العراق

هل سيشهد الكاظمي السيناريو الذي شهده سابقوه؟

يشهد العراق أزمة في تشكيل الحكومة منذ استقالة عادل عبد المهدى في التاسع والعشرين من نوفمبر2019 نتيجة الاحتجاجات التي شهدتها الدولة في أكتوبر نظرًا لسوء الإدارة الحكومية ونقص الخدمات العامة، رغم الموارد الهائلة التى يتمتع بها العراق، حيث تعاني الدولة من أزمة سياسية في إدارة شؤونها نظرًا لتعدد طوائفها وأجندتها المتضاربة، وعدم التفكير في سيادة الدولة وبقائها بل التنازع على السلطة والصراع على مواردها، مما أدى إلى أزمة اقتصادية وصحية جراء وباء كورونا، إضافة إلى تعقيدات مستمرة منذ أكثر من خمسة أشهر لتشكيل حكومة تقوم على شؤون الدولة وتحقق مطالب مواطنيها، وباءت جهود التشكيل السابقة بالفشل أكثر من مرة، إلى أن تم ترشيح مصطفى الكاظمي رئيس المخابرات العراقية. في ضوء ذلك ستناقش الورقة الأسباب التى دفعت إلى فشل رؤساء الوزراء المكلفين في السابق، وموقف القوى السياسية والحزبية من الكاظمي، إضافة إلى تطلعات الكاظمي القادمة في حال منحه الثقة من قبل البرلمان.

أسباب فشل جهود التشكيل السابقة

بعد اعتذار عدنان الزرفي عن تشكيل الحكومة في العراق، كلف الرئيس برهم صالح رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي بتشكيل الحكومة في التاسع من أبريل 2020، ومن المقرر عرض الحكومة على البرلمان قبل انتهاء المدة الدستورية المحددة لذلك في الثامن من مايو، ويعد الكاظمي ثالث رئيس وزراء مكلف بعد استقالة عادل عبد المهدى واقتراح كل من محمد توفيق علاوى وعدنان الزرفى لتشكيل الحكومة واللذين باءت محاولاتهما بالفشل.

فقد واجه محمد توفيق علاوى اعتراضًا من قبل القوى السياسية على منهجية اختيار الوزارة، وعدم الانفتاح على الكتل السياسية المختلفة نظرًا لرغبته في تشكيل حكومة تكنوقراط، ولم يكن ذلك السائد في البيئة السياسية بالعراق، فقد رفضت الأحزاب واعتبرت ذلك تهديدًا لميثاق النخبة والنظام العراقى.

أيضًا فشل الزرفي في تشكيل الحكومة بعد اقتراحه من قبل الرئيس برهم صالح في 16مارس، ولم يكن هناك اتفاق على آلية اختيار الزرفى، إضافة إلى عدم التوافق على شخصية الزرفي من قبل الكتل الشيعية، وقد تم توجيه انتقادات إليه من حيث حمله للجنسية الأمريكية.

إلا أن بعض الاتجاهات رأت أن الزيارة التى قام بها إسماعيل قاآنى قائد فيلق القدس الجديد إلى العراق هي التي حسمت الموقف الخاص بالزرفي قائلا إن “طهران لم تكن تعارض الزرفي وإنما تعارض من يعارض إيران في العراق”، ومن ثم لم يتمكن الزرفى من تشكيل حكومته وعرضها على البرلمان. إلا أن ذلك كشف عن أزمة في البيئة السياسية العراقية نتيجة تعدد القوميات والكتل السياسية بها وتدخل القوى الخارجية في شؤونها، مما يؤثر على وحدة الدولة العراقية في مواجهة أزماتها، وعدم استقرار أنظمتها.

ربما يختلف الأمر بالنسبة لرئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي من حيث حصوله على إجماع شيعى ومباركة سنية كردية، لكن تكمن الإشكالية معه في التوافق على حصص الكتل السياسية في الحكومة القادمة، حيث تكشف الاجتماعات عن إصرار على وزارات وأسماء بعينها، إلا أن قدرته على تحقيق التوازنات بين الأطراف المختلفة الداخلية والخارجية هو السبيل الوحيد لتمرير حكومته ومنحها الثقة.

الموقف من رئيس الوزراء المكلف

وفقا للعرف السياسي السائد في العراق يتعين على رئيس الوزراء توزيع الحقائب بين الشيعة والسنة والأكراد دون أن يكون لأي من القوى حق اختيار مرشح ما لشغل حقيبة بعينها، كما أن للقوى الشيعية النصيب الأكبر في جميع الحكومات المتعاقبة منذ 2003، لذلك تم تخصيص 11 وزارة للشيعة و6 للسنة و3 للأكراد و2 للأقليات لكل من التركمان والمسيحيين، وفقًا لالتزام رئيس الوزراء باختيار أعضاء الحكومة وفقا لحجم القوى المذهبية بنظام الأغلبية والأقليات. 

إلا أن هناك خلافات بين الكتل السياسية حول وزارات الداخلية والدفاع والنفط والكهرباء والمالية، وشرط كردي بإبقاء على وزير المالية الحالى فؤاد حسين، بينما ترفضه القوى الشيعية. واعتراض من الشيعة على آلية تقسيم الوزارات بين ما هو سيادي وخدمي مثل الإصرار على أن تكون الداخلية من حصتهم، بينما يريد السنة وزارة الدفاع والأكرد وزارة المالية.

 إضافة إلى اعتراض من قبل التركمان على استحداث وزارة المرأة وترشيح وزيرة لها لا تمثلهم، وخلاف مسيحي-مسيحي حول من يشغل وزارة الهجرة، ورفض من كتلة الفتح بتمسك عمار الحكيم بوزارة البترول.

أي تشهد حكومة الكاظمي تعثر في المفاوضات مع الكتل السياسية لا سيما الشيعة التى طالبته بالعمل وفقًا لمبدأ المسطرة الواحدة وهنا يبرز اتجاه بأن الشيعة تعول على بقاء عادل عبد المهدي في الحكومة وسحب استقالته لذلك تستمر في المماطلة، لكنه السيناريو الأكثر صعوبة في ظل الاحتجاجات التي شهدتها العراق في أكتوبر وأدت إلى استقالته، بينما منح السنة والأكراد الكاظمي تفويضًا كاملًا لاختيار تشكيلته الوزارية.

أما عن موقف التنظيمات المسلحة لم يدعم حزب الله ترشيح الكاظمي ووصفه بشخصية مشبوهة لتشكيل الحكومة القادمة، بينما أيدت كتائب الأمام علي على لسان الأمين العام شيبل الزيدى أن هدفهم دعم العملية السياسية والحفاظ على مصالح الأغلبية والعملية الديمقراطية من أجل عراق أفضل.

فضلا عن عدم قبول للكاظمى من قبل الحشد الشعبى موجه إليه اتهامًا بقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، حيث أذاع التلفزيون العراقي بيانًا مسجلًا مسبقًا لزعيم الحشد الشعبي والذي اتهم فيه الكاظمي بالتجسس لصالح الأمريكيين والتواطؤ في عملية القتل، كما أن هناك نية من قبل نوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون ببذل جهود سياسية ونيابية لرفض تمرير الكاظمي كورقة ضغط للحصول على حقائب وزارية.

إلا أن الكاظمي استطاع تقديم برنامج حكومته في التاسع والعشرين من أبريل إلى البرلمان وسيتم دراسته من قبل اللجنة، ثم عقد جلسة للتصويت على منح الثقة.

أولويات رئيس الوزراء المكلف

وفقا لما جاء في كلمة الكاظمي في ضوء اختياره كرئيس مكلف للحكومة، والتي لم تختلف عن كلمات سابقيه من حيث الشعارات السياسية المؤثرة، لكن تبقى قدرته على التغيير في حال منح الثقة للحكومة هي العامل الحاسم في نجاحه كرئيس للحكومة.

وقد جاء في رؤيته من حيث تسلسل حديثه التركيز على مواجهة الأزمة الصحية الحالية وكذلك الوضع الأمني ثم الأزمة الاقتصادية والعلاقات الخارجية.

فقد تعهد على المستوى الداخلي بحكومة خادمة للشعب بالفعل وليس القول، لن تكون حكومة غرف مغلقة أو معزولة، بل ستكون خط الدفاع الأول لحماية العراقيين من خلال رعاية المتضررين من حظر التجوال، إضافة إلى حماية الكوادر الطبية والأجهزة الأمنية وتوفير الميزانية اللازمة لحماية الصحة العامة.

وتم التأكيد في أكثر من كلمة على الحفاظ على السيادة العراقية، وفيما يخص قضية السلاح فأكد على أنه اختصاص الدولة من حيث الجيش والشرطة والحشد الشعبى والبشمركة وليس الفرد أو المجموعات، إضافة إلى تحريك عجلة الاقتصاد وتوسيع الاستثمارات وتنويع الدخل، وتشجيع الصناعة والزراعة والتجارة، وحماية حقوق المواطنين.

كذلك يهدف إلى نجاح العلاقات الخارجية من خلال التعاون والتوازن في العلاقات سواء في المنطقة أو العالم انطلاقا من مبدأ سيادة العراق أولًا، ومحاربة الفساد وإعادة النازحين.

ختامًا يمكن القول إن السناريو الأرجح في ضوء ما سبق هو نجاح الكاظمي في تشكيل الحكومة ومن ثم منحها الثقة في البرلمان، كما أنه السناريو الذي لا مفر منه في ظل الأزمات التي يشهدها العراق ومأساوية الوضع هناك وعدم احتماله للمماطلة من قبل القوى السياسية، كما يعول الكثير على خلفية الكاظمي السابقة فهو رئيس للمخابرات العراقية منذ2016، تحت رئاسة كل من حيدر العبادي وعبد المهدي، ومن ثم لديه القدرة على إدارة الدولة داخليًا وتحقيق التوازن في العلاقات مع إيران وأمريكا في المشهد العراقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى