ليبيا

المرتزقة السوريون لصحيفة “ذا انفستجيتف جورنال”: تركيا خدعتنا في ليبيا!

بعيدًا عن دينامية وطرق التنفيذ، تتسم عمليات إرسال المرتزقة السوريين من شمال غربي سوريا إلى ليبيا بواسطة الاستخبارات التركية ووسائطها من شركات الطيران المدني والنقل البحري، بالكثير من التعتيم على تداول المعلومات بشأن أسماء هؤلاء المرتزقة وفيالقهم في سوريا، وطرق وأماكن إعاشتهم داخل ليبيا، داخل أوساط الأجهزة المعنية التركية، ومثيلاتها في حكومة الوفاق. وبالرغم من تناول العديد من الصحف لعمليات نقل وإرسال المرتزقة السوريين لليبيا، إلا أن واحدة من تلك الصحف أولت اهتمامًا نوعيًا بهذه القضية تحديدًا، واستطاعت الاقتراب أكثر فأكثر من كواليس عمليات الإرسال، بل الذهاب مباشرةً لشمال سوريا، ومحاورة قادة الفصائل المسلحة التي أذعنت إليها الاستخبارات التركية بإرسال عناصرها للسفر لليبيا.

إنها صحيفة “ذا انفستجيتف جورنال” البريطانية، حيث نشرت الصحيفة عشرات التحقيقيات الاستقصائية حول إرسال تركيا للمرتزقة السوريين لليبيا، ونوعية تسليحهم، وخلفياتهم الايديولوجية، وسُبل إعاشتهم وممارستهم لأعمال القتل ضمن صفوف الميليشيات العسكرية لحكومة الوفاق. واللافت، كان اعتماد الصحيفة البريطانية على الصحفية الأمريكية الاستقصائية “ليندزي سنيل”.

حيث أجرت العديد من المقابلات الميدانية مع أباطرة الإرهاب في سوريا فلطالما عُرِف عن “ليندزي سنيل” صلاتها الوثيقة ببعض قادة الفصائل المسلحة بالشمال السوري، كما نفذت جولات ميدانية في ليبيا، ولاسيما مدينة درنة التقت خلالها المدنيين والقادة العسكريين. ولهذا وقع الاختيار عليها من المرصد المصري لإجراء حوار صحفي معها، في وقت سابق، حول قضية المرتزقة السوريين. 

وفي مادة جديدة لها بالصحيفة البريطانية، تعاود “سنيل” التطرق لملف المرتزقة، ولكن هذه المرة بنقل شهادات مباشرة منهم من داخل الأراضي الليبية. حيث نشرت عبر صحيفة “ذا انفستجيتيف جورنال” تقريرًا بعنوان: ” تركيا كذبت علينا.. المرتزقة السوريون يائسون للمغادرة”.

تجدر الإشارة إلى إن الصحفية الاستقصائية “ليندزي سنيل” استعملت أسماءً مستعارة للشخصيات وعناصر المرتزقة السوريين الذي حاورتهم.

ويبدأ التقرير بنقل حديث “زين أحمد” – أحد المرتزقة السوريين -: “لقد عدتُ من ليبيا بالأمس، لكني كنت أحاول الخروج منها على مدار شهر كامل!”. 

حيث بدأت تركيا في تجنيد مقاتلين من “الجيش الوطني السوري” – أحد التشكيلات العسكرية المدعومة تركيًا في سوريا – وإرسالهم لليبيا للقتال نيابة عن القوات التركية، وبدأت أنقرة في تسيير الرحلات التي تقل المئات منهم أسبوعيًا. حتى الآن لا يُعرف على وجه الدقة أعداد المرتزقة السوريين في ليبيا، لكن التقديرات تتراوح بين 5000 إلى 17 ألف، كما تستمر رحلات الطيران المشبوه التي يقلهم بالرغم من جائحة كورونا وما فرضته من تقييد لحركة الطيران المدني.

“زين” الذي أجرت معه “ليندزي سنيل” حوارًا، هو عنصر مقاتل في “أحرار الشرقية” أحدي فصائل ما يُسمي بالجيش الوطني السوري، المشهورة بسمعتها السيئة في معاملة المدنيين، والميل لمحاربة سائر الفصائل الأخرى وتورطها في أعمال التطهير العرقي في منطقة عفرين. واستقر “زين” في عفرين منذ الاجتياح التركي لها في 2018، حيث تسبب في مقتل المئات من المدنيين ونزوح مئات الآلاف. فصيل “أحرار الشرقية” ارتكب العديد من جرائم النهب والسطو على ممتلكات المدنيين في عفرين، والتورط في أعمال القتل والاغتصاب الممنهج.

هنا، وعندما سُئل “زين”، عما إذا كان مؤمنًا بتركيا ودورها وعملياتها العسكرية في عفرين، قال ضاحكًا: ” في عفرين كنت مجرد مرتزق، وفي ليبيا كذلك، ليس هناك جهاد الآن، انتهي الجهاد فور خسارتنا لمدينة حلب في 2016 لقوات الأسد. والآن أصبح المال قضيتنا، فلا يهم مَن نُقاتل”.

انتشرت فظائع أحرار الشرقية إلى ما بعد عفرين عندما أطلقت تركيا، في أكتوبر 2019، عملية “نبع السلام” في شمال شرقي سوريا. أوقف مسلحو أحرار الشرقية سيارة زعيمة حزب المستقبل السوري “هيفرين خلف” عند نقطة تفتيش قاموا ببنائها على طول الطريق السريع “إم-4” في سوريا. أخرج المسلحون خلف من سيارتها، وضربوها بشد، وسحبوها من شعرها، وأطلقوا عليها النار خمس مرات. نشروا فيديو للهجوم على حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتتابع “ليندزي” في تقريرها، أن “زين” لن يعلق على اغتيال “هيرفين خلف” أو أي من جرائم الحرب الأخرى التي اُتهمت فيها فصائل أخرى تدعمها تركيا في الآونة الأخيرة. لكن “زين” قال: “أعرف أن الجماعات فعلت أشياء سيئة في عفرين عندما دخلنا المدينة”. “لكنني لم أفعل ذلك أبدًا شخصيًا. لم أنهب أبدًا عندما كنت في عفرين. لكنني نهبت عندما كنت في ليبيا. كلنا فعلنا. فقد توقفوا عن الدفع لنا”.

ووُعد المرتزقة السوريون في ليبيا برواتب تتراوح بين 2000-3000 دولار شهريًا، لكن التقارير الصادرة عن المسلحين في عدة فصائل تشير إلى أن حكومة الوفاق الليبية لم تواكب المدفوعات كما وعدت. حيث قال أحد أعضاء فرقة حمزة التي تحارب في ليبيا، إنه يتلقى 2000 دولار كل شهر ونصف بدلًا من كل شهر. ويقول بعض أعضاء فيلق المجد الذين كانوا في ليبيا منذ أكثر من ثلاثة أشهر أنهم تلقوا رواتبهم مرة واحدة فقط.

“قالوا لنا إننا سنحصل على رواتب 3000 دولار في الشهر. لم يحدث ذلك قط. في الشهر الأول حصلنا على 2000 دولار. في الشهر الثاني أعطونا 1400 دولار”؛ قال “أحمد” – مرتزق سوري آخر-: “في الشهر الثالث لم نتقاض أجورنا على الإطلاق، لذا نهبنا. أخذنا النحاس من المنازل، أي شيء يمكن أن نجده من الذهب، أي شيء قيِّم يمكننا العثور عليه.

مرتزق آخر من فرقة “حمزة” أخبر “ليندزي” أن أحد ممثلي ميليشيات الوفاق المسؤول عن بعض المرتزقة السوريين كان يأخذهم إلى المتاجر في طرابلس حتى يتمكنوا من بيع بضاعتهم المسروقة، حيث قال: “كان بعض المقاتلين ينهبون بدلًا عن القتال”. “في الواقع، قُتل العديد من مقاتلينا لأنهم كانوا يسرقون من منازلهم بالقرب من الخطوط الأمامية حيث حصرتهم قوات حفتر في كمائن وقتلتهم”.

“هلال هشام”، رجل أعمال في طرابلس، لديه صديقان يمتلكان متاجر يرتادها المسلحون السوريون. قال: “حاول أحد أصحاب المتاجر الاتصال بالشرطة عندما جاء السوريون في المرة الأولى”. “كان من الواضح الأشياء التي بحوزتهم كانت مسروقة لكن بالطبع، لم تفعل الشرطة شيئًا. إنه حكم الميليشيات في طرابلس.

يقول هشام إنه لا يعلم أن المسلحين السوريين يضرون بالمدنيين. وقال “ربما أدركوا أننا في طرابلس مسلحون جميعا”. لكن في رأيي، هؤلاء الرجال السوريون متطرفون وإرهابيون و”دواعش”. أريد أن أوضح أنني، والعديد من المدنيين الآخرين هنا، في انتظار دخول الجيش الوطني الليبي إلى طرابلس”.

يعاود المرتزق “زين” الحديث لـ “ليندزي” بالقول إن معظم الوعود التي قدمتها تركيا للمقاتلين السوريين لم تتحقق، “ففي البداية وعدونا إذا واصلنا القتال في ليبيا لمدة 3 أشهر فإننا سنحصل على الجنسية التركية، وكذلك إذ قُتل منا أحد فسوف تحصل عائلته على الجنسية التركية، لقد قُتِل منا الكثيرين وبالطبع نري أكاذيب الادعاءات التركية أمام عيننا، كما في عفرين قُتِل صديق لنا في فبراير الماضي، ومُنحت أرملته مبلغ 8000 دولار فقط، ولم تمنح الجنسية التركية حتى الآن، بل تعيش في مخيم للاجئين دون زوج لها”.

يقول “زين” إن القادة الأتراك الذين أطلعوهم على مهمة ليبيا أساءوا بشكل كبير وصف المخاطر التي سيواجهونها. “قالوا لنا إن القتال سيكون طفيفًا. قالوا إن ذلك كان أكثر أمانًا وأسهل من القتال في سوريا. “والشهر الأول كان كذلك. كان عظيما”.

وبعد وصوله إلى ليبيا، بقي “زين” في منزل في طرابلس مع عشرة مقاتلين سوريين آخرين ومتشدد ليبي رافقهم كلما غادروا المنزل. كان المنزل طبقًا لوصفه عبارة عن فيلا مجهزة تجهيزًا جيدًا، ومن شبه المؤكد أن أصحابها الشرعيين تركوها عندما اشتدت الاشتباكات واقتربت أكثر.

ويتابع “زين”: “ثم بعد عدة أسابيع بدأت معارك عنيفة. انتقلنا إلى محور صلاح الدين، الوضع كان أسوأ مما كان عليه في سوريا. “سقطت الجثث في الشارع ولم يلتقطها أحد. لقد مات الكثير من السوريين”. “زين” غير متأكد من عدد السوريين الذين لقوا حتفهم في ليبيا، لكنه يقول إنه رأى شخصيًا أكثر من اثني عشر قتيلًا في المعركة.

ويستمر “زين” في وصف تجربته في ليبيا: “لم يكن الأمر كما اعتدنا عليه في سوريا، إنها حرب الشوارع في المناطق الحضرية، ليس لدينا الأسلحة المناسبة أو المهارات المناسبة، نحن نذبح. وهكذا، بدأ الكثير منا يرفض القتال. أو ننتقل إلى الخطوط الأمامية ونختبئ هناك “. ويقول إنه عندما بدأ المسلحون السوريون في تحدي الأوامر، أتي جنود ليبيون متحالفون مع حكومة الوفاق الوطني وبدأوا بضربهم. يقول “زين”، ذات مرة، عندما رفض سوري القتال ثلاث مرات متتالية، أطلق مسلح ليبي النار عليه في ساقه. كما يتزايد عدد السوريين اليائسين من مغادرة ليبيا يومًا بعد يوم. والكذبة الأخيرة التي أخبرتنا بها تركيا هي أننا سنبقى فقط شهرين أو ثلاثة أشهر لكن مرت أكثر من ثلاثة أشهر على مجموعتي، ولم يسمحوا لنا بالعودة”.

في النهاية، أُجبر “زين” على دفع مبلغ 700 دولار أمريكي لقائده السوري للسفر إلى سوريا. حيث قال: “كان هناك حوالي 100 منا. دفع البعض 500 دولار، والبعض الآخر 1000 دولار، ولكن بعد ذلك وضعونا على متن طائرة مع القتلى والجرحى وسمحوا لنا بالعودة إلى سوريا”.

يخطط “زين” للاستقالة من فصيله. وعندما سُئل عما ينتظره في المستقبل، سخر من ذلك وأردف قائلًا: “لا يجب أن تسألني ذلك. لا تسأل أحدًا منا، “أنا لا أعرف حتى ما هو الحاضر بالنسبة لي”.

تذكر “ليندزي” أن في هذه الثناء أفاد جندي تركي في طرابلس بتجربة ليبيا مختلفة بشكل ملحوظ. قال: “انظر، الجميع سعداء. كل العسكريين الأتراك هنا لديهم معنويات جيدة. ونحن نحصل على أموال جيدة. وعندما سئل عن الوضع الذي يواجهه المقاتلون السوريون في ليبيا، نوه الجندي التركي إنه لا يعرف قال: “لكنني سمعت إذا كانوا يريدون العودة إلى سوريا، يمكنهم ذلك”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى