السد الإثيوبي

سد النهضة.. مصادر التمويل

أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي السابق “مليس زيناوي” في 31 مارس2011، عن نية إثيوبيا بناء سد سيكون هو الأضخم على نهر النيل، وتم وضع حجر الأساس للسد في 2أبريل 2011، وتم تغيير اسم السد أكثر من مرة حتى15 أبريل 2011 ليصبح “سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)” بإرتفاع يصل إلى 145مترًا وبسعة تخزينية 74 مليار متر مكعب، ويقع السد إلى الشرق من الخط الحدودي بين إثيوبيا والسودان على النيل الأزرق. ومنذ الإعلان الأول عن السد الجديد ومواصفاته دار جدل واسع حول جدوى إنشاء سد بهذا الحجم على النيل الأزرق، خاصة وأن وزن فوائد وتكاليف السدود الكبيرة ليس بالأمر السهل. ونستعرض في هذه الدراسة بمزيد من التفصيل تكاليف إنشاء سد النهضة الإثيوبي، والمصادر المختلفة لجمع التمويل، والعوائد أو المكاسب المحققة لإثيوبيا من سد النهضة وفقًا لما هو معلن حتى الآن، مع توضيح بعض الأكاذيب والمعلومات المغلوطة حول تمويل السد، والأكاذيب التي روجت إليها الحكومة الإثيوبية وساهمت في حشد التمويل الداخلي للسد.

أولًا: مصادر التمويل المعلنة لسد النهضة الإثيوبي

قدرت الحكومة الإثيوبية تكلفة بناء سد النهضة بحوالي 4.8 مليار دولار، باستثناء تكلفة خطوط نقل الطاقة، وهو ما يساوي حوالي 5.5 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي لإثيوبيا البالغ 87 مليار دولار أمريكي في عام 2017، وتشير بعض الدراسات إلى أن التكلفة الحقيقية لهذا السد بالمواصفات التي أعلنت عنها إثيوبيا سوف تتخطى الـ 7 مليار دولار وليس 4.8مليار كما هو معلن، وفي هذا الصدد، نجحت الدبلوماسية المصرية في إقناع الدائنين الدوليين بعدم تمويل مشروع سد النهضة في إثيوبيا، لما يمثله من تهديد للأمن المائي في حوض نهر النيل، وهو الأمر الذي دعا الحكومة الإثيوبية إلى إعلان عزمها تمويل كامل تكلفة السد من أموال الإثيوبيين داخل وخارج البلاد، ولكن بالرغم من ذلك تم تمويل التوربينات والمعدات الكهربائية المصاحبة لمحطات الطاقة الكهرومائية التي تكلفت حوالي 1.8 مليار دولار أمريكي من قبل البنوك الصينية، وقد أصدر البنك المركزي الإثيوبي سندات تستهدف الإثيوبيين في الداخل والخارج؛ تحقيقًا لهذه الغاية، ويمكن تقسيم مصادر التمويل الرئيسية للسد إلى نوعين: مصادر داخلية، ومصادر خارجية.

1- المصادر الداخلية للتمويل، وهي:

  • قروض البنك الإثيوبي:

المصارف الإثيوبية هي أحد مصادر التمويل من مصدر داخلي. يتعين على البنوك منح قرض بفائدة منخفضة للحكومة يعادل 27٪ من القرض الذي تقدمه للأفراد والشركات، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي وفقًا لصندوق النقد الدولي.

  • اليانصيب وجمع الأموال الأخرى:

يساهم نظام اليانصيب القائم على الرسائل النصية عبر الهاتف المحمول بمكافآت مثل المنازل والسيارات ومبالغ كبيرة من المال في رأس المال المطلوب لبناء السد. كما تستخدم الأحداث الرياضية لجمع الأموال من عامة الناس.

  • رواتب موظفي الخدمة المدنية:

يساهم موظفو الخدمة المدنية بجزء من رواتبهم للسد، وتزعم أحزاب المعارضة الإكراه من البرنامج حيث يتم خصم جزء من رواتب موظفي الخدمة المدنية سنويًا دون موافقتهم، مع التلويح بإمكانية تأثير عدم المشاركة على مستقبل الموظف الوظيفي.

  • السندات وأذون الخزانة:

تعد الوسيلة الرئيسية لجمع التمويل الداخلي لسد النهضة الإثيوبي، وفي هذا الإطار قدم بنك التنمية الإثيوبي مجموعة متنوعة من السندات لتمويل السد تبدأ من فئة ” 25 بر” إثيوبي وبدون حد أقصى، مع نسبة فائدة 5.5٪ للاستحقاق حتى 5 سنوات و 6٪ للفترات الأطول.

وبلغت قيمة السندات التي تم بيعها حتى نهاية عام 2016 حوالي 306 مليون دولار أمريكي، 47% من قيمة تلك السندات تم تحصيله من الموظفين بالقطاع العام والخاص في الدولة، وحوالي 50% أتت من عرقيتي الأورومو والأمهرا كما هو موضح:


الشكل 11.4

شكل (1): شراء السندات وفقًا للجماعة العرقية كنسبة مئوية من الإجمالي

وحتى نهاية عام 2018، تمكن البنك الإثيوبي من جمع نحو 460 مليون دولار من خلال هذه السندات رغم أن تكلفة بناء السد تتجاوز 4.8 مليار دولار، وفي 5 مارس 2020، أطلقت إثيوبيا الجولة الثالثة من برنامج جمع التبرعات لاستكمال بناء سد النهضة وملء الخزان، وتستمر هذه الجولة لمدة 6 شهور، بالرغم من عدم التوصل لاتفاق دولي حول الموضوع.

2- المصادر الخارجية للتمويل، وهي:

  • الصندوق الصيني:

تقوم شركة State Grid of China Electric Power Equipment and Technology Co. (SGCC)  الصينية بتشييد خط النقل عالي الجهد اللازم لنقل الطاقة إلى سد النهضة الإثيوبي بتكلفة تتعدى المليار دولار.

  • الإثيوبيون بالخارج (الشتات الإثيوبي):

يتمتع الشتات الإثيوبي في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا والشرق الأوسط وأماكن أخرى بإمكانات كبيرة للمساهمة في تنمية إثيوبيا، ولكن ومع ذلك لم يتم جمع أموال كافية من الشتات، ويرجع السبب في ذلك إلى الفشل في بيع فكرة السندات إلى الشتات؛ بالإضافة إلى الحملة ضد السد من قبل المعارضة التي تقول السد ليس أولوية وليست السندات استثمارًا حكيمًا، فضلًا عن الشكوك المثارة حول مدى قانونية بيع السندات بالخارج. وبالرغم من ذلك، بحلول عام 2016، تم بيع ما يقرب من 38 مليون دولار أمريكي من السندات إلى حوالي 3 مليون إثيوبي بالخارج، معظمهم في الشرق الأوسط (40 ٪)، وأوروبا، وأفريقيا وأمريكا الشمالية. 

3- شكوك حول مصادر التمويل غير المعلنه:

بالرغم من رفض الحكومة الإثيوبية للتصريحات التي تدّعي وجود أي تمويل خارجي للسد، إلا أن الواقع الفعلي يثير الشكوك حول الفجوة التمويلية الكبيرة بين ما هو معلن من أموال تم جمعها والتي لم تتخطى حاجز ال500 مليون دولار حتى عام2016، وبين جسم السد المبني والذي يؤكد أن ما تم إنفاقه أكثر بكثير من هذا الرقم، كما زُعم أن بعض دول الخليج تساهم في بناء السد، مع شكوك حول مشاركة قطر واسرائيل في تمويل السد وهو ما تنفيه الحكومة الإثيوبية، ولا يمكن الجزم به حتى الآن لعدم صدور بيانات رسمية تؤكده، ولكن المؤكد أن نوايا إثيوبيا في تصدير الطاقة للخارج إن صدقت فسوف تحتاج لإنشاء العديد من الطرق لإيصال هذه الطاقة إلى أماكنها المستهدفة، وهو ما سيحتاج إلى مليارات إضافية من الدولارات لا نعلم من أين ستحصل عليها إثيوبيا.

ثانيًا: العوائد المتوقعة من سد النهضة الإثيوبي

أعلنت إثيوبيا أن الهدف الرئيسي من إنشاء سد النهضة تنموي يتعلق بإنتاج الطاقة الكهرومائية التي سيذهب جزء منها للداخل بينما يتم بيع وتصدير الجزء الأكبر للخارج، وهو ما يتطلب إنشاء خطوط نقل ضخمة لمراكز الاستهلاك الرئيسية مثل العاصمة السودانية الخرطوم، والتي تقع على بعد حوالي 400 كيلومتر من السد. وبالإضافة إلى توليد الطاقة الكهرومائية، من المتوقع زيادة الثروة السمكية، حيث سيكون حجم الخزان أكبر بمرتين إلى ثلاث مرات من بحيرة تانا مما يسمح بتخزين ما يصل إلى 7000 طن من الأسماك سنويًا، بالإضافة إلى جذب السياحة. 

تم تصميم سد النهضة الإثيوبي لإنتاج 6000 ميجا وات من الكهرباء، وأشارت العديد من الدراسات أن السد لن ينتج الطاقة المطلوبة، وإنما يجب أن يكون أصغر حجمًا من أجل الكفاءة والتكلفة، حيث إن السد قد تم تصميمه لمعدل تدفق الذروة الذي يحدث فقط خلال موسم الأمطار، الذي لا يتعدى 2-3 أشهر، كما يوضحها الشكل(2)، وهذا يعني أنه نادرًا ما يتم استخدام أكثر من نصف التوربينات، حيث سيتم إيقاف التوربينات الإضافية البالغ عددها 10 أو نحو ذلك لمدة 9 أشهر تقريبًا من العام، وهو ما يجعل الجدوى الاقتصادية للسد محل شك، ويعطي مؤشرًا قويًا أن الهدف من بناء السد بهذا الحجم لا يمكن ان يكون لتوليد الطاقة، وكان من الأحرى تماشيًا مع هذا الهدف ان يكون حجم السد يستوعب حوالي 7 توربينات وتوربين ثامن إضافي في حالة التوقف عن العمل للصيانة، وبذلك يكون الحجم المناسب الذي يضمن تزويد الكهرباء على مدار السنة بمستوى ثابت تقريبًا هو 2800 ميجا وات وعلى أقصى تقدير يمكن أن يصل إلى 400ميجا وات وليس 6000ميجا وات.

Gadaa.com

شكل (2): معدلات تدفق المياه خلال العام

ثالثًا: أكاذيب وشائعات حول تمويل سد النهضة الإثيوبي

انتشرت العديد من الشائعات والأكاذيب والمعلومات المغلوطة حول تمويل السد، بالإضافة إلى الأكاذيب التي روجت إليها الحكومة الإثيوبية نفسها وساهمت في حشد التمويل الداخلي للسد، ويستعرض هذا الجزء، أبرز تلك الأكاذيب.

أ – أكاذيب الإعلام الإثيوبي لكسب تأييد شعبي وحشد التبرعات:

منذ اللحظة الأولى للإعلان عن إنشاء سد النهضة، حاول النظام الحاكم في إثيوبيا تحويل مشروع سد النهضة إلى مشروع قومي لأغراض سياسية من الدرجة الأولى مرتبطة ببقاء النظام في السلطة وهيمنته على الموارد المائية في المنطقة، وبالرغم من الخسائر التي دفعها الشعب الإثيوبي ذاته وتهجير عشرات الآلاف من الإثيوبيين جراء إنشاء السد، إلا أن النظام نجح في تسويق فكرته للداخل الإثيوبي بمساعدة الإعلام الإثيوبي الذي اعتمد على ترويج مجموعة من الأكاذيب لتحفيز الشعب الإثيوبي على دفع أمواله للمشاركة في بناء السد، وتحفُّزه ضد دولتي والمصب السودان ومصر، واستمرت ممارسات الإعلام الإثيوبي طوال الفترة السابقة لتبرير تعنت الجانب الإثيوبي في المفاوضات وتلبيس الحق ثوب الباطل لإظهار أن الجانب المصري-السوداني هو المتعنت، وتمثلت أبرز تلك الأكاذيب في:

  • تمسك مصر باتفاقيات المياه التي أبرمتها مع المستعمر: والحقيقة أن اتفاق 1902 الذي يجمع بين مصر والسودان (المحتلتان وقتذاك) وإثيوبيا (المستقله) تم توقيعه من قبل الملك مينلك الثانى وصدق عليه البرلمان الإثيوبى، وتعهد فيها الملك مينلك الثاني بعدم إقامة أي منشآت على النيل الأزرق ونهر السوباط إلّا بعد موافقة كل من مصر والسودان، بالإضافة إلى “إعلان المبادئ” الذي وقع عليه الأطراف الثلاثة عام2015، والذي ينص على عدم البدء في ملء بحيرة السد إلا بالتوافق بين الدول الثلاث.
  • عدم تحقيق أي ضرر على دولتي المصب (السودان ومصر): والحقيقة أن العديد من الدراسات أثبتت الضرر المحقق على الدولتين في حالة انهيار السد وهو أمر وارد جدًا بالنظر إلى طبيعة التربة والمنطقة التي بنى عليها السد، سواء إغراق مناطق واسعة في السودان أبرزها مدينة الخرطوم التي ستتحول الى بحيرة في غضون 6 أيام، وغمر سدود الروصيرص وسنار ومروي وتدمير سد جبل الأولياء بالسودان، بالإضافة إلى الخطر المحدق بالسد العالي في مصر.
  • حصول مصر على أكثر مما تحتاج من المياه واهدارها لنصيبها من مياه النيل: والحقيقة أن مصر لديها عجز مائي حيث تشير التقارير إلى أن الاحتياجات المائية لمصر تتعدى الـ80 مليار متر مكعب، بينما يبلغ إيراد نهر النيل السنوي لمصر 55.5 مليار متر مكعب وتبذل الحكومة المصرية جهودًا كبيرة في توفير هذا العجز عن طريق المياه الجوفية والأمطار وتحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي والزراعي.
  • أنّ سد النهضة سيكون منقذًا للمصريين من سنوات الجفاف: عن طريق تمرير هذا السد لمياه إضافية فى سنوات الجفاف لإنقاذ المصريين من العطش، والحقيقة أن سد النهضة قد يتسبب في تقليل منسوب المياه خلف السد العالي، الذي يحافظ على مصر من الجفاف، وبالتالي زيادة شعور المصريين بالجفاف وليس العكس، ويدل على ذلك رفض المفاوض الإثيوبى تمرير كميات إضافية المياه في سنوات الجفاف، حيث يزعم المفاوض الإثيوبي أنّ الجفاف يجب أن يتحمله الجميع بالتساوي، ويتناسى أن سد النهضة هو سبب تأثير هذا الجفاف على مصر.
  • تعنت الجانب المصري في المفاوضات: والحقيقة أن مصر سلكت كل السبل للوصول إلى حل سلمي لأزمة سد النهضة، ولكن الجانب الإثيوبي كان دائمًا ما يتبع سياسة المراوغة كلما اقتربت الأزمة من الحل، وليس أدل على ذلك من موقف الجانب الإثيوبي في مفاوضات واشنطن الأخيرة.

ب – أكاذيب حول تمويل سد النهضة وعوائده:

انتشرت العديد من الأكاذيب والشائعات حول تمويل سد النهضة ومصادره والعوائد المحتملة منه، وفيما يلي أبرز تلك الأكاذيب:

  • سيستفيد المواطنون من شراء السندات، ولن تتحمل إثيوبيا أي دين على المشروع:

بالنسبة لبلد فقير مثل إثيوبيا، فإن اللجوء إلى تمويل مشروع ضخم يحتاج إلى ما يزيد عن 4.8 مليار دولار من أموال الشعب، سوف يؤدي إلى زيادة عبء الدين الداخلي للحكومة الإثيوبية، كما أن الانتقال إلى التمويل الذاتي من المحتمل أن يكون محفوفًا بالمخاطر، مما يقلل من قدرة البلاد على الاستثمار في مشاريع التنمية الأخرى مثل تطوير البنية التحتية والإنفاق على التعليم والصحة.

  • إن السد سيزيد من الحصول على الكهرباء وتحقيق التنمية داخل إثيوبيا: 

لا يزال معظم المواطنين متفائلين بأنهم سيحصلون فوائد كبيرة من سد النهضة، بما في ذلك الحصول على الأرباح من بيع الكهرباء بالإضافة إلى الوصول المضمون إلى مصادر الطاقة، بينما زيادة الوصول إلى الكهرباء لن تتحقق سوى لعدد قليل من السكان، فبالنظر إلى مكان السد يتضح أن معظم طاقته موجهة إلى التصدير وليس إلى الداخل كما يتم الترويج، كما أن بيع الكهرباء للداخل الإثيوبي في ظل أسعار الكهرباء المخفضة لن يحقق العائد الاقتصادي المتوقع من السد. 

  • مشاركة بنوك مصرية وعاملة في مصر في تمويل السد:

واجهت 6 بنوك مصرية (بنك الإسكندرية والبنك العربي والبنك العربي الدولي وبنك القاهرة وسيتي بنك والبنك التجاري الدولي) اتهامات بالمشاركة في تمويل سد النهضة الإثيوبي، عن طريق شراء سندات وأذون خزانة طرحها “المركزي الإثيوبي” لتمويل بناء السد بفائدة 36%، وحسم محافظ البنك المركزي المصري، طارق عامر، الجدل الدائر حول هذا الأمر، وأكد أن هذا الادعاء ليس له أي أساس من الصحة.

أخيرًا، إن حالة الجدل الدائرة حول مصادر تمويل سد النهضة الإثيوبي والعوائد المتوقعه منه ستظل قائمة ما دامت الحكومة الإثيوبية تتعمد إخفاء وتزييف الحقائق، ولكن يظل حجم السد مقارنة بالهدف المعلن منه محل تساؤل وشك في نوايا إثيوبيا الحقيقية من بناء هذا السد الذي كان من الممكن أن يحقق الغرض منه بحجم أقل مما هو معلن بكثير، الأمر الذي يؤكد على أن إثيوبيا تسعى جاهدة بمساعدة أطراف خارجية لتهديد الأمن المائي المصري، وهو ما لن تسمح به القاهرة تحت أي ظرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى