كورونا

“فورين أفيرز” : فشل الحكومة الأمريكية في التعامل مع “كورونا” بات كارثيا ووفيات الفيروس تجاوز ضحايا حرب فيتنام

عرض -محمد هيكل

أكد جون فارمير جونيور مدير معهد “إيجلتون” للسياسة بجامعة “روتجرز” الأمريكية أن فشل الحكومة الأمريكية بات كارثيا وأصبح واضحا بشكل متزايد مع وفاة الآف الأمريكيين بفيروس “كورونا” كل يوم.
وذكر جونيور ، في مقال له منشور في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية ، أن الولايات المتحدة تركت دون حماية مثلما حدث في الهجوم على “بيرل هاربر” وهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
وقال مدير معهد “إيجلتون” للسياسة بجامعة “روتجرز” إن عدد الوفيات الناتجة عن الإصابة بفيروس كورونا في الولايات المتحدة تجاوز عدد الوفيات المسجلة خلال 18 عاما من الحرب الفيتنامية، واصفا النتائج التي أسفر عنها فيروس “كورونا” بالمذهلة.
وأضاف أن الولايات المتحدة تخسر تقريبا كل يومين نفس عدد المواطنين الذين خسرتهم بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر وأن التقديرات الواقعية تشير إلى أن عدد الوفيات المتوقعة بسبب جائحة كورونا سيتجاوز عدد الوفيات القتالية في الحربين الكورية والفيتنامية مجتمعتين.
واعتبر أن الحكومة الفيدرالية فشلت في واجبها الدستوري الأساسي وهو ” توفير الدفاع المشترك”، على الرغم من التخطيط المكثف من الإدارات الرئاسية وكلا الحزبين لكن عندما ضرب الوباء كانت السلطات على جميع المستويات سيئة التنظيم وغير مستعدة في غياب واضح للأدوار الدولية والفيدرالية والمحلية المحددة بوضوح.
وأوضح مدير معهد “إيجلتون” للسياسة بجامعة “روتجرز” الأمريكية أن الفشل في احتواء الوباء وفي تطبيق الكشف الموسع ترك البلاد في جهل شديد حول مدى انتشار المرض ومسبباته.
وأشار إلى أن المحافظين أجبروا ، بمختلف الولايات الأمريكية ، لإصدار قرارات البقاء في المنزل للمواطنين، الأمر الذي وضع الاقتصاد الأمريكي في غيبوبة ” ذاتية السبب” مع عدم وجود منظور واقعي عن كيفية التعافي فيما بعد على المدى القريب.
وأفاد بان الولايات المتحدة تواجه أخطر تهديد للصحة العامة منذ جائحة إنفلونزا عام 1918 وأعمق كساد اقتصادي لها منذ الكساد الكبير بالتزامن مع ذلك واجه المجتمع الذي يعتبر الأغنى والأقوى في تاريخ البشرية صورا للكوادر الطبية وهم يعملون مرتدين أكياس القمامة البلاستيكية أثناء عملهم لأن معدات الحماية الأساسية نفدت منهم وأن العائلات أجبرت على توديع أحبائها وأفرادها المصابين عبر الهواتف المحمولة وشاشات الكمبيوتر.
ورأى كاتب المقال أنه من حق الأمريكيين أن يعرفوا ما الخطأ الذي حدث وكيفية تفادي مثل هذه المأساة بالمستقبل، مضيفا :”التاريخ يقول لنا إن الطريقة المثلى لفهم ما جرى تكون عن طريق إنشاء لجنة تحقيق مستقلة لتحقق في كيفية انتشار الوباء والتحقق من رد فعل المسؤولين في الولايات المتحدة والدول الأخرى من ثمة وضع توصيات وخطوات تتبع من قبل الحكومة والقطاع الخاص والأفراد في الولايات المتحدة وفي كل مكان لتفادي الكارثة عندما يتفشى مرض جديد.

دروس من لجنة 11 سبتمبر

وقال مدير معهد “إيجلتون” للسياسة بجامعة “روتجرز” الأمريكية إنه ربما كانت أكثر التحقيقات حول الفشل الحكومي نجاحا هو التحقيق الصادر عن اللجنة الوطنية للهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة المعروفة باسم لجنة 9/11، خلال عملي كمستشار للجنة تم تكليفي لقيادة فريق لإعادة بناء الأحداث وفقاً للوقت الزمني الدقيق لحادث 11-9 وتقييم قدرة الدولة خلال وقت الطوارئ ومدى الاستعداد ومناسبة رد الفعل.
وأضاف أن اللجنة كانت مشكلة من الحزبين، خمسة مفوضين جمهورين وخمسة ديمقراطيين، وبفضل التوجيه القوي من رئيسي اللجنة المتشاركتين في قيادتها تومس كين ولي هاميلتون ، كان التقرير موضوعي وغير متحيز حيث اعتمد على قراءة الحقائق الأساسية في شرح واضح ومقنع مجرد من أي أحكام مسبقة وأصدر التقرير توصيات قيمة مبنية على الحقائق من أرض الواقع.
وذكر أنه أثناء قيامها بعملها كانت اللجنة حريصة على عدم التدخل في الصراع الحكومي المستمر مع الإرهاب وأن التقرير تمت كتابته ليستوعبه الجمهور وكانت نتائجه هي محصلة لتوافق أراء الخبراء باللجنة واعتمد المفوضون التقرير النهائي بالإجماع.

وقال مدير معهد “إيجلتون” للسياسة بجامعة “روتجرز” الأمريكية إنه لكي تنجح لجنة ( كوفيد-19) يجب أن تكون هذه الصفات موجودة فيها لكنها لن تكون كافية حيث يختلف الوضع الحالي بشكل كبير عن 11 سبتمبر.
وأضاف :” كان لدى لجنة 11 سبتمبر رفاهية الوقت والإجتماع بعد إنتهاء حالة الطوارئ المرتبطة بالحادث، على النقيض من ذلك في أزمة كورونا فإن الألاف يموتون يوميا ومن المرجح أن تستمر لأشهر ربما لسنوات، لا تستطيع الدولة والعالم من الانتظار حتى انحسار عدد الوفيات أو التخفيف عن الكوادر الطبية في الخطوط الأمامية قبل الاستعانة بالخبراء لإعطاء نظرة دقيقة ومعمقة”.
وذكر أن لجنة الحادي عشر من سبتمبر كانت نتاجا لتعاون الحزبيين في الفترة من 2002 إلى 2004 وهي الفترة التي تم فيها إنشاء اللجنة ومباشرة عملها وبرغم من أن الكونجرس كان مستقطبا لكنه ظل قادرا على العمل كهيئة موحدة من أجل المصلحة العامة، معتبرا أن البعض يعتقد أن الكونجرس يستطيع اليوم لعب نفس الدور ومن الممكن أن يُخضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتحقيق الرسمي عن طيب خاطر.
وأكد ضرورة تشكيل لجنة تحقيق متكاملة التمويل ولها صلاحية الإجبار على الشهادة وجمع الأدلة بحرية، مؤخرا تم تقديم تشريع قد يخلق لجنة على هذا النحو وهو ما سيكون أمرا مرحبا به.
وقال إنه لا ينبغي على أحد أن يحبس أنفاسه حتى يتخذ الكونجرس إجراء، لكن يجب على المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص أن يأخذوا زمام المبادرة في إنشاء لجنة مستقلة لتحقيق في أوجه القصور في الاستجابة الوطنية على مستوى الولايات المتحدة والاستجابة العالمية والحالة الحالية للبنية التحتية والمعدات الأزمة للاستجابة ومجابهة تلك الأوبئة مستقبلاً.
وأشار الكاتب إلى ضرورة الإجابة على السؤال الحاسم حول كيفية إعادة تشغيل الاقتصاد دون تعريض الصحة العامة للخطر ؟ يجب أن تكون هذه اللجنة مشكلة من مجموعة من المؤسسات البحثية المستقلة المحترمة وتمول من المؤسسات الخاصة والمتبرعين.
وذكر أن اللجنة يجب أن تضم كبار العلماء والمتخصصين في مجالات واسعة النطاق مثل إنتقال الأمراض الحيوانية والهيكل القانوني في الإستجابة لحالات الطوارئ، وتطوير بروتوكولات الإختبار والحجر الصحي وتتبع الإتصال.
وأوضح أنه على عكس لجنة 11 سبتمبر يجب أن تكون لجنة كوفيد-19 عابرة للحدود في تكوينها، مما يعكس تجاهل المرض لحدود السياسية ، إدراج المؤسسات والخبراء من جميع أنحاء العالم سيسمح ببلورة أفضل وتصفية فعالة للأفكار ونشر أفضل للممارسات.

استقصاء عالمي


وقال مدير معهد “إيجلتون” للسياسة بجامعة “روتجرز” الأمريكية إن هناك سابقة لمثل هذا المشروع الخاص بالأساس، ففي أعقاب الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2000 التي وصلت لطريق مسدود تم تشكيل اللجنة الوطنية لإصلاح الانتخابات الفيدرالية وتمويلها من قبل عدد من المؤسسات الرئيسية.
وأضاف أنه تشارك في رئاسة تلك الجنة الرئيسان السابقان جيرالد فورد وجيمي كارتر ومركز ميللير بجامعة فيرجينيا كمؤسسة بحثية، لافتا إلى أن اللجنة المكونة من الحزبين اعتمدت على عمل الخبراء في صياغة وتعزيز الإصلاحات الانتخابية الفيدرالية المهمة.
وأوضح أنه وبالمثل ينبغي أن تكون لجنة كوفيد-19 مكونة من خبراء تتوافق مهامهم مع مراحل الوباء المختلفة، على سبيل المثال، ستركز مجموعة واحدة على قضية الانتشار العالمي للفيروس مثل أصول وطبيعة الفيروس وأسباب عدم إحتوائه بعد موجته الأولى في الصين، والاختلافات في قدرات مختلف البلدان على إجراء أختبارات للكشف عن المثابين في المراحل الأولى من أنتشار الوباء وطرق مجابهته في الدول وأداء منظمة الصحة العالمية.
وأضاف أن فريقا أخر يركز على رد الفعل الأمريكي والبحث حول كيفية دخول الفيروس للبلاد ومدى جاهزيتنا في ذلك الوقت، وكيفية التخطيط المسبق لمواجهة الأوبئة والخطط السابقة ( في عهد إدارة أوباما و إدارة جورج بوش كذلك) مدى ناجعتها بالإضافة إلى الإختبارات والفحوصات والتأخر فيها وطرق مراقية الإنتشار.
وقال إنه يجب على الفرق كذلك أن تنظر في مدى ملائمة النماذج البيروقراطية المتمحورة حول الدولة لمواجهة التهديدات التي لا تتوافق مع الحدود السياسية والقدرات التصنيعية والإنتاجية للدولة في حالة الطوارئ، بالإضافة إلى مستوى أستعداد قطاع الصحة ومدى ملائمة التجهيزات الطبية وجاهزية المستشفيات وقدرتها على مواجهة مثل هذا الأمر، لكن يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن تجيبنا عليه الفرق المسؤولة عن التحقيق في الولايات المتحدة هو كيفية تخفيف القيود المفروضة على النشاط الاجتماعي والإقتصادي والتي فرضتها معظم دول العالم منذ شهرين دون أن تضر بالصحة العامة.
وقال إنه بشكل عام يجب أن لا يكون هدف الفرق المشاركة بالتحقيق بالضرورة إصدار تقرير شامل مثل التقرير الذي أصدرته لجنة 11 سبتمبر، بدلاً من ذلك يجب أن تقوم الفرق باصدار التوجيهات والتوصيات حول كل موضوع بمجرد أن تنتهي من دراسته بشكل منفصل، من الناحية المثالية، يجب أن تكون نتائجهم تطلعيه إلى أقصى حد ممكن وبعيدة كل البعد عن لوم أي طرف أو توجيه أصابع الاتهام ، على أن يكون المضمون غير متحيز.
وأضاف أن وجود هذه اللجنة خارج الحكومة سيحد بالطبع من قدراتها المحتملة، فمثلاً ستفتقر السلطة للاستدعاء التي كانت ضرورية للجنة 11 سبتمبر لاستكمال تحقيقاتها، لكن هذا الإنفصال سيمكن لجنة كوفيد-19 الخاصة من التنظيم والتصرف في الوقت الفعلي وقد يعمل بشكل جيد على تعزيز مصداقية اللجنة لدى الجمهور علاوة على ذلك فإن عملها سيكشف عن الفجوات المعرفية التي من شأنها أن تبني قضية عامة لإنشاء هيئة تحقيق كاملة التكوين مع سلطات قانونية مثل سلطة الإلزام بالشهادة وسلطة الحصول على الوثائق الرسمية.

النار في المرة القادمة

وقال مدير معهد “إيجلتون” للسياسة بجامعة “روتجرز” الأمريكية إنه عندما تقع الكارثة، من المغري دائماً رؤيتها على أنها حدث لمرة واحدة والتحذير من الإفراط في تعلم دروس خر مرة.
وأضاف أنه صحيح أن جميع الأزمات تؤدي إلى عواقب مختلفة مع ذلك يمكن لقضايا التأهب والإستجابة أن تحمل خصائص مشابهة بشكل ملحوظ من أزمة إلى أخرى.
واستشهد الكاتب بالنقص الحالي في القدرة على الإختبار في الولايات المتحدة ونقص مخزون معدات الحماية الطبية والشخصية قي البلاد بإنخفاض قدرة الدفاع الجوي الأمريكية في السنوات التي سبقت 11 سبتمبر.
وقال إن شحن وزارة الخارجية الأمريكية أجهزة التهوية والتنفس إلى الخارج عندما كان هناك حاجة ماسة لها من قبل مراكز مكافحة الأمراض الوبائية هو خير دليل على خطر الصوامع البيروقراطية الأمر ذاته يذكرنا كذلك بفشل وزارة الخارجية في تقديم المشورة لهيئة الطيران الفدرالية قبل هجمات 11 سبتمبر وإبلاغها بمجموعة من الأشخاص المحظور عليهم السفر ربما كان ليغير الواقع.
وأضاف أن لجنة كوفيد-19 ستقيم وتحقق في المشكلة بشكل خاص وعليها الوصول لنتائج موضوعية بصورة سريعة ،تمكننا من إكتشاف أوجه القصور وإصدار توصيات عن كيفية تجنبها في المستقبل، عليها أيضاً أن تكتشف طرق جديدة للتعامل الحكومي مع مثل هذه الأزمة على مختلف المستويات وهو ما من شأنه أن يساهم في خلق منظور سليم مستنير يساعد في عملية أتخاذ القرارات الحاسمة، باختصار ستقدم اللحنة خارطة طريق لحكومة الولايات المتحدة في الوفاء بواجبها الأساسي بموجب دستور الولايات المتحدة وهو استعادة “الهدوء المحلي” وتوفير ” الدفاع المشترك” الذي كان يفتقر إليه بشكل مأساوي خلال هذا الوقت جسيم الخطورة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى