الأمريكتان

قراءة في البعد السياسي للأفلام الأمريكية.. الرسائل فيما بين “المخفي” و”المعروض”

كانوا قديمًا يصورون السحرة في الحكايات على هيئة أشخاص غريبي الأطوار والطلعة، يجلسون أمام بلورة دائرية ويستمرون في التحديق بها حتى تتكشف لهم صورة أخرى لأحداث تجري في بعد زمني ومكاني آخر، بعيد تمام البعد عن عالمهم الواقعي المعاصر. وفي الوقت الحالي، انتقلت البلورة السحرية من موطنها أمام الساحر وتحولت إلى شكل آخر من الشاشات العصرية التي تستمر طوال الوقت في بث أنماط متطورة من نوع مشابه من ذات السحر القديم. وهكذا يمكن أن نفهم كيف أنه لم يكن أمرًا من العبث أن أطلق على شاشة التلفاز لفظة “الساحرة الصغيرة”، في إشارة إلى السينما باعتبارها الساحرة الكبيرة. 

ولكن كل شيء يبدو تكنولوجي وعلمي للغاية، وهذه الوجوه والأماكن التي تبدو عبر الشاشة ما هي إلا مجرد انعكاس لأحداث تم تصميمها بمهارة وتصويرها خصيصًا لأجل بثها عبر الشاشات، بالدرجة التي يستحيل معها أن يشك أحدهم في احتمالية وقوعه تحت تأثير سحر غامض أثناء مشاهدته لكل ما يجري أمام عينيه. وهذا ما يقودنا إلى محاولة البحث عن أجوبة عدة، لأسئلة تدور جميعها حول التعرف على نوع التأثير السلوكي الذي يخضع له الإنسان بفعل مشاهداته المتكررة لما يعرض عبر الشاشات. بالإضافة إلى الوقوف على الطريقة التي استغلت بها بعض الدول هذا النوع من التأثيرات السلوكية على البشر لتحقيق أغراض سياسية بعينها. 

غسيل الدماغ وعلم التحكم بالفكر

في كتابها تحت عنوان “غسيل الدماغ وعلم التحكم بالفكر“، تقول العالمة الأمريكية كاثلين تايلور إن تصوير العقول بأنها صلبة وكامنة يعتبر صورة مضللة للغاية؛ إذ إن العقول البشرية في طريقة استجابتها للمؤثرات المختلفة تشبه الطين اللزج أكثر منه بالألماس. وعلى حد قولها إننا نحن البشر لسنا أشخاصًا مستقلين استقلالا حازما يمكن من خلاله البناء على عقلانيتنا التي لا تشوبها شائبة.، لأن البشر –وفقًا لها- يولدون ثم يصنعون بفعل نماذج خاصة. 

وتابعت “تايلور” ردًا على المشككين في إمكانية حدوث ما يطلق عليه بعملية “غسيل المخ” على أرض الواقع، قائلة إن هذا الأمر موجود بالفعل، وإن الإنسان يخضع له بشكل لا إرادي بحكم تعرضه لمؤثرات عدة. واعتبرت أن ما يُعرض خلف الشاشات يُعد واحدًا من أقوى هذه المؤثرات التي تستهدف إجراء تأثير كلي على الإنسان من وراء استجابته للأثر التراكمي لكل المعروض أمامه. 

ولقد وضع عميل المخابرات الأمريكية إدوارد هانتر أول مفهوم لعملية غسيل الدماغ في أعقاب الحرب الكورية التي وقعت عام 1950. ويرى هانتر ” أن القصد من هذا المفهوم هو تغيير العقل بصورة جذرية بحيث يصبح صاحبه دمية حية – إنسانًا آليًا- من دون أن يلاحظ هذا العمل الشرير من الخارج. إذ أن الهدف هو إنشاء آلية في اللحم والدم بمعتقدات جديدة وآليات تفكير جديدة تولج في جسم أسير. وما نهدف إليه من عملية غسيل المخ هو البحث عن عرق مستعبد يمكن الوثوق به، على عكس عبيد الأزمنة الغابرة، بالإضافة إلى ضمان أنه لن يثور أبدًا وأن سوف يكون خاضعًا للأوامر بشكل مستمر، مثل حشرة تثيرها غرائزها”.  

ويرتبط ظهور مفهوم “غسيل المخ” بالحرب الكورية 1950، لأسباب عدة يأتي على رأسها أن الولايات المتحدة الأمريكية التي شاركت في قوة متعددة الجنسيات أرسلتها الأمم المتحدة لدعم كوريا الجنوبية في حربها على كوريا الشمالية المدعومة من قِبَل الصين الشيوعية، قد اكتشفت في أعقاب الحرب أن هناك شيئًا غريبًا يحدث لأفراد قواتها اللذين يقعون أسرى في أيدي العدو، إذ خرج بعضهم من معسكرات أسرى الحرب، وقد تحولوا على ما يبدو إلى الشيوعية، مستعدين لنبذ موطنهم الذي ولدوا فيه. ومن هذا المنطلق، بدأت الاستخبارات الأمريكية في دراسة ما أطلق عليه العميل “إدوارد هانتر” مصطلح غسيل الدماغ. 

طبيعة التأثير المرغوب وعلاقته بالأدوات المتاحة

التعريف المذكور أعلاه لعملية غسيل المخ وآليات تنفيذها بوقت ظهورها لأول مرة، يعترف بإمكانية وقوع التأثير الفكري المرغوب على الشريحة المراد تطويعها والتي تعرضت لاحتكاك مباشر بالقوات الأمريكية وفقًا لظروف محددة. ولكن عندما تتغير الأمور بفعل سريان عجلة الزمن وتوالي السنوات بالشكل الذي يجلب معه ظروفًا سياسية واقتصادية مختلفة يصبح من الصعب إعادة تنفيذ هذه العملية، فضلاً عن أن الشريحة المستهدفة من وراء إجرائها باتت أوسع بمراحل، مما يجعل من الصعب تنفيذها باستخدام ذات الطرق القديمة. 

ومن هذا المنطلق، بدت السينما الأمريكية بمثابة وسيلة جماهيرية ممتازة وعابرة للقارات، تستطيع أن تقوم بأداء مهمة ترسيخ القيم والأفكار الأمريكية، وتعبئة الرأي العام العالمي وتهيئته لتقبل التحركات السياسية الأمريكية بشكل يفوق غيرها من الطرق. 

مفهوم البطولة في الأفلام الأمريكية

لقد حقق فيلم “سوبر مان” إيرادات طائلة منذ ظهور نسخته الأولى عام 1978، وصولًا إلى النسخ الأكثر حداثة عنه. ويمتلك البطل في هذا الفيلم، قوى خارقة للغاية نشأت في جسده بفعل طبيعته وموطنه الأصلي خارج الأرض، أي أنه يمتلك قوى خارقة غير مكتسبة وممنوحة له منذ الولادة ولا يمكن توفيرها بفعل عوامل منطقية. وفي قفزة أخرى لمشهد البطولة، يظهر العرض الأول لفيلم باتمان في عام 1989، وهنا نرى أيضًا بطلًا خارقًا ولكنه يعيش في مدينة غريبة الأطوار ويواجه نوعًا مثيرًا من الشر، والمميز بشأن باتمان أنه ليس بطلًا بالفطرة مثل سابقه، ولكنه بطل اكتسب بطولته بفعل قدرته على تأسيس تكنولوجيات متطورة للغاية وهذه التكنولوجيات نجح في تطويرها بفضل ثروته.  وتوالى هذا النمط من الأفلام بعد ذلك، وتم ترجمتها جميعًا وعرضها بلغات عدة حتى وصلت تقريبًا إلى أبناء الغالبية العظمى من كل بيت، وتكررت كذلك الأبطال وتنوعت أشكالهم وأنواعهم ومصادر بطولتهم.

ولكن بغض النظر عما يبدو من اختلافات ظاهرية بين أشكال هذا النمط من الأفلام وبعضها البعض، إلا أنه يوجد هناك عناصر مشتركة موحدة بينهم. وهذه العناصر تتجلى بوضوح في أن الولايات المتحدة الأمريكية تبدو بشكل دائم عبر كل الأفلام في مظهر الدولة المستهدفة من قِبل قوى شر غريبة وخطيرة للغاية وغير مفهومة في الوقت نفسه.  تتشابه هذه الأفلام أيضًا في استمرارها بالتكريس لمبدأ واحد يمكن تلخيصه في عبارة “الدمار مجاني من أجل الخلاص “، ونرى ذلك في مشاهد عدة لا تتوقف عن التكرار، وهناك يظهر البطل الأمريكي الذي يحاول إنقاذ العالم، ويضطر البطل حتى يقوم بتنفيذ مهمته أن يستخدم الدمار الشامل كوسيلة أساسية لأجل النجاح، وهكذا نرى كيف يلحق الدمار الشامل بكل ما تطاله يده أثناء المعركة. 

بمعنى أن صناعة هذا النمط من الأفلام، دائما تقوم على فكرة واحدة، وهي تخليق نوع غير مفهوم من الشر، وأن يكون هذا الشر موجهًا إلى الولايات المتحدة فحسب، ولا يوجد وسيلة تساعد على الخلاص من هذا الشر سوى التدمير الشامل. 

كما تُعد فكرة اختزال العالم أجمع في صورة الولايات المتحدة، أمرًا موحدًا في جميع أشكال هذا النمط من الأفلام. إذ أننا نرى كيف يستمر الأبطال الأمريكيون في العمل لأجل الحفاظ على أمن وسلامة العالم. ولكن العالم في هذه الحالة يتم اختزاله في صورة الولايات المتحدة الأمريكية وشعبها ومعالمها فحسب. 

وفي الوقت الذي يبدو فيه هذا النمط من الأفلام بمثابة صناعة مسلية للغاية بالنسبة للعديد من الجماهير حول العالم. تكون في الحقيقة هذه الصناعة تعمل على تهيئة عقل المشاهد ووضعه على خاصية تقبل أي شيء من هذا القبيل إما قادم في الأفق أو أنها حدثت وتحدث بالفعل. إذ أنه يجب العمل على أن تلقى الرغبات الأمريكية في شن أي حملات عسكرية خارج أراضيها –بشكل غير شرعي وغير مبرر- قبولاً واسعًا على نطاق شعبي دولي. 

وبنفس الطريقة يمكن أن نتفهم كيف يتقبل العقل الجمعي العالمي، مشاهد الدمار والقتل الجماعي التي عادة ما تخلفها وراءها الحملات العسكرية الأمريكية أينما حلت. فقد حدث هذا ببساطة بعد أن تم ضبط اللاوعي العالمي على تقبل حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة دائما محل خطر، وهذا الخطر حتى لو أنه يبدو غير مفهوم لأي شخص، إلا أنه لايزال خطرًا على الدولة المخول لها حفظ توازن النظام العالمي الذي حتمًا سوف ينهار مع أي خطر من شأنه أن يمس أمنها وسلامتها. وبهذا الشكل، نرى في الأفلام الأمريكية تمامًا كما نرى في السياسة، الترسيخ لمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” ولا شيء يعلو فوق المصالح الأمريكية. 

وفي سرد موجز، لبعض من أوجه “الوسيلة” التي استخدمتها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها السياسية في الواقع بالشكل الذي يتحقق معه تأثير التغطية التي عملت الأفلام على بثها في عقول المشاهدين عبر فترات زمنية مختلفة. يُذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت في فبراير 1991، أثناء مشاركتها في التحالف المضاد للاحتلال العراقي للكويت، بقصف أكثر من 8437 من منازل المدنيين، و157 جسرًا وسكك حديدية، و130 محطة كهرباء رئيسية وفرعية، و249 دارًا لرياض الأطفال و139 دارًا للرعاية الاجتماعية، و100 مستشفى ومركز صحي، و1708 مدرسة ابتدائية.  كما قصفت الطائرات الأمريكية في ذات التوقيت ملجأ العامرية في بغداد مما أدى إلى مقتل أكثر من 300 مدني من الأطفال والشيوخ. وفي عام 2001، قامت الولايات المتحدة بعد أن أعلنت الحرب على الإرهاب، بقصف العاصمة الأفغانية كابول بالآلاف من صواريخ كروز وقذائف النابالم الحارقة والقنابل العنقودية، وقذائف تحتوي على اليورانيوم المنضب وأسلحة كانت تجرب لأول مرة قتلت أكثر من 50 ألف مدني. بالإضافة إلى أوجه عدة من هذا القبيل من الدمار الذي خلفته وراءها الولايات المتحدة ولكنه على الرغم من فجاجته قد قوبل بالصمت الغريب. 

الثورة الدموية المطلقة.. في سبيل الحرية

الحديث هنا يدور حول الفيلم الشهير “مباريات الجوع“، ويُقدم الفيلم عبر أجزائه المختلفة تصور مختلف عن قصة النظام العالمي الجائر الذي يستند إلى نظام حكم شديد القسوة والظلم، يقوم في أساسه على السلطة السياسية الواحدة التي تفرض إرادتها على الجميع باستخدام القوة العسكرية. وتتمثل هذه السلطة في الـ “الكابيتال” أي العاصمة، التي تستولي بلا شفقة على جميع موارد المقاطعات الأخرى، وتستأثر لنفسها برغد العيش والرفاهية، فيما تستمر باستعباد سكان هذه المقاطعات الأخرى وتتخذ من إهدار حيواتهم وسيلة تسلية وترفيه للترويح عن شعب النخبة من سكان العاصمة. ولقد تم عرض الجزء الأول من الفيلم في 2012، ويصنف بأنه من أفلام الخيال العلمي. ومن ينغمس في مشاهدة الفيلم بأجزائه المختلفة، قد يرى بوضوح كيف تتقلب الأحوال النفسية بالمشاهد، الذي يبدأ الفيلم بإبداء التعاطف الشديد مع المظلومين والتأثر بطبيعة صراعهم. ثم ينجرف بعد ذلك، بشكل لاشعوري وراء معاناة الأبطال وأحداث الفيلم الذي يستمر صناعه في هذه الأثناء في شحذ همم المشاهدين ضد الظلم الجائر وقوته الغاشمة. 

وبكل حماس، ينساق المشاهد خلف مشاعر الجموع الغاضبة التي تقرر في الجزء الأخير، وبعد صراع طويل ومديد مع الظلم ووقوع خسائر كبرى في الأرواح. الالتفاف خلف نموذج البطل الشعبي والتخلي تمامًا عن غريزة الخوف من الموت، والذهاب بكل سعادة وروح انتحارية لأجل مواجهة جيوش السلطة. وفي تلك اللحظة الملحمية، يحبس المُشاهد أنفاسه أمام الشجاعة المفرطة لهؤلاء اللذين تخلوا عن أرواحهم بكل سعادة والابتسامة العريضة تعلو وجوههم في أثناء تلقي صدورهم للرصاصات، في لحظة مؤثرة تكرس لمدى عظمة التضحية لأجل الحرية. 

بالعودة مرة أخرى إلى أرض الواقع، وجب طرح نماذج واقعية تتشابه في خطوطها العريضة مع ملامح محددة من الفيلم، أو على الأقل هكذا ترغب السينما الأمريكية في تصويرها وربطها بالواقع. ونتناول على سبيل المثال، نموذج النزاع المسلح على الأراضي السورية. حيث بدأ الأمر في 2011، وتخلل النزاع المستمر حتى اللحظة الحالية مواجهة مستمرة ومميتة بين مدنيون انضموا إلى قوات إرهابية تعمل على مواجهة القوات السورية النظامية. إذ أن الصراع في سوريا، لم يكن يومًا صراعًا لأجل الحصول على الرزق أو العدالة الاجتماعية على النحو المشهود في الفيلم، ولكنه في نفس الوقت يعد صراح لأجل تحقيق الحرية على الطريقة الأمريكية. وعليه، يتم تبرير الثورة الدموية الشاملة التي لا تعبأ بأي خسائر إنسانية أو مادية ولا تكترث لأي شيء سوى إسقاط السلطة، وإحلال طرف جديد محلها. والثورة السورية بمعناها المطروح عبر وسائل الإعلام الدولية تعتبر خير مثال على حقيقة الدعم الأمريكي لهذا النمط من الثورات، كما يُذكر في نفس السياق أن هذا النموذج من مخطط قلب أنظمة الحكم عبر انتهاج الثورات الشعبية المُخلقة ليس جديدًا على السياسة الأمريكية، فقد عرف التاريخ نماذج متكررة انتهجت فيها الولايات المتحدة نفس الطرق لأجل الإطاحة بالأنظمة المخالفة لأهوائها. 

ما وراء “قوة الإيحاء”

في رواية هزلية، يُحكى أن رجلاً هم للسفر تاركًا خلفه مجموعة من الأواني الفخارية، التي كان يعتقد أنها ثروته الوحيدة في الحياة، ولما عجز عن حملها معه خلال سفره. فكر في أن يبتكر طريقة تمنع عنها اللصوص اللذين لم يكن يساوره شك في أنهم سوف يحضرون لسرقتها بمجرد تأكدهم من رحيله عن المنزل. وقبل أن يرحل، دار الرجل على جميع سكان بلدته وأشاع بينهم خبر اضطراره إلى الرحيل، بعد أن أصبح بيته غير قابل للحياة بفعل الخفافيش القاتلة التي سكنت جنباته بالدرجة التي استحالت معها حياته بالمنزل.  وبفعل هذه الشائعة، رحل الرجل بأمان تام واختفى خارج بلدته لمدة عامين متتاليين وعاد بعد ذلك ليعثر على كل شيء في موضعه القديم بعد أن أنطلت الحيلة على أهل القرية ولصوصها. 

وفي ضوء القصة السابقة، يمكن أن نفهم طريقة استخدام السلطة الأمريكية للسينما في أغراض سياسية. إذ أن الأمر يتعدى استخدامها في عمليات التوجيه السلوكي للجمهور العالمي، وينطلق إلى تحقيق أهداف أخرى أكثر عمقًا. بمعنى آخر، يشبه الأمر أن تملك ستارًا ناصع البياض ووراء هذا الستار تختبئ الحقيقة. إن الستار في هذه الحالة هو السينما الأمريكية، التي تستخدمها السلطة لأجل إخفاء وطمس حقائق محددة وإظهار حقائق أخرى في المقابل. ولما كانت الصورة السينمائية لامعة ومبهرة ومثيرة للغاية، لما كان من السهل على المشاهد التقاطها بدون تدقيق. ولكن الحقيقة المنطقية تقول إن من يتعمد التأكيد على إظهار أمرًا ما قد يعني أنه في الواقع يخفي العكس تمامًا، أي أن من يواصل التأكيد على قوته قد يكون في الحقيقة يريد أن يحتمي خلف قوة الإقناع، لأنه يدرك أن إقناع العالم بهذه القوة وحده كفيل بإخفاء بواطن الضعف في صفحة وجهه. 

قد تتساءل الآن، كيف احتمى الرجل خلف القناعة الزائفة التي نشرها؟! كيف لم يجرؤ أي شخص من سكان القرية على محاولة اقتحام المنزل على الرغم من عدم وجود هذه الخفافيش. لم يعبأ أحد أن يفكر حتى في حقيقة أن الخفافيش تخشى الضوء في المقام الأول. ولكن هذا يخبرنا كيف يحتمي المرء خلف الصورة التي يعمد بنفسه إلى تصديرها عن نفسه إلى الآخرين، وهو النموذج الذي نراه بوضوح في طريقة استخدام السلطات الأمريكية لأدواتها السينمائية. وكما ذكرنا سالفًا، لا يمكن أبدًا لأي نظام حول العالم أن يتسم في نفسه بالقوة المطلقة، والدليل على ذلك يمكن استنباطه من وراء أزمة تفشي فيروس كورونا في الولايات المتحدة، وما نتج عنها من خسائر جمة. وهذا ما يثبت أن الصورة القوية اللامعة التي لطالما تعمدت الولايات المتحدة تصديرها إلى العالم، كان ولازال يتخللها دائما نقاط ضعف في النظام الأمريكي قد تكون قاتلة للغاية، وتسعى إلى إخفائها خلف قوة الإقناع. 

وبالوقوف على ما كل ما سبق، يمكن أن نخلُص إلى أن السينما الأمريكية ليست أكثر من مجرد صورة براقة، يمكن من خلال تفحصها بعناية الوقوف على توجهات الإدارة الأمريكية فيما وراء الشاشة بالإضافة إلى استيضاح وتفسير الثغرات ونقاط الضعف المرغوب طمسها باستخدام الكاميرا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى