سياسة

مصر والسودان بين وقع التجاذبات ووحدة المصير

في الثاني عشر من مايو الجاري، رفض السودان مقترحًا إثيوبيًا لتوقيع اتفاق جزئي للملء الأول لسد النهضة بحلول يوليو القادم، وأكد السودان من خلال رسالة بعثها رئيس الوزراء “عبد الله حمدوك”؛ موقفه الثابت بشأن أهمية التوصل لاتفاق ثلاثي بين الخرطوم واديس أبابا والقاهرة، قبل بدء الملء الاول لسد النهضة. واعتبر أن توقيع أي اتفاق جزئي للمرحلة الأولى لا يمكن الموافقة عليه نظرًا لوجود جوانب فنية وقانونية يجب تضمينها في الاتفاق ومن ضمنها آلية التنسيق وتبادل البيانات وسلامة السد والآثار البيئية والاجتماعية. 

وبحلول الأسابيع القادمة، ووفقا لوسائل إعلام سودانية، يستعد السودان لتسليم عناصر تنتمي لجماعة الإخوان تم ضبطهم في السودان في فبراير الماضي. ومن بين الذين سيتم تسليمهم للسلطات المصرية 5 من قيادات حركة “حسم” الاخوانية.

ما بين المفارقتين، حديث طويل من الألم، ومحاولات الفصل وخلق العداء بين دولتين يصف علاقتهما الكثير من باحثي حقل العلاقات الدولية بـ “التوأم”، فليس هنالك في المنطقة ولا في القارة السمراء من يتمتع بالخصوصية التي تحظي بها علاقة مصر والسودان. تلك الخصوصية امتصت بشكل كبير حملات الوقيعة والقطيعة، وحجمت خسائرها، وعظمت من مكاسب لحظات التقارب التاريخي. لتصير ديناميكيات علاقة مصر والسودان من محددات الاستقرار الإقليمي والعربي، وكذا إضافة قوة مضاعفة للوزن النسبي العربي في معترك المواجهة الدبلوماسية في العمق الإفريقي خاصة، ولاسيما شرق إفريقيا الغني بالثروة المائية والمطل علي أهم المضائق البحرية ومناطق الاختناقات المرورية بالمنطقة. 

تحولت الخصوصية المصرية السودانية لهدف، تقاطعت عنده مصالح الدول الرئيسية المتنافسة علي الدولة المركز في الإقليم ” إسرائيل – إيران – تركيا”، وشكل انقلاب البشير عام 1989 ووصوله لمقاليد السلطة في السودان، نقطة فارقة في استراتيجيات التنافس الإقليمي بين القوي الثلاث الرئيسية علي السودان، وكذا نقطة تحول في نمط وطبيعة العلاقات المصرية السودانية حيث سادتها في تلك الفترة مراحل من الشد والجذب، كان يقترب فيها سودان البشير من القاهرة، وتصبو القاهرة للخرطوم نحو مزيد من ترسيخ لميراث “تاريخية وأزلية العلاقات والروابط” في نهج التعاطي المشترك حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك ومختلف القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية. لكن أيًا من تلك المحاولات لم ترقَ لتطلعات الشعبين ودوائر الحكم فيهما. وبزغت في ذلك الوقت أهداف للقوي الإقليمية غير العربية، لضرب هذه العلاقة مستغلةً رعونة وهشاشة الأسانيد الأيديولوجية للبشير ونظامه، فهو إسلامي سني الهوى، لكن في نفس الوقت يقيم علاقات استراتيجية مع إيران بالتزامن مع محاربتها في اليمن. 

ومع سيطرة الجبهة القومية الإسلامية علي مفاصل الحكم لثلاثين عامًا، برزت معها إشكالية معقدة عن علاقة الخرطوم بالإخوان وطهران وأنقرة، أهو تحالف سياسي استتر بالعقيدة، أم عقائدي أممي استتر بالسياسي؟. وبطبيعة الحال كان لنظام الجبهة القومية الإسلامية الذي حكم السودان في الفترة 1989- 2019 الأثر البالغ في استفحال التوتر بين البلدين، بدءًا من قيادة الترابي لمظاهرات ضد مصر إبان حرب الخليج الأولى مهددًا بقطع النيل عنها، ثم شروع الجبهة في تأميم المدارس والجامعة المصرية على خلفية العداء للموقف المصري المتحالف مع الخليج ضد غزو صدام حسين للكويت، إذ قوضت الجبهة القومية الإسلامية أي محاولات للتقريب بين العاصمتين، وانطلاقًا من إتمام تقويض التقارب المصري السوداني، دفعت كل من أنقرة وطهران للآتي:

  1. بث العداء بين الشعب السوداني والمصري عن طريق تصدير خطاب عنصري واستعلائي يتم معالجته بصورة إعلامية مرتبكة من الجانبين، ما يدفع نحو استدامة حالات التوتر.
  2. استهداف الشرائح العمرية (18-40) عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتصدير نموذج “الديمقراطية التركية” بنزعة إسلاموية تضعهم في حالة صدام مباشر مع مشروع الدولة الوطنية.
  3. دفق المساعدات الإنسانية والإنمائية وتسيسيها.
  4. تعزيز الترابط الاستراتيجي من خلال توقيع اتفاقات التعاون الأمني والعسكري ومحاولة التموضع عسكريًا من الخاصرة الجنوبية المصرية.

وقد أنتج النهج الإيراني التركي طوال ثلاثة عقود، حاضنة شعبية لأفكاره الأممية بنكهة ثورية حقوقية تصدر العداء لكافة مشاريع الدولة الوطنية بالمحيط العربي، وجملة محصلات أخري أبرزها:

  1. تعطيل مشاريع التكامل الاقتصادي بين مصر والسودان.
  2. فصل السودان جزئيًا عن محيطه العربي وجعله أقرب لطهران وأنقرة.
  3. ضبابية رؤية الخرطوم تجاه القضايا ذات الاهتمام والمصير المشترك كقضية سد النهضة كونها الأبرز في محددات العلاقات بين البلدين.
  4. تحول السودان لنقطة ترانزيت لنقل العتاد والمسلحين من سوريا لليبيا ومنطقة الساحل والصحراء.
  5. تحول السودان عن طريق ميناء سواكن لنقطة ارتكاز للقوات المسلحة التركية علي البحر الأحمر، وهو الأمر الذي تم احباطه فور اندلاع ثورة الشعب السوداني في ديسمبر 2019.

مصير واحد .. عنوان مرحلة جديدة

من منظور تكتيكي، تعاملت الحكومات المصرية المتعاقبة مع السودان طوال ثلاثة عقود وأكثر من منطلق “تقليل الخسائر الاستراتيجية” لوجود “الكيزان” بالحكم، دون عدم السيطرة علي سقف التوترات الناجمة من سلوك البشير من دعم وإيواء للتنظيمات الإرهابية والمسلحة والقيادات الإخوانية فضلًا عن مراوغاته المتناقضة مع القوي الإقليمية بما يهدد الأمن القومي العربي عامة والمصري خاصة. 

يستثمر الظهير المناوئ للدولة الوطنية في السودان والمنتمي فكرًا وعاطفة أكثر للمشروع التركي؛ في الجهود المصرية “لاحتواء” البشير، كونها كانت بمثابة دعامة لحكمه، وفي حقيقة الأمر مصر كانت أولي القوي التي دعمت رغبة الشعب السوداني ومطالبه، ومن قبلهما أمن واستقرار السودان كونه يتصل اتصالًا مباشرًا بالأمن القومي المصري. حيث عبر الرئيس السيسي للقيادات العسكرية والمدنية المختلفة منذ إبريل من العام الماضي عن الدعم الكامل لكل ما يقدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي للسودان.

كما أن أول تعليق لرئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك بعد الزيارة القصيرة التى أجراها رئيس المخابرات المصرية الوزير عباس كامل إلى الخرطوم فى مارس الماضى للاطمئنان على حمدوك بعد تعرضه لمحاولة اغتيال، وعقب الزيارة قال حمدوك: تتمتع العلاقات المصرية -السودانية بتميز غير موجود فى أى علاقات أخرى، وهو المكوّن العاطفى وعلاقة النسب التاريخية بين الشعبين، وهي علاقات وأمور يصعب كسرها مهما حدثت خلافات سياسية.“ابن النيل”، هكذا ينادي الأشقاء السودانيين المصريين، ليؤشر على مدي الترابط في الخلفية الذهنية للشعبين قبل حديث السياسة والأمن والمصالح المشتركة. حيث أثبت السودان انه كلما ينعم في حكم مستقر، ينقشع ضباب الرؤية لديه في الأمور المصيرية، ولاسيما تلك التهديدات الأمنية التي تعرضت وتتعرض لها القاهرة من تنظيم الإخوان الإرهابي، حيث أظهر السودان قدرًا كبيرًا من التنسيق والاهتمام وكذا في ملف القرن بالنسبة للقارة السمراء.. سد النهضة. حيث مثل الرفض السوداني الأخير للمقترح الاثيوبي بملء السد، إدراكًا موزونًا يراعي ليس فقط القانون الدولي ومبادئ التعاون والتعايش السلمي وإنما أيضًا للمصالح المشتركة ومراعاة لحقوق الشعب المصري في الحياة دون تهديد مزعج قبل الإنماء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى