مقالات رأي

الديون العثمانية.. يوم أدار الغرب الأوروبي أموال الخلافة

بينما تنقل الدراما التركية ملاحم اللحظات الأخيرة من الإمبراطورية العثمانية، وتعيد رسم صورة العثمانيين في الوعي الجمعي، نجد تغييبًا متعمدًا من الدراما التركية لواحد من أهم أسباب انهيار الدولة العثمانية ألا وهو “إدارة الدين العام العثماني”، الذي يعد ذروة الأزمة الاقتصادية التي ضربت بآخر الإمبراطوريات الإسلامية.

وأول من بدأ سياسة الاقتراض من الخارج كان السلطان عبد المجيد الأول، وذلك لتمويل حروبه ضد محمد على حاكم مصر لاسترداد “سوريا العثمانية”، ثم الحرب ضد مملكة اليونان، ولكن أوج الاقتراض من الخارج حدث إبان حرب القرم، أو الحرب الروسية العثمانية العاشرة.

الدور الأوروبي في حرب القرم

كانت أوروبا عمومًا وبريطانيا تحديدًا قد دعموا روسيا القيصرية في بادئ عصرها باعتبارها حائط صد أمام تمدد الإمبراطورية العثمانية في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطي والبلقان والقوقاز، بل ودعم الغرب روسيا القيصرية في المضمار ذاته ضد رغبة محمد على في تأسيس إمبراطورية مصرية، ولما تضخمت روسيا القيصرية قرر الغرب عدم الإجهاز على الدولة العثمانية المترنحة ولكن يمكن استخدام رجل أوروبا المريض أولًا في انهاك القياصرة قبل التخلص من النظامين معًا وهو ما حدث حرفيًا في الحرب العالمية الأولي التي لم تنتهي إلا بتفكيك وسقوط النظام الإمبراطوري للدولة العثمانية والروسية.

دخل عبد المجيد الأول الحرب بإيعاز من بريطانيا وفرنسا، ولاحقًا دخلت الدولتان لنجدته إضافة إلى مصر وتونس. هزمت روسيا عسكريًا ما أسقط أسطورة الجيش الذي لا يقهر منذ الحرب الفرنسية العظمي، ورغم انسحاب العثمانيين من القرم إلا أن روسيا قدمت تنازلات على جبهات أخرى.

وفى مؤتمر باريس، فرضت أوروبا على روسيا إعلان حياد البحر الأسود، وكانت هذه المادة كارثة بالنسبة لروسيا حيث أجبر هذا النص روسيا على سحب سفنها الحربية من هذا البحر ونقلها إلى بحر البلطيق، وبالتالي أصبح البحر الأسود بحيرة عثمانية من الناحية الفعلية وليس القانونية، إضافة إلى تنازل روسيا عن جزء من أراضيها لدولة مولدافيا.

رغم أن القرم ظلت بحوزة الروس، إلا أن الهزيمة العسكرية للروس وإجبارهم على توقيع اتفاقية باريس اعتبر انتصارًا في عموم أوروبا التي تبرمت شعوبها من تلك الحرب.

ورغم بعض الانتصارات التي قامت بها روسيا لاحقًا، إلا أن حرب القرم وما جرى خلالها من هزيمة عسكرية مشينة لروسيا كانت ضربة البداية في انهيار روسيا القيصرية لاحقًا، إذ كشفت الهزيمة العسكرية عن مشاكل روسيا الداخلية من فساد وتخلف عن الركب الحضاري والصناعي وأنماط الحكم السياسي في العالم، كما أن اللاعب الخفي في روسيا عقب وفاة نيكولا الأول كان وبامتياز هو الصراع على السلطة والامتيازات بين القيصر أيا كان والنبلاء.

طعنة الديون في ظهر العثمانيين

ورغم هذا الدور العثماني العظيم في دحر روسيا القيصرية لصالح الغرب الأوروبي، إلا أن الإمبريالية الغربية ليس لها مأمن، فقد تعمد الغرب أن يقرض الدولة العثمانية بمبالغ يدرك قادة أوروبا أن الأستانة ليست قادرة على سدادها في المستقبل القريب، ولكن الغرض لم يكن استرداد الأموال بل تركيع الدولة العثمانية ومحاصرتها بالديون، تمامًا كما فعلوا في نفس التوقيت مع مصر في زمن الخديوي إسماعيل مستغلين أيضًا ولعه بالاقتراض الخارجي دون حساب.

يقول د. إسماعيل أحمد ياغي في كتابه “الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث” أن “المشروعات الاقتصادية التي تمت بقروض أجنبية هدفها الحقيقي هو إيجاد مبررات قانونية للتدخل في الشؤون الداخلية العثمانية بحجة مراقبة الدخل العام لتحصيل الديون”.

المفكر الاقتصادي دونالد سي بليسديل Donald C. Blaisdell في كتابه “الرقابة المالية الأوروبية في الدولة العثمانية” European Financial Control in the Ottoman Empire الصادر عام 1929 يسرد تاريخ الديون العثمانية، حيث بدأ الأمر عام 1854 حينما أبرم عبد المجيد الأول أول قرض في تاريخ الدولة العثمانية، وتوالت القروض خاصة في عصر أخيه عبد العزيز الأول لتصل إلى 18 قرضًا دفعة واحدة بحلول عام 1879.

ورغم أن الأموال ذهبت في بادئ الأمر للمجهود الحربي ولكن الأساس كان سد العجز بين الإيرادات والنفقات الفخمة للإمبراطورية العثمانية، السلطان عبد المجيد الأول عشية حربه مع الروس بدأ في تشييد قصر دولمة بهجة ليكون مقر حكمه الجديد استعمل. في البناء الفنون الغربية الحديثة واستقدم مئات الفنانون والرسامون من إيطاليا وفرنسا في إتمام العمل، وملأه بتحف متنوعة كعاج الفيلة واللوحات والمنحوتات الإيطالية والفرنسية بالإضافة إلى سجاد من فرو الدببة الرمادية الروسية واشترى كل تلك النفائس من أكبر متاجر أوروبا، واستعمل عشرات الأطنان من الذهب لتزيينه، ومنذ انتهاء تشييده أصبح هذا القصر مقر حكم الخلافة العثمانية حتى سقوطها عام 1922.

أما السلطان عبد العزيز الأول فقد بنى سرايا بكلربكي على ضفة البوسفور في سفح تل بلفوري، وقد شيدت من الرخام الأبيض وكان لها رصيف على الشاطئ، وكذلك بنى قصر جراغان الكائن بين منطقة بشكتاش وأورفة كوري على شكل مستطيل قرب شاطئ البحر أيضًا، وقد تحولت إلى مقر لمجلسي الأعيان والمبعوثان العثماني وفيها قضى عبد العزيز ومراد الخامس وكمال أتاتورك أيامهم الأخيرة، كذلك فقد شيّد مسجد جامع في مالطة واستحدث توسيعات في مجمع قصر يلدز فاستحدث فيه قصر شيت وقصر الجادر وبيوك الما بين، ووصله بجسر مع قصر جراغان.

فقدان الاستقلال الاقتصادي

الباحث الاقتصادي كريستوفر كلاي Christopher Clay في دراسة منشورة بعنوان “ذهب السلطان.. المصرفيون الغربيون والاقتصاد العثماني 1856 – 1881” Gold For the Sultan: Western Bankers and Ottoman Finance الصادر عام 2000 يوضح أن شروط البنوك البريطانية والفرنسية كانت تعني عمليًا إعادة تمويل الديون بشكل مستمر. أثناء حرب القرم حسمت البنوك الفرنسية والإنجليزية والألمانية والنمساوية الفوائد سلفًا قبل أن تسلم العثمانيين القروض، لضعف الثقة دوليًا بالاقتصاد العثماني، ومع توالى القروض رهن العثمانيين الإتاوة السنوية من ولاة مصر وأزمير والولايات السورية ضمانًا لقرض عام 1854 ما يعني عمليًا تحويل تلك المبالغ التي ظلت طيلة اربع قرون تذهب إلى خزائن الخلافة إلى البنوك الأوروبية، وفى قرض عام 1855 كان الضمان هو عوائد جمارك ولايات سوريا وأزمير بكل ما فيه ذلك من ثقل تجاري للمكانة الاقتصادية للساحل السوري واللبناني، ومع توالى القروض كانت أغلب إيرادات الدولة العثمانية يتم تحويلها إلى الخارج دون أن تذهب إلى العاصمة أو تدخل خزائن وزارة المالية العثمانية.

أعلنت تركيا عجزها عن سداد قروضها في 30 أكتوبر 1875 ما يعني عمليا إشهار إفلاسها، وبعد ست سنوات وتحديدا في 15 أكتوبر 1881 تأسست مصلحة “إدارة الدين العام العثماني” باعتبارها مؤسسة داخل الأراضي العثمانية ومقرها الأستانة، وتتألف من حاملي أسهم القروض العثمانية من مؤسسات وهيئات وبنوك ورجال أعمال وبيوت مال من ألمانيا والنمسا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا إلى جانب بعض ويضم مجلس الإدارة مؤلفًا من سبعة أعضاء، ستة منهم يمثلون حملة أسهم الدول الأجنبية التابعين إليها أولئك الأعضاء، والسابع يُعيّنه البنك الإمبراطوري العثماني الذى أصبحت سيطرته على الاقتصاد العثماني مجرد حبر على ورق.

ووظفت إدارة الدين العام العثماني 9 آلاف موظف عثماني الجنسية جابوا الولايات العثمانية لتحصيل الضرائب والجمارك وإيرادات الدولة العثمانية لتدخل في خزانة إدارة الدين العثماني وتسدد أقساط الديون العثمانية دون أن تمر بوزارة المالية العثمانية التي فقدت بدورها أي صلاحيات لها بل وكان عدد موظفي وزارة المالية اقل من عدد موظفي مصلحة إدارة الدين العام العثماني.

ومن صلاحيات الإدارة الأجنبية أن الشركات الأوروبية الراغبة في الاستثمار بالأراضي العثماني كانت تتعاقد مع الإدارة دون التواصل مع السلطان أو الحكومة العثمانية، ما يعني فقدان الدولة العثمانية لأبسط معاني الاستقلال الاقتصادي، وحتى حينما حاول السلطان عبد الحميد الثاني التحالف مع ألمانيا القيصرية وفتح باب الاستثمارات الألمانية في الولايات العثمانية فأن هذا المخطط فشل بهزيمة البلدين وسقوط أنظمتهم الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولي.

كلية الاقتصاد بجامعة روما أصدرت دراسة بعنوان الدين الخارجي العثماني وخصائصه تحت الإدارة الأوروبية الاقتصادية The Ottoman External Debt and Its Features Under European Financial Control (1881-1914) للباحثين جيامباولو كونت Giampaolo Conte وجيتانو سبتان Gaetano Sabatini تؤكد انه حينما أشهرت تركيا افسلاها كان الدين العام 200 مليون جنيه إسترليني بأسعار ذلك الزمان بالإضافة إلى فوائد سنوية تصل إلى 12 مليون جنيه إسترليني، علمًا بأن الإيرادات السنوية لتركيا كانت 24 مليون جنيه إسترليني فحسب.

وهكذا وبينما كان السلطان عبد المجيد الأول يظن أن له حلفاء في الغرب في وجه قياصرة موسكو، كان الغرب الأوروبي وهو يدعمه في وجه روسيا يطعنه في خاصرته بالديون والقروض حتى يفقد الاقتصاد العثماني استقلاله.

ولم تسقط الديون العثمانية بسقوط الدولة العثمانية، بل كان لمصلحة “إدارة الدين العام العثماني” صلاحيات تحصيل قيمة السندات في سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن حتى عام 1924 بموجب اتفاقيات دولية.

وعقب استسلام الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولي قامت “إدارة الدين العام العثماني” بحماية استثمارات وممتلكات وديون الأجانب في الأراضي العثمانية، ما سهل استكمال عملية تحصيل الديون لاحقًا واستمرار المصالح الاقتصادية والاستثمارات والممتلكات في الجمهورية التركية الوليدة، التي لم يسمح لها بالاقتراض إلا بعد مراجعة اللجنة المالية مؤتمر لوزان أو عمل تطوير لأنظمتها الجمركية والضريبية إلا عقب الانتهاء من سداد الديون العثمانية.

وخلال مؤتمر باريس عام 1925، وافقت الجمهورية التركية على دفع 62 % من ديون الدولة العثمانية قبل عام 1912، و77 % من ديون ما بعد 1912، وفى مؤتمر باريس عام 1933 استطاعت تركيا خفض الرقم الباقي من 161.3 مليون ليرة إلى 84.6 مليون ليرة وتم سدادها على أقساط لم تنتهي إلا في مايو 1954 أي أن الديون العثمانية استمرت ما يناهز مئة عام، وقامت بتركيع الاقتصاد العثماني في مرحلة فول الخلافة العثمانية وقوضت اقتصاد الجمهورية التركية ثلاثة عقود من الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى