ليبيا

“الدويري” يكشف طبيعة الدعم العسكري التركي لميليشيا “الغرب الليبي”


استعرض اللواء محمد إبراهيم الدويري، نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، في لقاء تلفزيوني مع الإعلامي وائل الابراشي مقدم برنامج “التاسعة” الذي يبث عبر القناة الأولى المصرية، التطورات العسكرية الأخيرة على الساحة الليبية والتي بدأت في الثالث عشر من الشهر الجاري، ومدي الأهمية الاستراتيجية لهذه التحركات، وطبيعة الإطار العام الحاكم للرؤية المصرية تجاه الأوضاع في ليبيا، كما كشف طبيعة الدعم العسكري المباشر الذي قدمته ولا زالت تقدمه أنقرة للميليشيات الإرهابية المسلحة في الغرب الليبي.

الحدود العامة الحاكمة للموقف المصري تجاه ليبيا

حول الحدود العامة للرؤية المصرية للأوضاع في ليبيا، أكد “الدويري” أن ليبيا تعد أحد أهم محاور دائرة الأمن القومي المباشر المصري، وتتعامل الدولة المصرية انطلاقًا من هذا المبدأ، وهناك متابعة دقيقة وتفصيلية لكل ما يجري هناك، وتحركات محسوبة بدقة وتدخل فعال كلما كان الأمر ضروريًا. 

وتأتي التحركات المصرية بهدف إرساء الاستقرارهناك، وأن تكون ليبيا دولة قومية لها وضعيتها الإقليمية موحدة الأراضي وذات سيادة، وأن جميع التدخلات الأجنبية الخارجية أثرت على الأوضاع هناك بشكل سلبي، وتقوم مصر بدعم للجيش الوطني الليبي الذي يحارب الإرهاب والميليشيات والمرتزقة، وهناك أهمية لتطبيق القرارات الدولية التي تقضي بحظر السلاح في ليبيا، وقد شاركت مصر في جميع اللقاءات على المستويين الإقليمي والدولي بشأن الأزمة، وساهمت منذ سنوات قليلة في جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وفي العام الماضي دعمت مجلس النواب الليبي لأنه الجهة الشرعية في ليبيا وتم انتخابه منذ عام 2014. 

وأضاف نائب المدير العام للمركز المصري للدراسات، أن التدخل العسكري التركي في سوريا والعراق والصومال وشرق المتوسط والسعي لايجاد موطئ قدم لها في البحر الاحمر، يؤكد أن النظام التركي لديه مشروع توسعي أهم أدواته التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاقليمية، وهذا المشروع مرتبط بشكل إعادة الخلافة العثمانية وهذا حلم يسعى النظام التركي لتحقيقه. 

محطات ماقبل تطورات 13 أبريل

وحول التطورات الأخيرة التي شهدتها ليبيا في 13 ابريل، أكد اللواء محمد الدويري، أنه كانت هناك إرهاصات سابقة له وفي مقدمتها أزمة كورونا وارتباطها بالصراعات الإقليمية بالمنطقة وتفاعلها معها، فقد كان هناك تفاعل إيجابي في الأزمة اليمنية، على سبيل المثال عندما قرر تحالف دعم الشرعية وقف العمليات العسكرية في اليمن، ولكن الموقف كان على النقيض في ليبيا.

C:\Users\hesham\Desktop\faaca6dc-b036-42d3-8c19-9c74f38832d2.jpg

لقد استثمرت تركيا أزمة فيروس كورونا لمحاولة تغيير المعادلة العسكرية على الأرض في ليبيا، وأهم محطة أعتمد عليها التدخل العسكري التركي كانت الاتفاقية التي تم توقيعها مع حكومة الوفاق في 27/11/2019 تركيا ويضم هذا الاتفاق مذكرتين تفاهم، الأولى، خاصة بترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، والثانية متعلقة بتقديم الدعم العسكري والأمني لحكومة الوفاق، تبعها صدور موافقة البرلمان التركي على إرسال جنود عسكريون إلى ليبيا.

فالمذكرة الأولى المتعلقة بترسيم الحدود مخالفة للقانون والشرعية لعدم وجود حدود بحرية بين الدولتين، وحاولت تركيا تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بـ 200 ميل بحري من جانبها فقط، بهدف إيجاد موطئ قدم لها بالبحر المتوسط للتنقيب عن الغاز وهي بذلك تكون قد جارت على حق الدول الاخرى.

أما المذكرة الثانية المتعلقة بالجانب العسكري والأمني، فقد شملت تقديم كل أنواع الدعم، ومنها الأفراد المقاتلين ونقلهم، ومنظومات الدفاع الجوي، والأسلحة الثقيلة، والتدريب المشترك، وارسال خبراء في المجال العسكري والاستخباراتي،  وأعتمد النظام التركي على هذا الاتفاق في الدفع بكل ما لديها من إمكانيات متاحة لتغيير الوضع العسكري على الأرض، ويعد هذا الأمر هو احتلال صريح مثلما هو الحال في سوريا، وهناك سعي واضح لاستنساخ الاحتلال التركي لشمال شرق سوريا في ليبيا.

وأشار اللواء محمد إبراهيم إلى أنه على وقع التحركات التركية استيقظ المجتمع الدولي لأنه رأى أن التحركات التركية ستضر بالاستقرار بالمنطقة، ودعت ألمانيا إلى مؤتمر برلين في 19 يناير الماضي بهدف التوصل لتسوية سياسية شاملة في ليبيا بحضور 11 دولة من بينهم الـ 5 دول الدائمين بمجلس الامن، وبمشاركة 5 منظمات دولية بحضور الامين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية، وقد حضر السيد الرئيس هذا المؤتمر وأجرى عدة لقاءات ومشاورات هامة للغاية حول سُبل حل الأزمة.

 وصدر عن المؤتمر وثيقة تتضمن 6 محاور و 55 بندً، كان الهدف الأساسي لتلك المحاور والبنود هو التوصل لتسوية سياسية والعودة للمسار السياسي، وحظر السلاح، وتفكيك الميليشيات الإرهابية، وتكوين 3 أليات وهما (سياسية – اقتصادية- أمنية/ عسكرية)، وتمت الآلية الاقتصادية في 11 فبراير الماضي بالقاهرة وأسفرت عن تشكيل لجان خاصة باعادة توزيع الثروة، وإصلاح النظام المصرفي وغيره، وعُقدت اجتماعات للآلية العسكرية في جنيف (5 + 5) مرتين في جنيف، وعقدت الآلية السياسية اجتماعًا واحدًا في جنيف أيضًا، وكان من المفترض أن تتواصل تلك الاجتماعات ولكن بعد ظهور أزمة فيروس كورنا حدث تهدئة في التحرك الدولي تجاه هذا الأمر وهو ما أستغلته تركيا.

وأضاف أنه يُذكر أن تركيا لم تهدأ حتى خلال فعاليات مؤتمر برلين وقامت تركيا بتقديم امدادات عسكرية في منطقة غرب ليبيا، وقامت بنقل العديد من الميليشيات، واستطاعت أن تقيم خلال هذه الفترة بنية عسكرية قوية في هذه المنطقة لتخدمها في الفترة المقبلة  

موقف الجيش الوطني الليبي

وحول موقف الجيش الوطني الليبي خلال السنوات الماضية، أكد اللواء محمد إبراهيم الدويري أن الجيش الوطني الليبي استطاع تحقيق الكثير من الانتصارات على مدار السنوات السابقة على الرغم من فرض حظر السلاح عليه منذ عام 2011 بموجب القرار 1970 الصادر عن الأمم المتحدة والذي يجدد سنويًا، وهذا خطأ كبير.

فقد أطلق الجيش الوطني الليبي في عام 2014 حملة عسكرية لتطهير ليبيا من الميليشيات المسلحة وابرزها قوات فجر ليبيا، ومنذ عام  2014 وحتى عام 2017  قامت قوات الجيش بتطهير كامل للمنطقة الشرقية، وفي عام 2018 أكمل الجيش عمليته العسكرية وقام بتطهير درنة التي كانت معقلآ للتنظيم الخاص بالإرهابي هشام عشماوي، وألقي القبض منذ أيام على أحد مساعديه وهو محمد محمد السيد وتم ترحيله إلى بنغازي.

وفي 4/4/2019 أطلق الجيش الوطني عملية طوفان الكرامة حتى يحرر ما تبقى من الأراضي الليبية، وتطهيرها من الميليشيات، ومن الملاحظ أن الجيش قد دخل مناطق كثيرة بدون معارك في الجنوب وسرت وغيرها وكان دخوله سلميًا تمامًا، وذلك لأن القبائل تمثل الحاضنة الاجتماعية للجيش الليبي ومرحب به من قبٍلهم. 

وأكد اللواء “الدويري” أنه في هذا التوقيت كان النظام التركي يقوم بعملية امداد كبيرة للميليشيات والمرتزقة والخبراء العسكريون بالإضافة إلى تقديم السلاح المتطور، واستغلت تركيا اتفاق سوتشي لتحقيق هذا الغرض، فقد كان ينص الاتفاق بين روسيا وسوريا على عودة الإرهابيون في إدلب مسافة 20 كم للخلف، وعند حدوث خلافات بين الجانبين قامت تركيا بنقل هذه الميليشيات إلى داخل ليبيا وهو ما أكدته الكثير من مقاطع الفيديو التي يظهر فيها مقاتلون سوريون أقروا فيها بتقاضيهم مبالغ مالية تصل إلى 2000 دولار.

C:\Users\hesham\Desktop\55817bfb-da7b-44b1-8a20-314e51075345.jpg

ورغم الأدلة الدامغة على ما تقوم به تركيا من دفع لتلك الميليشات والارهابيين الى داخل ليبيا وقلب كل ما يتعلق بالاستقرار في المنطقة إلا أن الجيش الوطني الليبي يحقق انجازًا كبيرًا ويسيطر على 75% من الأراضي الليبية. 

الموقف العسكري بدءً من 13 إبريل

وحول التطورات الأخيرة أشار نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أنه في 13 إبريل الجاري ظهر متغيرات كبيرة ولكنها ليست استراتيجية، فقد اقتربت 4 قطع بحرية من الساحل الليبي، تجاه مطار عيتيقة الدولي من بينهم سفينة تشويش على منظومات الدفاع الجوي، وأنطلقت من المطار 6 طائرات مسيرة (درونز) من طراز (بيرقدار) تحمل كل منها 4 صواريخ، تجاه منطقة (غرب الزاوية) ثم (صرمان) ثم (صبراتة) ثم (العجيلات) وقامت بقصف تلك المناطق وقدمت الدعم الجوي لتأمين تقدم الميليشيات المسلحة إلى تلك المناطق، وهو سيناريو تكرر في باقي المناطق.

مضيفًا أنه كان يمكن للجيش الوطني الليبي أن يدير المعارك في هذه المناطق وينتصر فيها، ولكن الضحية الرئيسية ستكون من السكان المدنيين لتلك المناطق، وذلك لأن هذه الميليشيات المسلحة دائما ما تلجأ إلى استخدام سكان المناطق الذين يدخلونها كدروع بشرية في حال وقوع هجوم مضاد عليهم، وبناء على ذلك قررت القيادة الليبية القيام بإخلاء تكتيكي حفاظًا على حياة المواطنين في تلك المناطق، ومن الملاحظ أن الهجوم على منطقة (العجيلات) جاءت الطائرات المسيرة من مطار زوارة وليس من مطار معيتقية الدولي على غرار بقية الهجمات. 

وأشار إلى أنه تجري حاليًا محاولات لاقتحام قاعدة الوطية الجوية ومنطقة (ترهونة) من قبل الميليشيات المسلحة التركية، وذلك لأهمية قاعدة الوطية الاستراتيجية التي يتواجد بها اللواء التاسع الذي يعد من أقوى الألوية بالجيش الوطني الليبي، إلا أن اقتحام القاعدة سيكون أمرًا صعبًا للغاية وهناك احتمالات كبيرة لفشل هذا الهجوم.

ونظرًا لأهمية قاعدة الوطية الاستراتيجية فإن تركيا ترغب في احتلال القاعدة لتكون قاعدة تركية على المدى البعيد على غرار مطار معيتيقة الدولي الذي أصبح حاليًا قاعدة ومطار جوي تابع للنظام التركي، والهدف من السياسي من احتلال قاعدة الوطية أنه في حال العودة للمسار السياسي في أي وقت تكون تركيا في وضع أقوى لأنها تحتل أكثر من جزء داخل الأراضي الليبية، ووضعها على الارض سيكون أقوى وبالتالي تكون في موقف تفاوضي أقوى. 

C:\Users\hesham\Desktop\fa9dc7d2-ab0f-4f95-8d88-0dae2947d029.jpg

كما أن تركيا والميليشيات التابعة لها تسيطرعلى معبر راس جدير الذي يربط بين تونس وليبيا وهذا المعبر هو أحد المعابر الرئيسية اللي يستخدمها النظام التركي لإدخال الميليشيات والعتاد العسكري إلى ليبيا وتحاول بشكل دائم تثبيت هذا الوجود العسكري. 

إجمالاً، يرى اللواء محمد إبراهيم أن العمليات التي تمت في 13 إبريل لا يمكن وصفها بتغير استراتيجي على الارض، لأن تلك المناطق لا تمثل أهمية استراتيجية، وإنما تعد عمليات تكتيكية وانتصار مؤقت، تحاول تركيا من خلاله إظهار وجود تغير حقيقي على الأرض، وقد وجه المشير حليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي رسالة قوية أكد فيها أن هذا الوضع لن يستمر طويلًا والحرب على الارهاب مستمرة. 

تأثير استمرار الدعم التركي للميليشيات

وأكد اللواء محمد إبراهيم، انه من المؤكد في حال استمر هذا الوضع سوف يؤثر على الاستقرار في المنطقة بأكملها، لأن هذه الميليشيات ليست خطر على ليبيا فقط وإنما على دول الجوار الليبي (مصر وتونس والجزائر)، وهذه مسالة خطيرة جدًا لأن هؤلاء الإرهابيون سيتوجهون لدول الجوار عند انتهاء الازمة الليبية في أي وقت، والمجتمع الدولي حاليًا يتخذ موقفًا سلبيًا للغاية من التطورات الأخيرة، وقد ضرب النظام التركي بالقرارات الدولية الصادرة بالشأن الليبي عرض الحائط، وأنه على الرغم من اقرار الاتحاد الاوروبي في يناير الماضي العملية (ايريني) والتي بمقتضاها يكون للاتحاد قوات بحرية بالبحر المتوسط لمنع تدفق الاسلحة التركية إلى ليبيا، إلا أنها تناور وتقوم بنقل الأسلحة والعتاد عن طريق الامداد الجوي. 

ويجب على المجتمع الدولي والدول الأوروبية والدول المهتمة بالموقف الليبي، أن تنفذ جزءً من القرارات التي تم تضمنتها مخرجات مؤتمر برلين، لتحريك الوضع السياسي والاقتصادي والامني، ويجب خلال الفترة القادمة ان يكون هناك تركيز دولي أكثر وفعال لتكون هذه العملية العسكرية التي بدأت من 13 ابريل الجاري هي العملية الاخيرة فيما يخص التدخل التركي والا سينقلب الأمر على كل المنطقة.

 وأشار إلى أن مصر ستتحرك خلال الفترة القادمة لما سبق وأن أوضحناه من أهمية ليبيا للأمن القومي المصري بشكل مباشر، مؤكدًا أن العلاقات المصرية بالدول ذات العلاقة بالشأن الليبي تتميز بأنها قوية للغاية، ويجب العودة للعملية السياسية، وأنه لا بديل عن الحل السياسي للأزمة ومصر لا ترغب ولا تميل للحل العسكري ويجب العودة لمائدة التفاوض للحل السياسي ودعم الجيش الوطني الليبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى