كورونا

فورين أفيرز.. هل تعزز الأوبئة السلام؟

عرض محمد هيكل

نشرت مجلة “فورين أفيرز ” الأمريكية مقالا بعنوان هل تروج الأوبئة للسلام في عددها الأخير يناقش كاتبه باري بوزين الأستاذ في العلوم السياسية بجامعة ماساتشوستس الأمريكية فكرة أن الوباء أبطأ من خطوات الدول نحو الحرب اعتمادًا على مبدأ التشاؤم من النتائج العسكرية التقليدية في وقت جائحة كورونا.

ويتساءل كاتب المقال ما إذا كان ظهور وباء كورونا سببًا كافيًا لتأخر الحروب وندرتها، وتغير شكل العالم وطريقة تفكيره في الحرب وشكلها في المستقبل بعد جائحة كورونا وما يمكن أن يكون لها من تأثير على قرارات الدول عسكريًا بالأخص القوى الكبرى التي تأثرت بالجائحة تقريبًا بشكل متساو.

وأوضح المقال أن فيروس كورونا المستجد الذي أصاب العالم جعل الدول تتنافس فيما بينها للحصول على المعدات والمساعدات الطبية والعلمية، وإلقاء اللوم على بعضها البعض في انتشار الوباء، وقد بدأ المحللون والمفكرون من حول العالم طرح الأسئلة حول ما إذا كانت هذه التوترات قد تؤدي لنزاع عسكري.

ولكن الحرب تجارة خطيرة، ودائمًا ما ترتفع تكاليفها، ويرى المؤرخ جيفري بلايني أن معظم الحروب تتشابه خواصها في بدايتها بالتفاؤل فعادة ما يبدأ المحاربون بالتفاؤل حيال احتمالات نجاحهم العسكري، وعندما تكون النخب والقادة في كلا جانبي الصراع واثقين فإنهم يكونوا أكثر استعدادًا لاتخاذ المبادرة للحرب وأقل قابلية للتفاوض، ذلك لأنهم يعتقدون بأنهم سيخرجون بنتائج أفضل من خلال القتال. وعلى العكس من ذلك يخدم التشاؤم السلام، وقد يكون التشاؤم مفيدًا لأحد أطراف النزاع الذي سيكون أكثر ميلًا للتفاوض أو قبول صفقة غير مواتية لتجنب الحرب.

عندما يحصل أحد أطراف النزاع على أفضلية مفاجئة يمكن ان ينهار المنطق السابق والمبني على عدم التصعيد، حيث سيقوم الجانب المتفائل بزيادة مطالبه بشكل أسرع مما يمكن للطرف المتشائم أن يرضيه. ويخشى المحللون من حدوث شيء من هذا القبيل في العلاقات الأمريكية الصينية على خلفية أزمة جائحة فيروس كورونا المسجد. فالولايات المتحدة الأمريكية تمر بلحظة اضطراب داخلي، أما الصين فيخشى البعض أن ترى في الوباء فرصة لها وتنتهزها لزيادة ثقلها العسكري غرب المحيط الهادئ.

واستدرك كاتب المقال قائلًا إن ما يفتقده هؤلاء المحللون هو أن كوفيد-19 يضعف كل القوى العظمى والمتوسطة بشكل متساوٍ تقريبًا، ومن غير المحتمل أن تحصل إحداها على ميزة أو أفضلية ذات مغزى عن القوى الأخرى، وسيكون لدى الجميع أسباب وجيهة ليكونوا متشائمين بشأن قدراتهم العسكرية واستعدادهم الشامل للحرب طول فترة الوباء وعلى الأقل ولسنوات أخرى فيما بعده، لذلك ستنخفض إحتمالات الحرب بين القوى الكبرى.

وباء باكس

يبدو أن مسحًا سريعًا للأدبيات العلمية حول الحرب والمرض تأكد ملاحظة بيليني بأن التشاؤم يؤدي إلى السلام. لقد وثق العلماء مرارًا وتكرارًا كيف أن الحرب تخلق  فرصة  جيدة لانتشار الأمراض بين الجيوش وكذلك المدنيين في مناطق النزاع، لكن نادرًا ما نجد أي نقاش حول الأوبئة التي تسبب الحروب أو الحروب الذي بدأت عمدًا في وسط تفشي الأمراض المعدية على نطاق واسع، وقد أدت الأمراض التي حملها المستعمرون الأوروبيون لما كان يعرف بالعالم الجديد إلى إضعاف السكان الأصليين لدرجة أنهم كانوا أكثر عرضة للغزو بالإضافة لذلك حدثت بعض النزاعات المحلية خلال جائحة الإنفلونزا 1919-1921 ولكن ذلك كان بسبب التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم في موازين الفوى الإقليمية بعد إنهيار أربع إمبراطوريات في الحرب العالمية الأولى.

المرض يبطئ المسير نحو الحرب، ويرجع ذلك جزئيًا إلى حقيقة أن الحرب تعتمد على الناس، فعندما يمرض الناس لا يمكن الإعتماد عليهم لأداء جيد في القتال. والطب العسكري خطى خطوات جيدة قبل الحرب العالمية الأولى حيث كانت الجيوش قبل  ذلك تعاني عددًا من الإصابات بالأمراض أكثر من عدد الإصابات الناتجة عن المعارك، لكن الأوبئة لا تزال تهدد الوحدات العسكرية كتلك الموجودة على متن حاملات الطائرات الأمريكية والفرنسية فالمئات ممن ثبتت إصابتهم بفيروس كورونا يعرفون ذلك جيدًا، والبحارة والجنود في الميدان هم الأكثر عرضة للخطر بسبب تواجدهم سويًا وتعبئتهم معًا، حتى الطياريين كذلك في خطر لأنهم يلجؤون للمخابئ تحت الأرض حال حدوث هجمات جوية وهو ما يجعلهم كذلك عرضة للإصابة وانتشار المرض بسرعة.

وبرغم ذلك لا تزال العمليات العسكرية البرية في المناطق الحضرية هي الأخطر في وقت الجائحة، مؤخرًا اندلعت الكثير من المعارك البرية في مدن فقيرة تفتقر إلى موارد الصحة العامة أو لا تتوفر فيها على الإطلاق، مما يجعلها بيئات مواتية للغاية للأمراض.

عادة ما ينتج القتال البري سجناء، يمكن أن يصاب أي منهم بالمرض أو أن يكون مصاب به بالفعل، قد يحل إيجاد لقاح للمرض هذا الأمر بنهاية المطاف لكن من المرجح أنه سيكون هنالك حذر لبعض الوقت حتى مع دخول اللقاح حيز الإستخدام.

وأشارت فورين أفيرز إلى أن أهم سبب يمنع الحرب في وقت تفشي المرض هو الاقتصاد، التفشيات الكبيرة للفيروس في مختلف الدول أضر بالاقتصادات الوطنية والتي هي مصدر القوة العسكرية، إن جائحة كورونا بحكم تعريفها فهي ظاهرة عالمية، يبدو أن جميع القوى الكبرى والمتوسطة قد تأثرت سلبًا وكلها لديها سبب للتشاؤم بشأن آفاقها العسكرية، وذلك بسبب أن اقتصاداتها تتقلص بسرعة، وهنالك الكثير من عدم اليقين حول متى وكيف ستبدأ النمو مرة أخرى وبسرعة.

حتى الصين والتي أبطأت انتشار المرض وبدأت في إعادة فتح اقتصادها، ستتألم لسنوات قادمة، وقد تلقت ضربة موجعة للناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من العام الحالي منهية 40 عاما من النمو المطرد.

من المؤكد أن شركاءها التجاريين الذين تضرروا نتيجة الاعتماد عليها في المعدات الازمة لمكافحة كورونا سيقللون من هذا الاعتماد، كما أنهم سيقللون وارداتهم منها، وسيتعين على الصين المعتمدة على التصدير أن تعتمد بشكل أكبر على سوقها المحلية وهو الأمر الذي تسعى له الصين منذ عدة سنوات لكنها حققت نجاحًا محدودًا فيه، لذلك ليس من المستغرب أن يتوقع صندوق النقد نمو أبطأ في الصين هذا العام عن أي وقت مضى منذ السبعينيات.

وحتى بعد تطوير اللقاح وإتاحته على نطاق واسع قد تستمر المشاكل الاقتصادية لسنوات، حيث ستخرج الدول من هذه الأزمة بدين هائل قد يقضون سنوات في دفع حزم الإنقاذ والتحفيز التي استخدموها في إنقاذ المواطنين والشركات من العواقب الاقتصادية للتباعد الإجتماعي، هذا الشح والجفاف الاقتصادي سيعطي الدول سببًا آخر للتشاؤم بشأن قواها العسكرية.

تجارة أقل احتكاك أقل

إلى متى من المحتمل التأثير السلمي للتشاؤم؟ إذا تم تطوير اللقاح بسرعة مما يتيح انتعاشًا اقتصاديًا سريعًا نسبيًا، فقد تكون حالة التشاؤم قصيرة العمر لكن من المحتمل كذلك أت تستمر أزمة الفيروسات التاجية لفترة طويلة بما يكفي لتغير العالم بطرق مهمة، من المرجح أن يحد بعضها من شهية الدول للصراع لبعض الوقت ربما لخمس أو عشر سنوات قادمة، فرغم كل شيء لا يمكن نسيان أن العالم يمر بأكبر جائحة وأكبر انكماش اقتصادي منذ قرن.

وذكرت المجلة الأمريكية أن معظم الحكومات لم تستغل إدارتها للجائحة للحصول على المجد حتى أن الأوتوقراطيين لديهم مخاوفهم حول الدعم الشعبي لهم خلال السنوات القليلة المقبلة، حيث سيطلب الناس دليل على أن حكوماتهم تعمل من أجل مصلحتهم ومن أجل حمايتهم من الأمراض والاضطراب الاقتصادي، حيث سيعتبر المواطنون أنفسهم أكثر اعتمادًا على الدولة وسيكونون أقل ميلًا لدعم المغامرات والنزاعات بالخارج.

في الوقت نفسه، ستحاول الحكومات والشركات على الأرجح تقليل اعتمادها على واردات المواد الأساسية، بعد أن شاهدت سلاسل الإمداد العالمية تتعطل أثناء فترة الوباء.

ستكون النتيجة على الأرجح هي تضاؤل التجارة، وهو ما يراه الليبراليون الأمميون أنه أمر ضار، لكن على مدار الخمس سنوات الماضية لم تساعد التجارة في تحسين العلاقات بين الدول بل أدت إلى تأجيج الاستياء بين الدول، وقد تعني التجارة الأقل احتكاكًا أقل بين القوى الكبرى وبالتالي تقليل شدة المنافسة فيما بينها.

في السياق الصيني يمكن أن يكون للتجارة الأقل تأثير إيجابي من خلال التركيز على تنمية الإقتصاد المحلي المثقل بالفواتير الضخمة من محاربة فيروس كورونا، ويمكن أن تضطر بكين لتقديم مبادرة الحزام والطريق وهو مشروع طموح للتجارة والاستثمار الذي أفقد مؤسسات السياسة الخارجية للقوى العظمى والمتوسطة ثقتها، تعليق مبادرة الحزام والطريق من شأنه أن يهدئ مخاوف أولئك الذين يرون المبادرة على أنها أداة صينية للهيمنة على العالم.

أصبحت الحروب بين الدول نادرة نسبيًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية

انخرطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في حرب باردة دامت لأربع عقود، والتي تضمنت سباق تسلح تقليدي ونووي شديدين، لكنهما لم يحارب أحدهما الآخر بشكل مباشر حتى بالأسلحة التقليدية.

يناقش المحللون الأسباب الكامنة وراء ندرة استمرار صراع القوى العظمى، ويميل كاتب المقال إلى الاعتقاد بأن خطر التصعيد إلى مواجهة نووية مازال كبيرًا للغاية، ولن يستطيع فيروس كورونا المستجد أن يفعل شيئًا لتخفيف احتمالية الصراع النووي بين قادة العالم، ولكنه سيفعل الكثير لتغذية تشاؤمهم المعقول بشأن النتيجة المحتملة للحرب التقليدية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى