مقالات رأي

كنوز “الاختيار”.. رسائل تقود نحو إحياء القيم المصرية

تتوارى بين زحام الحياة والأيام أحداث جسام، كانت في توقيتها لحظات ومواقف فارقة في مستقبلنا، وأصبحت فيما بعد ضمن التاريخ القريب البعيد المنسي في وسط تحولات الذات والوعي الفردي والجمعي، ويظل ضمير الأمة الحي دون زوال هو قيمة الاختيار الذي تمسكنا به رغم ما أحاط بنا من تهديد. وفي هذه الروحانيات الرمضانية الممزوجة برغبتنا في تجاوز خطر كورونا المستشري حول العالم، تعيد مصر إحياء إنسانيتها والكشف عن خزائن أسرارها التي تحوي الكثير من الكنوز، ويأتي الاختيار بين “منسي” والمنسي شاهدًا على عظمة تلك الإرادة التي لا تهاب وتخشى في سبيل الوطن إلا الله، ولتؤكد أن درع وسيف وجناح التنمية لم ولن ينفصل عن نسيجه الشعبي الذي ينبت في قلبه.

وقد كشفت سردية الاختيار عن حال إقليم مضطرب، تعيش فيه الدولة المصرية منذ سنوات طويلة، تسعى أن تتجاوزه بشعبها إلى بر التنمية والسلام، إلا أن أيادي الشر ترفض أن تتركها تتفادى ما تحيكه من شر للإنسانية. فبين طامعٍ في ثرواتها حاقدٍ على استقرارها، وآخرٍ باحثٍ عن ذاته الضائعة بين كتابات مشوهة بالكره وغياب الإدراك، وثالثٍ بائعٍ لوهم الدولة الدينية ولكن دينها هو رغباته وشهواته لا لله فيها من شيء. وكل منهم يسعى لاستخدام الآخر للوصول إلى غايته، ثم يبحث سريعًا عن أرخص وسيلة للتخلص منه؛ كي يحفظ سره وحكايته بعيدًا عن النور، ولكن اختيار مصر كان الوقوف لهم بالمرصاد وأقسم أبناؤها على ذلك.

ونجح الاختيار في إعادة تشكيل الوعي الجمعي الوطني لدى المصريين، والذي لم يغب وإن انخفض في لحظات، فقد جسد أبطاله حالة المجتمع المصري خلال واحدة من أسواء الأعوام على الاطلاق -إبان فترة حكم التنظيم الإرهابي- انطلاقًا من أزمات الطاقة والإنارة، ومرورًا بمسيرات التأييد المطلق من أنصاره دون وعي لدعم قرارات المرشد لشاغل منصب الرئيس، وصولًا لإطلاق تحالف الشر هجمات إجرامية على الجنود المصريين المرابطين لحماية الوطن، كذلك سعيهم لربط مصر بمشروعهم لبناء خلافة دينية يتولى زمامها من يبرز كنابغة بين تلك الخلايا الإرهابية والعناصر التكفيرية. ليعيد للمصريين روح “تمرد” ويؤكد أنهم كانوا على صواب في اختيارهم القاضي بإسقاط حكم هذا التنظيم. 

ونقل “الاختيار” المشاهدين الى قلب أحداث لم يكن السماع عنها بقيمة رؤياها بالعين، فالملاحم التي سطرها أبطال قواتنا المسلحة والشرطة المدنية تقف شاهدةً على حجم التضحيات التي يقدمها أبناء مصر على بواباتها شرقًا وغربًا وعلى كافة الاتجاهات الاستراتيجية، وأن عقيدة العسكرية المصرية قائمةً على ثوابت لا يستطيع أحد المساس بها. وبذلك فقد أصبح رسوخ تلك العقيدة في وجدان قواتنا المسلحة هو ضمانة صونها لمقدرات الدولة المصرية، وأنها العامل الأهم لرفض ولفظ أية محاولات للتأثير على عقيدة وهوية جيش مصر الوطني، ويشهد على ذلك أنها لفظت “عشماوي” وكل من تحول عن دوره وثوابت الجيش المصري، فلا مكان لأي منهم داخل المؤسسة الوطنية المصرية.

وتتمثل القيمة الأبرز للاختيار في رسالة مصرية أصيلة مفادها “رد الجميل“، وتكريم أرواح شهداء الذين تصدوا بأرواحهم لضربات الإرهاب الغادر، متمسكين بشرف أن يبذلوا الغالي والنفيس فداءً لسلامة هذا الوطن. وها هو الاختيار ينشر روايات بطولاتهم وملاحمهم في عقول وأرواح المصريين، ليجنوا دعواتهم ورحماتهم وتمسكهم بالاختيار الذي قدموا أنفسهم ثمنًا له، ولتضج مجالس المصريين في رمضان بسيرهم وسيرتهم. ولتمنح تلك القيمة محاولةً لتعويض أسر الأبطال -رغم أن أرواحهم لا تقدر بثمن- عن فقدانهم، فهي مبادرة وطنية مصرية لإحياء سير البطولة والتضحية والتمسك بشرف حفظ كيان وسلامة الوطن، وتقديرًا لاختيارهم افتداء مصر بأرواحهم وألا يتهاونوا في صد أي شر حاول أن ينال منها.

وبينما نجح في تحفيز عملية الاصطفاف الشعبي خلف النموذج الوطني المتمسك بحماية مصر، فقد أحدث الاختيار حالة من فقدان الاتزان داخل الدوائر المعادية للدولة المصرية، وعلى رأسها صفحات ومواقع وقنوات تنظيم الاخوان المسلمين وتيارات التأسلم السياسي. ولم يقترن ذلك ببدء بث الاختيار، بل أطلقت تلك الأبواق دعوات استباقية لوقف تصوير الاعمال التليفزيونية بداعي الالتزام بمواجهة كورونا، ثم بدأت برامج التنظيم الإرهابي -التي تبث من تركيا وقطر- في محاولة غسل أيدي الإرهابي “هشام عشماوي” من الجرائم الإرهابية التي أرتكبها بأموال ورعاية تلك الدول. ليقدم الاختيار في نهاية إحدى حلقاته، وتحديدًا الخامسة، اعترافات مسجلة لعشماوي يعترف فيها بارتكابه للهجمات الإرهابية التي طالت الدولة المصرية فيما سبق، وأن اختياره كان العنف والتطرف والإرهاب في وجه الآمنين.

وبتوالي حلقات الاختيار تصاعدت حدة الهجوم على الدولة المصرية، مما لا يدع مجالًا للشك بأنها كانت كالرصاصات بصدور من عكفوا لسنوات يحاولون إدارة حرب نفسية ضد المجتمع المصري، ولتسقط برامج ومشروعات خبيثة استهلكت تمويلات مليونية لزرع أفكار سلبية تقود الى تشويه وإضعاف تماسك الشعب المصري، وهز ثوابته الوطنية وثقته في مؤسساته. وبذلك فقد أكد الاختيار أن علاقات المصريين ومؤسساتهم غير قابلة للتبدل، وأن الظهير الشعبي على أتم الاستعداد لدعم الدولة بوجه أية محاولات للتشوية، دعمًا قائمًا على الاقتناع ونشر الحقائق وبث الامل.وأخيرًا، يمكن القول إن الاختيار، وما شكلَّه -في ظل المحنة العالمية- من حالة إيجابية وطنية لدى متابعيه في مصر وخارجها، قد أدى دوره ومازال يؤديه، ويبقى الأهم توطين قيم “الاختيار” لدى أوطاننا الصغيرة في كل عائلة وأسرة وفرد، فهي ثوابت أثبتت التجربة أن الحاجة إليها تمتد بين الجيوش الوطنية إلى الشعوب والمدنيين، ولعل اختيار30يونيو يبرز شاهدًا أن الاختيار الجمعي الذي تمسك به المصريون كان أولى خطوات الطريق نحو استعادة مصر، ووضعها على مسار الدولة الوطنية الجامعة لأبنائها، والحامية لمصالح شعبها دون تردد، والقادرة على ردع كل من يسعى للمساس بهويتها أو أمنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى