سوريا

روسيا وإسرائيل – سوريا وإيران.. لعبة النفوذ وحسابات المصالح

في نهاية شهر أبريل الماضي، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت بدء مرحلة “طرد إيران” من سوريا، مؤكدًا أن إسرائيل انتقلت من مرحلة كبح نفوذ طهران في سوريا إلى مرحلة إجبارها على الخروج من هناك، “ولن نسمح بتزايد التهديدات الاستراتيجية عبر حدودنا دون اتخاذ أي إجراء”. تصريحات جاءت تعقيبًا من “بينيت” على الضربات الإسرائيلية المتتالية مؤخرًا على مواقع عسكرية إيرانية وأخرى تابعة للنظام السوري يُرجح أن بها قوات إيرانية، في سوريا، والتي أسفرت عن مقتل عدد من المقاتلين الإيرانيين.

ضربات إسرائيلية متلاحقة

الهجوم الإسرائيلي الأخير كان في الرابع من مايو الجاري، إذ شنت طائرات إسرائيلية هجومًا على مركز البحوث العلمية، فيما أفادت وكالة الأنباء السورية أن الدفاعات الجوية السورية تصدت لهجوم إسرائيلي على بعض المستودعات العسكرية في منطقة السفيرة بريف حلب الجنوبي الشرقي، ومنها مركز البحوث، من جانبه أكد المرصد السوري أن انفجارات هزّت مواقع في معامل الدفاع شرق حلب، وأن الغارات استهدفت الفرع 247 بالسفيرة، وأسفرت عن تدمير مستودعات ذخيرة.

البوابة نيوز: سوريا: هجمات إسرائيلية على جنوب البلاد

كما وثق المرصد السوري في اليوم ذاته وقوع قصف إسرائيلي استهدف مواقع لقوات إيرانية وميلشيات موالية لطهران في القورية والصالحية والميادين بريف دير الزور الشرقي، مشيرًا إلى أن القصف خلّف خسائر بشرية تُقدر بنحو 14 من المقاتلين ذوي الجنسيات الإيرانية والعراقية، إضافة إلى عدد من الجرحى في حالة خطرة.

وفي الأول من مايو الجاري أطلقت طائرات هليكوبتر إسرائيلية عدة صواريخ من الجولان المحتل على أهداف في جنوب سوريا طالت مواقع القوات الحكومية السورية والميليشيات الإيرانية قرب الحدود الإدارية بين محافظتي درعا والقنيطرة. وقبلها في 27 أبريل الماضي استهدف قصف جوي إسرائيلي لمواقع لمقرات ومواقع للقوات الإيرانية وحزب الله في مناطق جنوب العاصمة دمشق، وخلّف القصف 4 قتلى من الميلشيات الإيرانية حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. وكذلك في 21 أبريل وقعت غارات إسرائيلية على ريف حمص الشرقي، استهدفت نقاطًا عسكرية للميليشيات الإيرانية في بادية تدمر، وقُتل خلالها 9 مسلحين.

وبلغ عدد الهجمات التي نفذتها إسرائيل على المواقع التي تتمركز فيها الميلشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني في سوريا منذ مطلع الشهر الماضي نحو سبع هجمات، مخلفة أكثر من 30 مسلحًا من القوات الموالية لإيران في سوريا. وتُضاف هذه الهجمات إلى مئات الهجمات التي شنّتها إسرائيل في سوريا منذ بدء الأزمة.

تداعيات الجائحة

قد تكون الفترة الحالية فرصة مهمة لإسرائيل لتحقيق هدفها بإخراج إيران من سوريا والذي حددت له عامًا واحدًا حسب تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي، وذلك في ظل انشغال طهران بتداعيات تفشي فيروس كورونا في البلاد، والذي تسبب في أزمات كثيرة للنظام الإيراني على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على حد سواء.

تعاني إيران حاليًا من أزمة اقتصادية كبيرة أثرت بشكل واضح على الدعم الذي تقدمه لميلشياتها والقوات التابعة لها في العديد من الأقطار، ومنها حزب الله اللبناني والميلشيات المتمركزة في سوريا، فضلًا عن الحد من النشاطات الخارجية لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، مما يجعل استهداف هذه القوات أمرًا سهلًا بالنسبة لإسرائيل.

ويعاني فيلق القدس الذي يشرف على كل الميلشيات التابعة لإيران في سوريا وغيرها من البلدان التي تشهد نشاطًا إيرانيًا منذ اغتيال قائد الفيلق الجنرال قاسم سليماني في الثالث من يناير الماضي في غارة جوية أمريكية استهدفته ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس في بغداد، ويبدو أن خليفته العميد إسماعيل قاآني لم يفلح حتى الآن في ملء الفراغ الذي خلّفه موت سليماني في الشقين الاستراتيجي والتكتيكي.

وفي الوقت ذاته يعاني حزب الله اللبناني من ضغوط شديدة أثرت على نشاطه خلال الآونة الأخيرة، مع تراجع الدعم الإيراني، والمشكلات السياسية الداخلية التي يعاني منها لبنان وخاصة الأزمة الاقتصادية، والتي وضعت حزب الله الذي لعب الدور الرئيس في تشكيل الحكومة الحالية برئاسة حسّان دياب في مواجهة مدفع الانتقادات والاتهامات من المواطنين والسياسيين اللبنانيين على حد سواء، وصولًا إلى القرار الذي صدر مؤخرًا بحظر أنشطة الحزب في ألمانيا، فضلًا عن أن الإجراءات التي اتخذتها الدول بوقف رحلات الطيران قد أثرت على العوائد المالية التي كانت تأتي للحزب، وخاصة من أمريكا اللاتينية. كل هذه عوامل قد تكون هي الدافع وراء تكثيف إسرائيل لهجماتها على القواعد الإيرانية في سوريا في هذا التوقيت.

هل من تنسيق إسرائيلي روسي؟

في تقرير سابق للمرصد المصري تحت عنوان “هل تنبئ تطورات إدلب بانتهاء الدور الإيراني في سوريا“، أشير إلى أن كل خيوط اللعبة في سوريا بيد موسكو، وهي التي تدير المشهد، وأن هناك خلافًا واضحًا بين كل من روسيا وإيران في سوريا، مع اتفاق مواقف كل القوى الدولية والإقليمية على رفض الوجود الإيراني في سوريا وضرورة إنهائه، ولكن زيارة القائد الجديد لفيلق القدس إسماعيل قاآني في مارس الماضي إلى سوريا تؤكد أن هناك تصميمًا إيرانيًا على البقاء في سوريا.

وفي ضوء ذلك لا تبدو روسيا مستعدة للدفاع عن إيران من الضربات الإسرائيلية المتلاحقة التي تكبد طهران -وأحيانًا النظام السوري- خسائر في الأرواح والعتاد، وهو ما يفسر عدم اعتراض الدفاعات الجوية الروسية للصواريخ الإسرائيلية، بعد أن أثبتت منظومة الدفاع الجوي الروسية أرض-جو قصيرة المدى “Pantsir S” عجزها في مواجهة الضربات الإسرائيلية.

كما أن منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة “S-300” من الواضح أنها لم تدخل حتى الآن في خط المواجهة، رغم إمداد روسيا قوات الدفاع الجوي السورية بها في أكتوبر عام 2018، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن المنظومة عجزت عن التصدي للصواريخ الإسرائيلية، إذ أرجع موقع “أفيا برو” الإخباري الروسي هذا العجز إلى التكتيكات الجديدة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي، والتي تم اختبارها بنجاح من قبل الولايات المتحدة. إضافة إلى أن الرادارات المستخدمة في نظامي “S-300″ و”Pantsir S” أثبتت عجزها عن كشف وإصابة الصواريخ الإسرائيلية من طراز “كروز”، وأن الرادارات الصينية فقط هي التي تعمل بنجاح في الكشف عن هذه الصواريخ، وتساعد في التصدي لبعضها.

طرد إيران هدف مشترك

الأرجح أن منظومة “S300” لم يتم تفعيلها وإدخالها في خطوط المواجهة مع الصواريخ الإسرائيلية حتى اللحظة، ويرجع ذلك إلى أن تنسيقًا واتفاقًا بين روسيا وإسرائيل على غض الطرف الروسي عن الصواريخ الإسرائيلية التي تستهدف التمركزات الإيرانية في سوريا. خاصة وأن “طرد إيران” من سوريا هو هدف مشترك بين إسرائيل وروسيا.

منظومة الـ S 300 المرسلة لسوريا تعمق الشرخ الروسي-الإسرائيلي ...

الدولتان اللتان اجتمعتا على إنقاذ نظام الرئيس السوري بشار الأسد أصبحت خلافاتهما الآن واضحة بعد أن تحقق هدفهما نسبيًا باستعادة السيطرة السورية على كامل التراب؛ إذ أصبح الخلاف الآن على النفوذ في سوريا بعد الحرب، كما أن روسيا تريد أن تجني أرباح تدخلها لصالح الأسد في 2015، ومنها الأرباح الاقتصادية التي ستتأتى في صورة إعادة إعمار البلاد التي دمرتها الحرب.

ولن تكون إعادة الإعمار ممكنة في ظل وجود إيران وميلشياتها المغضوب عليها من دول العالم كلها، ولا سيّما القوى التي سيكون منوطًا بها الضخ باستثمارات إعادة الإعمار، وخاصة دول الخليج التي تُعد طهران عدوها الرئيس، والتي ترفض حتى الآن مد يد العون إلى لبنان بسبب استمرار سيطرة حزب الله على مفاصل الدولة اللبنانية وحكومتها. ولذلك تستفيد موسكو من الضربات الإسرائيلية المستمرة على القواعد الإيرانية، والتي طالت في بعضها مراكز تابعة للجيش السوري، وقد تهدف روسيا من وراء ذلك بجانب زيادة الضغط على إيران لسحب قواتها والفصائل التابعة لها من سوريا، إلى تغيير استراتيجية الأسد في التعامل مع الموقف، واللجوء بشكل أكبر إلى السياسة، وبسبب هذا قد نجد في الفترة المقبلة خلافات عميقة بين روسيا والنظام السوري قد بدأت ملامحها في الظهور الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى