إسرائيل

إسرائيل والحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة

قطع وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” عزلته داخل الولايات المتحدة، وتوجه في أول زيارة خارجية له بعد تفجر أزمة فيروس كورونا المستجد إلى إسرائيل (13 مايو 2020). لم تحمل الزيارة أجندة خاصة لمناقشة قرار إسرائيل بضم غور الأردن أو التنسيق بشأن الوجود الإيراني في سوريا، ولكن جاء بومبيو أيضًا ليعبر عن قلق الولايات المتحدة من التقارب الصيني الإسرائيلي “الذي يعرض الإسرائيليين إلى الخطر” حسب تعبيره. ولم يكتف بومبيو بإبداء قلقه إلى الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل شاء أن يجعل من خطابه في إسرائيل منصة انطلاق يخاطب بها دول المنطقة التي تعتزم أي تقارب مع الصين. كانت نتيجة هذا الخطاب أن سحبت حكومة نتانياهو في 26 مايو الجاري مناقصة إقامة مشروع تحلية مياه في إسرائيل من الشركة الصينية “هتشسون”.

يتسق خطاب بومبيو في إسرائيل مع التوتر الصاعد بقوة بين الولايات المتحدة وخصمها الاستراتيجي الصين. يدفعه القلق الأمريكي بشأن الأدوات والمشاريع الاقتصادية التي ترغب بكين في تحويلها إلى قوة دفع تبلغ بها الصين مصاف القوة العظمى. لذا بدأت الولايات المتحدة في سياسة تسترعي بها الحفاظ على الأمن القومي لركائزها الاستراتيجية، ومنها إسرائيل. إذ خاطب البيت الأبيض الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتانياهو (2019) بضرورة تقييد حجم الاستثمارات الصينية في إسرائيل؛ كونها مؤشر خطر يهدد تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل.

في حين لا تقف جميع الأروقة الحكومية في إسرائيل على موقف واحد أمام ملف الاستثمارات الصينية المباشرة؛ لعاملين اثنين؛ الأول هو لعدم الاقتناع بالاعتبارات التي تقدمها الولايات المتحدة للدفاع عن موقفها، مما دفع بعض المؤسسات الإسرائيلية لتسمية الموقف الأمريكي بـ “الرهاب من الصين”. الثاني هو أن الصين تقدم حزمًا استثمارية ضخمة دون أن تقدم إسرائيل أي تنازلات سياسية مقابلة مثل تسوية القضية الفلسطينية عكس الموقف الأوروبي، أو الموقف الديموقراطي التقدمي في الولايات المتحدة.

ماذا تقدم الصين لإسرائيل؟

تواجه إسرائيل منذ الاستفاقة من الأزمة المالية العالمية الثانية سطوة النقابات العمالية على قرارات الحكومة بداعي حرص النقابات على تأمين معيشة أعضائها وعدم التعرض لأزمات مالية أخرى، مما تسبب في ارتفاع الأجور والمعاشات والتأمينات فنتج عنه ارتفاع تكلفة الإنشاء في إسرائيل. لذا رأت الحكومة الإسرائيلية في المقاولات الصينية التكلفة المثالية للفرصة البديلة عن العمالة الإسرائيلية.

كانت النتيجة ارتفاع حجم السيطرة الصينية على مناقصات المشروعات التنموية الإسرائيلية مثل حفر الأنفاق وإقامة السكك الحديدية والمرافئ والموانئ. كما عُدت الصين ثالث أكبر شريك تجاري لإسرائيل، ونمت التجارة المتبادلة إلى 402% في العقد الماضي بلغت ما يقرب من 14 مليار دولار أمريكي في 2018. واشترت بكين ممثلة في شركتها “ذا برايت فود” 56% من الشركة المحتكرة للغذاء في إسرائيل وهي “تنوفاه”، وتخطط لشراء أكبر نسبة من الشركة المحتكرة للمياه في إسرائيل “مكوروت”. فنجحت الصين في السيطرة على 15% من الاقتصاد الإسرائيلي.

كما تفضل إسرائيل السائح الصيني الذي تعتبره الأكثر سخاء، إذ استقبلت 100 ألف سائح صيني في أعوام 2017 و2018، وتعتزم مضاعفة هذا الرقم بنسبة 150%، يتخطى الأمر أن الجامعات الصينية توفر للسياحة الإسرائيلية طلابًا سائحين قادمين من دول لا تجمعها بإسرائيل علاقات دبلوماسية أو اعتراف دولي مثل إندونيسيا (36 ألف سائح في 2017) وماليزيا (10 آلاف سائح في 2017)، وهو ما يمنح إسرائيل بناء صورة ذهنية إيجابية لدى هذه الشعوب. 

كما تقدمت شركة هتشسون التابعة للحكومة الصينية في 2017 بمناقصة تمنحها حقوق إقامة مشروع تحلية مياه هو الأضخم في إسرائيل. ثم تقدمت شركة شنغهاي للمرافئ التابعة أيضا للحكومة الصينية بأحقية احتكار إدارة ميناء في حيفا لـ 25 عامًا قادمة تبدأ من عام 2021. وهناك اهتمام صيني باحتكار ميناء آخر في أسدود.

جميع ما سبق يقع في مدركات صانع القرار الإسرائيلي بصور إيجابية مثمرة للوضع الجيوسياسي لإسرائيل في المنطقة التي ترغب باندماج كامل فيها، ويتقاطع تمامًا مع الرغبة المشتركة بين الصين وإسرائيل بوضع الأخيرة على خريطة مشروع الحزام والطريق الصيني، مما يمهد لربط السوق الإسرائيلية (سواء على مستوى السلاح، أو التكنولوجيا، أو السلع والبضائع) بالأسواق الآسيوية. وهو ما دفع إسرائيل إلى الانضمام إلى البنك الآسيوي في شنغهاي من أجل أن تصبح هي وحدها المعبر الاستراتيجي للسوق الصينية والآسيوية بشكل عام في منطقة الشرق الأوسط.

يعزز ذلك أن الصين تنتهج مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وبالتالي لا تضطر إسرائيل لتقديم أي تصورات سياسية عن تسوية سلمية لحل القضية الفلسطينية من أجل تفعيل كامل للعلاقات مع الصين.

القلق الأمريكي

ترى الولايات المتحدة في الاستثمارات الصينية مهددًا أمنيًا خطيرًا، خاصة على الأمن القومي لركائزها الاستراتيجية في مناطق عدة، منها إسرائيل في الشرق الأوسط. وعبرت الولايات المتحدة عن شعورها بالتهديد من خلال القبض على ابنة رئيس شركة هواوي الصينية (2019)، وتحذير بريطانيا بأن عليها أن تختار الجانب الأمريكي وترفض الجانب الصيني في تصريح لبومبيو (12 مايو)، وفرض قيود قانونية محددة على لوائح الاستثمارات في ألمانيا من أجل تحجيم الجموح الصيني هناك.

ترى الولايات المتحدة في الاستثمارات الصينية اختراقًا لأمن إسرائيل القومي، وبالتحديد في نقاط حساسة تتشابك مع الأمن القومي الأمريكي. إذ يعد ميناء حيفا -الذي ترغب الصين في احتكار إدارته- هو مرفأ للأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط. في حين ينص العقد الموقع بين شركة شنغهاي للموانئ والحكومة الإسرائيلية أحقية الأولى تركيب حساسات مائية ومستشعرات أرضية للرصد والمراقبة، في منطقة تزخر بالقواعد العسكرية الجوية أو البحرية الإسرائيلية والتي ترتبط باتصالات استخباراتية مكثفة مع البنتاجون الأمريكي، مما يمنح الصينيين تفوقًا نسبيًا على الولايات المتحدة.

وعلى بعد أميال من حيفا- تل أبيب تقع شركة هواوي الصينية التي دخلت السوق الإسرائيلية تحت ستار جديد باسم “TOGA NETWORK”، الذي يعد اختراقًا للأمن القومي الإسرائيلي حسب تقارير أصدرها جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، ينص على أن لشركة هواوي القدرة على اختراق هواتف الضباط والجنود الإسرائيليين والحصول على المعلومات وذلك بعد تحذيرات من مستشار الأمن القومي الأمريكي سابقًا “جون بولتون” (يناير 2019).

كذلك على المستوى الاستراتيجي، (أولًا) تستهدف الصين الولوج إلى السلاح الأمريكي من خلال الاعتكاف على التعاون العسكري مع إسرائيل والسعي لمحاكاة التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية التي تعد بدورها محاكاة للتكنولوجيا الأمريكية. فنجحت الصين في عقد صفقات توريد للسلاح الإسرائيلي وهي عبارة عن طائرات وصواريخ، وطائرات بدون طيار، ومنصات إنذار مبكر، أسفرت عن نجاح الصين في اعتراض طائرات التجسس الأمريكية بفضل التكنولوجيا الإسرائيلية.

(ثانيا) تسعى الصين من خلال علاقاتها مع إسرائيل التأثير على صناعة القرار الأمريكي، إذ نجحت بكين في الضغط على إسرائيل من أجل إلغاء الدعوى القضائية الأمريكية المرفوعة على “بنك الصين” بتهمة تمويله الإرهاب، وبالفعل في 2015 أعلنت محكمة نيويورك إلغاءها للدعوى المقدمة ضد البنك الصيني وذلك بعد ضغط من حكومة نتنياهو على الإدارة الأمريكية. وبالتالي لا ترغب الولايات المتحدة تكرار مثل هذه الحوادث التي تعرقل الاستراتيجية الأمريكية في تطويق النفوذ الصيني.

مسارات التقارب الصيني-الإسرائيلي

تمثل الصين بالنسبة لصانع القرار الإسرائيلي قوة دفع وتعزيز للوضع الجيوسياسي الإسرائيلي على المستويين الإقليمي والدولي، لذا من الصعب تخيل ارتداد العلاقات الإسرائيلية-الصينية بأشواط طويلة إلى الوراء. بل يمكن توقع بعض المسارات لهذا التقارب، هي:

أولًا: التقارب المشروط: أي أن تبدأ إسرائيل في وضع شبكة لعلاقات الشركات الصينية مع الخصوم الاستراتيجية لإسرائيل وعلى رأسها إيران، وتبدأ إسرائيل في تقديم اشتراطات للشركات الصينية بالسماح لاستثماراتها مقابل قطع علاقاتها مع إيران أو المشاريع الإيرانية العسكرية، خاصة تلك المتعلقة ببرنامجها النووي. يدفعها بذلك إدراكها (أي إسرائيل) لحجم الحرص الصيني على أن تكون إسرائيل ركيزة لها في المنطقة، يمكن أن يستدل على ذلك بملاحظة كيفية إدارة الصين لأزمة وفاة سفيرها لدى إسرائيل، إذ اكتفت بكين بنتائج التحقيقات الإسرائيلية بشأن الحادث دون إرسال وفود أو إصدار تعليقات رسمية من جانبها.

وهو الخيار الذي ستحاول حكومة نتنياهو إقناع الإدارة الأمريكية بنجاعته في تطويق النفوذ الإيراني. مع تأكيد إسرائيل المستمر على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

ثانيا: الاحتكاك البطيء مع الولايات المتحدة: وهي الاستراتيجية التي تدير بها إسرائيل الأزمة مع الولايات المتحدة، من خلال إصدار قرارات تحد من النطاقات التي تسمح بالاستثمارات الصينية، أو تقليل المدد الزمنية لامتياز الاحتكار الصيني للمشاريع في إسرائيل مثل ميناء حيفا. مع استمرار التقارب الصيني-الإسرائيلي.

ثالثا: البديل الأمريكي الكامل: ويعني ذلك أن تحصل إسرائيل على الدعم الاقتصادي الكامل من الولايات المتحدة الذي يعوض طرد الاستثمارات الصينية، وبالتالي تبدأ التدفقات الاستثمارية التي تشمل إقامة المراكز البحثية في مجالات متعددة، وبناء الجامعات والمعاهد التقنية. ينتهي بموافقة الولايات المتحدة على توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع الجيش الإسرائيلي. 

ختاما، يمكن التأكيد على مجموعة من النقاط، وهي:

  1. تنظر إسرائيل إلى ديناميكات القوة حول العالم، خاصة بعد أزمة كورونا، من أجل رسم مسارات تعزز وضعها الجيوسياسي في قلب منطقة الشرق الأوسط؛ لذا ترغب في تشبيك مصالحها مع الصعود الصيني.
  2. لا تطمئن إسرائيل لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة، خاصة مع تنامي الرغبة الأمريكية للانسحاب من الشرق الأوسط، لذا ترى في الصين البديل الاستراتيجي المناسب. 
  3. ترغب إسرائيل في أن تكون المحور الاستراتيجي للحضور الصيني في منطقة الشرق الأوسط، من خلال التعاون العسكري، والانضمام لمشروع الحزام والطريق. 

وبالتالي سيؤثر التنافس الصفري بين الولايات المتحدة والصين على موقف إسرائيل بشكل كبير. ربما يدفعها للطموح بأن تصبح قناة الاتصال بين الصين والولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى