية على الصعيدين العملياتي والتكتيكي.

الملاحظة الثالثة:  تشير إلى الصراع بين “داعش” و “القاعدة”، ولا سيما في منطقة غرب أفريقيا، إذ يكشف البيان عن أن “ولاية غرب إفريقيا” قررت “تأجيل” المواجهة مع القاعدة هناك، إلا أن “مرتدي القاعدة” بادروا إلى قتال “داعش” “نيابة” عن دول وحكومات المنطقة خاصة مالي، والنيجر، وبوركينافاسو، والجزائر، كما أبدوا الرغبة بالتفاوض مع هذه الحكومات، وذلك في إشارة إلى  البيان الذي نشرته “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم “القاعدة” في مارس الماضي  توافق فيه على مفاوضات اقترحتها حكومة مالي شريطة أن تطلب الحكومة من القوات الفرنسية الانسحاب من البلاد.

وقد كانت السمة الرئيسية للعلاقة بين تنظيمي “داعش” و”القاعدة” في منطقة الساحل خلال حقبة “البغدادي” (القائد السابق لتنظيم “داعش”) هي “التعايش المشترك”؛ لكن مع وصول “أبي إبراهيم الهاشمي القرشي” (القائد الجديد لداعش) تغيّرت استراتيجية “التعايش المشترك”، وتحولت إلى استراتيجية  “الصراع”. وأصبح “داعش “في منطقة الساحل والصحراء أكثر نشاطا في الأشهر الأخيرة، مستهدفا التمدد في المعاقل التقليدية لتنظيم “القاعدة”، الذي يقف أمام مواجهةٍ حتميةٍ مع “داعش”. 

الملاحظة الرابعة: تتعلق بالدواعش السجناء، فقد عانى التنظيم نقصا كبيرا في أعداد مقاتليه بعد اعتقال الآلاف منهم خلال العمليات التي استهدفت التنظيم في العراق وسوريا. إذ يوجد الآلاف من عناصره في سجون العراق ومناطق سيطرة المقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا، كما تأوي المخيمات أيضًا عشرات الآلاف من أفراد عائلات الإرهابيين، السوريين والعراقيين والأجانب. في هذا الإطار، طالب البيان عناصر التنظيم القابعة في السجون بالصبر والثبات. 

وقد سبق أن طالب “القرشي” أنصار التنظيم في يناير الماضي، بتحرير العناصر الموجودة في السجون، وسبقه البغدادي في خطابة الأخير، وحرض بشكل مباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق.

 يذكر أن استراتيجية  “الاستنفار المستمر” التي اتبعها “داعش” مؤخرا، وتعني استنفار قوات الأمن في كل وقتٍ ومكانٍ عن طريق الضغط عليها بعملياتٍ متعددةٍ مهما كانت بسيطة.  قد تكون مقدمة لانتقال التنظيم إلى استراتيجية “هدم الأسوار” التي سبق أن اتبعها في مهاجمة السجون والمعتقلات التي تضم عناصر “داعش” في العراق وسوريا.

الملاحظة الخامسة: تتناول ما يسمى بـ “غزوة الاستنزاف”، فخلال البيان نقل القرشي “سلامًا” من الخليفة الجديد “أبي إبراهيم الهاشمي القرشي” و “تبريكًا” لـ”غزوة الاستنزاف” التي انطلقت في رمضان.  فقد أطلق التنظيم في الفترة من 14 مايو الي 24 مايو سلسلة من العمليات تحت العنوان “غزوة الاستنزاف”، تم من خلالها تنفيذ ما يزيد عن (228) عملية، جاء معظمها في العراق وفي سوريا وبعضها في ولايات أخرى. 

وتأتي عمليات “غزوة الاستنزاف” في توقيت يشهد على تطور القدرات العملياتية لتنظيم “داعش” ولا سيما في  الساحة العراقية.  وذلك بخلاف موجات العمليات الثلاث السابقة التي تم تنفيذها خلال عام 2019 إبان الأزمة التي ألمت بالتنظيم نتيجة الضربات التي تلقاها؛ إذ أن موجتي العمليات التي تم تنفيذها خلال شهري أبريل- أغسطس2019، جاءت مع سقوط آخر معقل للتنظيم في الباغوز، أما موجة العمليات الثالثة التي سميت “بغزوة الثأر لمقتل الشيخين”، جاءت في أعقاب مقتل “أبو بكر البغدادي” (زعيم التنظيم السابق)، ومقتل “أبو حسن المهاجر” (المتحدث الرسمي  السابق للتنظيم ).

الملاحظة السادسة: تنصرف إلى تهديد “داعش” لتركيا وقطر، إذ وجه البيان تهديدًا لتركيا وقطر، واصفًا حكامهما بالطواغيت. وشن هجوما ضد الدوحة على وجه الخصوص، متهما إياها بتقديم الدعم للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، عبر قاعدة “العديد” الأمريكية الموجودة على أراضيها. كما اتهم البيان الدوحة بـ”تمويل” فصائل مسلحة تحارب التنظيم  في سوريا والعراق.

و جادل عديد من الخبراء بأن تهديد “داعش” لتركيا وقطر ما هو إلا مناورة من للتنصل من دعم الإرهاب، ولا سيما وأن البيان يأتي قبل أيام من ذكرى مرور 3 أعوام على قيام الدول الداعية لمكافحة الإرهاب في 5 يونيو 2017 بمقاطعة قطر لدعمها الإرهاب. كذلك يأتي البيان في وقت تزايدت فيه الأدلة التي تؤكد دعم التحالف التركي القطري للإرهاب بشكل عام ولتنظيم “داعش” بشكل خاص.

الملاحظة السابعة :  تشير إلى استغلال “داعش” للأزمات، فقد جاء في البيان أن العالم “مقبل على أمور عظيمة” وأن الدول الإسلامية ستشهد في الفترة المقبلة “تحوّلات كبرى”، و”فرص أعظم” مما شهده التنظيم وأنصاره قبل عقد من الزمان. فكما تتوقع بعض الاتجاهات بأن هناك تغيرات كبري سوف يشهدها العالم في أعقاب تفشى فيروس “كورونا”، فالتنظيم هو الأخر يستشرف تلك التحولات، ويستعد للتعامل مع المعطيات الجديدة التي سوف تنتج عنها.

وبدراسة تاريخ “داعش” وتتبع نشاطه، نجد أنه منذ نشأته يعمل على توظيف الأزمات والاستثمار فيها، بداية من لعبه على وتر الانقسام السياسي، والمظالم الطائفية، والاقتصادية، مرورًا باستغلاله حالة الفوضى المصاحبة للثورات العربية، وصولًا إلى توظيف انشغال البلدان بمكافحة فيروس “كورونا” لتعزيز نشاطه، بعبارة أخري يمكن القول إن “البراجماتية” هي المحرك الرئيسي للتنظيم.

مجمل القول، 

سعى “داعش” من خلال البيان إلى إيضاح مسار عمله في المرحلة القادمة من خلال التركيز على تعزيز نشاطه في العراق، وفتح جبهة قتال جديدة مع تنظيم ” القاعدة” في غرب أفريقيا. كذلك العمل على تعظيم فرص صعود التنظيم بالتزامن مع التغيرات التي قد يشهدها العالم في الفترة القادمة، ما يُنذر بأن “داعش” يعيد ترتيب أوراقه استعدادا لما هو قادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى