ليبيا

أطفال وانشقاقات.. تحديات تجارة الحرب التركية في ليبيا

لم يكن ملف المرتزقة السوريين وغيرهم طي الكتمان في ليبيا، منذ أن تمكن الجيش الوطني الليبي من إسقاط طائرة “ميراج إف وان” تابعة لحكومة الوفاق في السابع من مايو من العام الماضي، في محور الهيرة ” بين مدينتي العزيزية وغريان جنوب طرابلس، وأسر الطيار الذي تبين أنه أمريكي الجنسية ويدعي “جيمي سبونغول” إذ كان يعمل في سلاح الجو الأمريكي كفني طائرات منذ العام 2006، وخدم لسنوات في الحرس الجوي بولاية فلوريدا، وترك الخدمة الفعلية عام 2013. ورغم عدم كونه طيارًا خلال سنوات الخدمة الفعلية إلا أن “سبونغول” حصل على رخصة طيار قبل انتهاء خدمته العسكرية ليتوجه بعدها لغرب ليبيا عن طريق أحد رجال الأعمال في مدينة مصراته ويبدأ العمل على تشغيل مقاتلة الميراج الوحيدة المتبقية والتابعة لحكومة الوفاق.

الطيار الذي أفرجت عنه لاحقا السلطات الليبية بعد تدخل المسؤولين الأمريكيين نبّه لأي مدي من الممكن أن يصل الميدان الليبي لملف المرتزقة، فبعد أقل من ستة أشهر من إسقاط الميراج وأسر “سبونغول” تحول الميدان الليبي مسرحًا لواحدة من أكبر عمليات إعادة التموضع والانتشار للمرتزقة في الإقليم تحت إشراف تركيا وأجهزة استخباراتها. وقد واكب المرصد المصري تحركات تركيا في هذا الشأن من خلال ورقات ” هكذا تقوم تركيا بنقل الإرهابيين من سوريا إلي طرابلس الليبية “. ” أجنحة ليبيا .. واجهة الاستخبارات التركية لنقل المرتزقة السوريين “. حيث تواصل تركيا حتى وقت كتابة هذه السطور تكثيف عمليات نقل الأسلحة والمرتزقة السوريين، ضمن جملة اعتبارات لوجستية جديدة، على متن أسطول الطائرات المدنية التابعة لشركتي الخطوط الجوية الإفريقية وأجنحة ليبيا المملوكة للإرهابي المطلوب لدي دول الرباعي العربي “عبد الحكيم بلحاج” أمير الجماعة الليبية المقاتلة المرتبطة بتنظيم القاعدة. 

وعلى الرغم من نجاح تركيا في تقديم الدعم العسكري اللازم لميليشيات حكومة الوفاق الذي مكنّها من تحقيق توازن ميداني على الأرض في الغرب الليبي تمثل في استعادة السيطرة على ثلاث مدن هامة استراتيجيًا “صرمان – صبراته – العجيلات” وتعطيل زحف وحدات الجيش الوطني الليبي من دخول العاصمة طرابلس، إلا أن ثمة تحديات ظهرت أمام مجمع الاستخبارات التركية وصانع القرار في أنقرة فيما يخص ملف المرتزقة السوريين وديناميكيات إرسالهم لخطوط النار في ليبيا يمكن عدّ أبرزها في الآتي:

أثر الفراشة.. انشقاقات متتابعة

منذ أن بدأت تركيا في الانخراط العسكري المباشر بالأراضي السورية في 24 أغسطس من العام 2016، من خلال شن عملية درع الفرات بالمنطقة الممتدة من جرابلس لـ إعزاز، حرصت أنقرة علي توحيد كافة الفصائل والتنظيمات المسلحة الموالية لها بالشمال السوري تحت مظلة واحدة، فأنشأت في العام 2018 وبالتزامن مع عملية عفرين، ما يُسمي بـ “الجيش الوطني السوري”، حيث ضمت تركيا قرابة الـ 44 فصيل وتنظيم مسلح ضمن هيكله التنظيمي، وقُدِرت أعداد مسلحيه بحوالي 60 ألف مقاتل، وتمكنت الأجهزة الاستخباراتية التركية إلي حدِ كبير من منع الاقتتال الداخلي بين الفصائل المسلحة في الشمال السوري ومن ثم استخدام الفصائل والتنظيمات المسلحة كقوة “صدمة” لتحقيق السيطرة الميدانية وقطع وصل الكنتونات الكردية ببعضها والتوغل لعمق 30 كلم داخل الأراضي السورية والتمركز أمام نقاط تماس مع القوات السورية والروسية والإيرانية في خمسة محافظات سورية، “الحسكة – حلب – حماة – اللاذقية – إدلب”.

مع هدوء وتيرة المعارك منذ نهاية أكتوبر العام الماضي، امتلكت تركيا فائضًا في تعداد العناصر المسلحة الموالية لها ضمن الـ 44 فصيل، ما سمح لها بتقنين اختيار العناصر المقرر إرسالهم للميدان الليبي، فحلّ التركمان السوريون ضمن أولي الدفعات التي وصلت لمدينتي مصراته وطرابلس ضمن ألوية “السلطان مراد” و “الحمزات”، ووصلت عناصر المرتزقة ليبيا برواتب شهرية 2000 دولار لكل عنصر، ووعد بالحصول على الجنسية التركية حال أمضي العنصر المقاتل 6 أشهر في معارك ليبيا. لكن سرعان ما أتت أزمة كورونا لتضيق الخناق على الاقتصاد التركي المتأزم، وتدفع أنقرة لخفض الرواتب لـ 1400 دولار شهريًا مع تبخر أحلام الحصول على الجنسية التركية لمن مضي عليه 6 أشهر أو لعائلة من قُتِل في المعارك الجارية. 

https://twitter.com/TIJournalism/status/1254830837109006337?s=20

في هذه الأثناء دخلت الهدنة التركية – الروسية في إدلب حيز تنفيذ الدوريات العسكرية المشتركة بطول طريق “إم-4” الدولي الرابط بين حلب واللاذقية، وذلك بعد دفع الأطراف المتحاربة لمسافة 6 كم بعيدًا عن جانبي الطريق. 

ما لقي معارضة من عناصر عديدة منضوية تحت لواء هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” سابقًا، حيث اعترضوا مع أهالي بلدة النيرب الدوريات المشتركة وهاجموا العربات الروسية، كما قاموا بقطع الطريق وتفجير كمراته عدة مرات ما استلزم استخدام الجيش التركي القوة وقام عبر أحدي طائراته المسيرة باستهداف عنصرين لهيئة تحرير الشام بعدما هاجمت الهيئة نقطة ارتكاز تركية في النيرب.

مهدت التوترات السابقة من تزايد الاحتقان في صفوف الألوية المسلحة التي أرسلت المئات من عناصرها للقتال في ليبيا، وسط تحقيق الجيش الليبي لخسائر بشرية كبيرة في صفوفهم، حيث قُدرت حصيلة قتلي المرتزقة السوريين في ليبيا 279. كما كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان من مصادر موثوقة أن عدة ألوية من فصيل “السلطان مراد” الموالي لتركيا، انشقوا عن الفصيل مع كامل عناصرهم، والذين يقدر عددهم بنحو 700 مقاتل. وبحسب المرصد فإن خروج القياديين مع العناصر من الفصيل جاء احتجاجًا على سياسة إرسال مقاتلين إلى ليبيا بجانب قوات الوفاق بعد خلافات كبيرة نشبت بين قادة الألوية من جهة وقائد الفصيل، بالإضافة لخلافات نتيجة سياسة قيادة الفصيل أيضاً في سوريا. وعقب ذلك انسحبت عدة نقاط رباط تابعة للألوية المنشقة عن الفصيل من جبهات القتال ضد قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية في ريف رأس العين شمال غربي الحسكة. تمثل الانشقاقات ضمن أكثر الفصائل المسلحة ولاءً لتركيا ناقوس خطر لأنقرة وخاصة أنها جاءت بالتتابع من عدة ألوية وفي مناطق تماس مع القوات الكردية.

تجنيد وإرسال الأطفال لليبيا

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان أن تركيا جنّدت عشرات الأطفال السوريين من أجل السفر إلى ليبيا والقتال هناك إلى جانب ميليشيات العاصمة طرابلس، في انتهاك صارخ لبروتوكولات حقوق الأطفال والقانون الدولي. وقال مدير المرصد “رامي عبد الرحمن، في مقابلة مع قناة “سكاي نيوز عربية”، الأربعاء الماضي، إن تركيا تلجأ إلى حيل عدة لإقناع الأطفال ممن هم دون سن 18 عاما بترك بلدهم من أجل حمل السلاح في ليبيا. وأوضح عبد الرحمن أن تركيا جندت نحو 150 طفلا سوريا للقتال في ليبيا، من بين آلاف المرتزقة التي أرسلتهم إلى طرابلس، والذين وصل عددهم لـ 9 آلاف مرتزق حتي الآن بينهم مجموعة غير سورية. 

العملية “إيريني”..تزايد مخاطر نقل السلاح والمرتزقة بحراً وجواً

أطلق الاتحاد الأوروبي في 31 من مارس الماضي عملية “إيريني” بمشاركة 20 دولة، وتعني باليونانية “السلام”، وذلك لمنع تدفق الأسلحة إلى ليبيا، وخصص الاتحاد تشكيلات جوية وبحرية لمتابعة أهداف العملية قوامها الرئيسي طائرات الاستطلاع، وسوف تتم العملية البحرية في شرق البحر المتوسط بعيدا عن طرق عبور المهاجرين. كما سيتم إنزال أي شخص يتم إنقاذه، وفقا للقانون الدولي، في الموانئ اليونانية، ومن هناك سيتم إرساله إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وفقا لدبلوماسيي التكتل. 

أحدثت عملية إيريني ارتباكاً في صناع القرار الاستراتيجي في أنقرة، على الرغم من عدم وصول سير عملياتها للكفاءة التشغيلية القصوى، واستمرار وجود انقسامات أوروبية عميقة تجاه مهامها وسط تفشي جائحة كورونا. حيث عبّر وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” عن اعتراض تركيا على إطلاق العملية مؤكداً أنها تفتقد للشرعية. 

في غضون ذلك، بدأت تركيا الإعداد لبدء عمليات البحث والتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا، والتي من المرجح انطلاقها في يوليو المقبل بحسب ما أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية “فاتح دونماز. حيث أعلنت شركة البترول التركية التابعة للدولة الأربعاء الماضي أنها تقدمت لحكومة السراج بطلب لبدء أعمال البحث والتنقيب، بموجب مذكرة التفاهم في مجال ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا الموقعة في إسطنبول في 27 نوفمبر. ما يؤشر على رفع أنقرة لسقف سياساتها الحادة في شرق المتوسط، والتموضع الأحادي في محاولة أخري للإقرار بدورها مقابل تخفيض حدة السياسات المتبعة واحتمالات المواجهة. 

خاتمة

على الرغم من اتباعها لسياسة هجومية نشطة، إلا أن أنقرة لجأت لتأمين خطوط إمداد بديلة ذات مخاطر وتكلفة أقل لإبقاء ميليشيات الوفاق ضمن معادلات التسوية السياسية والانتقال من مرحلة مدركات المكسب السياسي من الاتفاقات الثنائية المثيرة للجدل، وصولاً للاستفادة الاقتصادية. خطوط الإمداد البديلة براً وبحراً عبر غرب ليبيا وتحديدًا تونس، ما يضع شمال إفريقيا أمام تحدِ إضافي لتأزم الصراع ووصول اختبارات القوة للأطراف المتحاربة لسقف قد يشمل خلاله بدء جولة مواجهة جديدة جنوب ليبيا والساحل والصحراء. إلا أن التحديات السالف ذكرها أمام تجارة الحرب التركية لا تشكل تهديدًا لأنماط الانخراط العسكري التركي علي المستوي الاستراتيجي بقدر ما قد تدفع لتغيير تكتيكات المواجهة بعدما بدا واضحاً تعثر تركيا في وحل المستنقع الليبي بتكلفة باهظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى