العراق

حكومة الكاظمي وسيناريوهات المستقبل

تختلف حكومة الكاظمي عن غيرها من الحكومات السابقة فهى حكومة أزمات إذا جاز التعبير، يقع على عاتقها مواجهة إرث الأزمات المستعصية فى العراق سواء على مستوى الصراع الإيراني-الأمريكي داخل العراق، أو أنها تواجه الوضع الكارثي من حيث تغلل إيران فى مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والدينية، إضافة إلى فساد المؤسسات والأزمة الاقتصادية والصحية للدولة، وتعقيدات الحسابات السياسية للقوى المختلفة والقوميات المتعددة على اختلافها، ضمن هذا الإطار تركز الورقة على موقف الداخل العراقي من الكاظمي وكذلك الموقف الإقليمي والدولي، والتحديات التي تواجه حكومة الكاظمي وسيناريوهات المستقبل.

موقف الداخل العراقي

تم منح الثقة من قبل البرلمان لحكومة الكاظمي إلا أنها لم تكتمل بعد، فقد تم التصويت على 15 وزيرًا ورفض 5 مرشحين لوزارات التجارة والعدل والثقافة والزراعة والهجرة، وتأجيل التصويت على مرشحي وزارات الخارجية والنفط[1]، وقد تسلم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مهامه خلال مراسم التسليم بحضور رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدى والوزراء في الحكومتين وذلك يوم الخميس 7 مايو، لكن انطلقت مظاهرات في بغداد وبعض المحافظات الجنوبية في اليوم الثاني من تولى الكاظمي والتي يزعم البعض أنها تهدف إلى عرقلة عمل الحكومة من قبل بعض القوى السياسية التي لم تصوت على حكومة الكاظمي ومنها ائتلاف دولة القانون برئاسة نورى المالكي وائتلاف الوطنية برئاسة إياد علاوى.

ولا يزال الجدل مستمر حول وزارتي الخارجية والعدل وتم اقتراح خالد شواني للعدل والذى يشغل منصب وزير الإقليم في حكومة إقليم كردستان، بينما لم يحسم مرشح وزارة الخارجية فهناك اعتراض من قبل القوى الشيعية حول فؤاد حسين مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني[2]، كما يواجه الكاظمي معارضة إلكترونية تتمثل في نشر شائعات وأخبار كاذبة على لسانه، إضافة إلى انتقاد قراره بإعادة الفريق أول الركن عبد الوهاب الساعدي وترقيته رئيساً لجهاز مكافحة الإرهاب وإعفاء اللواء الركن عبد الكريم خلف من منصب المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة وتعيين العميد يحيى رسول بدلا منه[3].

الموقف الدولي والإقليمي:

حظى الكاظمي بدعم من الولايات المتحدة، وتتهمه الميليشيات المسلحة في العراق بأنه ساهم في العملية الأمريكية بقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدى المهندس فى 3 يناير 2020[4]، أي أن الفصائل المسلحة تترقب خطوات الكاظمي القادمة ما بعد التنصيب لا سيما بعد الدعم الأمريكي الذى عبرت عنه المكالمة الهاتفية التي قام بها مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى لتهنئة الكاظمى وتعهد خلالها بمساعدة العراق في مواجهة أزمتها الاقتصادية، فضلا عن تمديد الإعفاءات الممنوحة للعراق لاستيراد الطاقة من إيران لمدة 120 يومًا استثناءً من العقوبات المفروضة على إيران وهو ما يتيح للعراق الحصول على الكهرباء والغاز من إيران مرهونًا بالموافقة الأمريكية[5].

 وكذلك تعهد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتقديم المساعدات الاقتصادية لدعم العراق إضافة إلى التوسع في الاستثمارات والتعاون في مواجهة فيروس كورونا، أيضًا تلقى الكاظمي اتصالًا من أمين عام حلف الناتو السيد ينس ستولتنبرغ للتعاون في محاربة الإرهاب من خلال بعثة التدريب العاملة في العراق[6]. وقام الرئيس الإيراني حسن روحاني بتهنئة الكاظمي مؤكدًا على التعاون الاقتصادي وفتح المنافذ الحدودية للحركة التجارية وبحث المناطق الصناعية المشتركة[7].

كما حظي الكاظمي بدعم الصين وبريطانيا، حيث بادرت بريطانيا على لسان وزير خارجيتها دومينك راب بالتعاون مع الحكومة العراقية برئاسة الكاظمي في مواجهة داعش[8]، إضافة إلى دعم إقليمي من قبل السعودية والإمارات ومصر والكويت والأردن وتركيا ولبنان. 

تحديات حكومة الكاظمي:

على المستوى الاقتصادي والصحي يعانى العراق من أزمة مالية نتيجة إنهيار أسعار النفط الدولية، إضافة إلى أزمة كوفيد 19 حيث لا يتمتع النظام الصحي فى العراق بقدرات كافية لأحتوائه أو السيطرة عليه، فضلا عن تعطل الإنتاج وسلاسل التوريد جراء تفشى جائحة كورونا.

 وقد نما إجمالي الناتج المحلى بنسبة 4.4% عام 2019 إلا أنه من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 5% فى عام 2020 وينخفض معدل النمو ما بين 1.9% و2.7% في 2021-2022، فضلا عن ذلك ارتفاع عجز الموازنة إلى 19% بنهاية 2020 جراء ضعف الإيرادات النفطية وبافتراض سعر نفط قدره 30 دولار للبرميل[9].

على المستوى الأمني يبقى تهديد داعش في العراق، بالرغم من تدمير بنيته التحتية إلا أنه لازال يمتلك وحدات قتالية قادرة على تنفيذ هجمات إرهابية في حال افتقار القوات الأمنية في العراق للسيطرة على الوضع، إضافة إلى تمدد المليشيات الشيعية سواء حزب الله أو قوات الحشد الشعبي[10].

أولويات حكومة الكاظمي

اعتزم الكاظمي فور توليه مهام منصبه إطلاق رواتب المتقاعدين وعدم تأخيرها، وتشكيل لجنة قانونية عليا لتقصى الحقائق في كل الأحداث التي حدثت في العراق منذ أكتوبر 2019، وإقرار تعويضات لأسر الشهداء ورعاية المصابين، وإطلاق سراح المعتقلين الذين شاركوا في التظاهرات.

إضافة إلى تشكيل خلية أزمة من المختصين في الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية لبحث التعاون مع الولايات المتحدة ومراجعة الاتفاق الاستراتيجي بما يحقق وحدة وسيادة العراق، وإصداره قرارًا بتشكيل لجنة من الخبراء لمواجهة العقبات أمام إجراء انتخابات مبكرة نزيهة وعادلة[11].

ختاما يبقى أمام حكومة الكاظمي عدة سناريوهات فيما بعد توليه الأول، أن يكون الكاظمي أكثر انفتاحًا وتقاربًا من المتظاهرين في العراق، وقادرًا على مواجهة الميليشيات التابعة لإيران، وأكثر تقاربًا من الولايات المتحدة لاسيما أن الحكومات السابقة كانت من حزب الدعوة الشيعي ذو الأصول الدينية والعلاقات الوثيقة مع إيران لكن الكاظمي خارج دائرة الإسلام السياسي[12]، وبالتالي ستستمر عرقلة عمل حكومته من قبل الميليشيات المسلحة رغبة في الثأر لمقتل سليماني ومن ثم استمرار أزمة الصراع الإيراني الأمريكي في العراق.

الثاني، نجاح الكاظمي في علاج وحلحلة أزمات العراق على المستوى الاقتصادي والصحي والأمني، وخاصة أن يشهد له بعمله لصالح الدولة خلال رئاسة المخابرات العراقية، ونجاحه في تحقيق توازن في العلاقات مع إيران والولايات المتحدة لاسيما بعد إعلان الحكومة الأمريكية موافقتها على السماح للعراق استثناءً بأن يشترى البترول من إيران لتغطية حاجاته من الطاقة والذي لربما يدفع إلى تحجيم نشاطات إيران الفوضوية فى العراق[13].

المصادر:


[1] بعد يوم من أدائه القسم.. الكاظمي يتلقى دعوة لزيارة الرياض، الخليج أون لاين،8 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Z54Ou8 تاريخ الدخول 14 مايو 2020.

[2] العراق: الكاظمي يخوض معركة الحقائب المتبقية وسط تناقض في مواقف الكتل، الشرق الأوسط،12 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3fKBHCl  تاريخ الدخول 13 مايو 2020.

[3] الكاظمي يتحصن بالقبول الداخلي والدعم الخارجي في مواجهة خصومه، الشرق الأوسط،13 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3fNEtGP تاريخ الدخول 13 مايو 2020.

[4] هل يمهد تولي الكاظمي رئاسة الحكومة العراقية لطيّ صفحة اغتيال سليماني؟،عربى بوست، 10 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3dHfuDi تاريخ الدخول 14 مايو 2020.

[5] صلاح النصراوي،بعد تمرير حكومة “الكاظمي”: هل ستنجح الولايات المتحدة في استعادة العراق من إيران؟،المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، 10 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2zDuCTu تاريخ الدخول 15 مايو 2020.

[6] رئيس مجلس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي يتلقى اتصالا هاتفيا من امين عام حلف الناتو رئاسة مجلس الوزراء العراقية،13 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3crG2bC تاريخ الدخول 13 مايو 2020.

[7] رئيس مجلس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي يتلقى اتصالا هاتفيا من الرئيس الإيراني، رئاسة مجلس الوزراء العراقي، 11 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3bt0M19 تاريخ الدخول 13 مايو 2020.

[8] الكاظمي يتحصن بالقبول الداخلي والدعم الخارجي في مواجهة خصومه، الشرق الأوسط،13 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3fNEtGP تاريخ الدخول 13 مايو 2020.

[9]  العراق، البنك الدولي، 1 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2WZDj2v تاريخ الدخول 15 مايو 2020.

[10] Pablo Rubio, Mustafa al-Kazemi to form government in Iraq, atalayar,10 April 2020,available at: https://bit.ly/2TaVeSR accessed on 15 May 2020.

[11] رئيس مجلس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي يدلي بتصريح عن مقررات الجلسة الأولى للحكومة، رئاسة مجلس الوزراء العراقى،9 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Z0A9OK تاريخ الدخول 13 مايو 2020

[12]  Alissa J. Rubin, Iraq Chooses New Prime Minister, an Ex-Intelligence Chief Backed by U.S ,New York times ,6 May 2020, available at: https://nyti.ms/2WUpthS accessed on 15 May 2020.

[13] عبد الرحمن الراشد، “الكاظمي ..هل ينقذ العراق”، الشرق الأوسط، 14 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2T4tvmE تاريخ الدخول 14 مايو 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى