كورونا

جامعة ييل الأمريكية.. تحليل البيانات الضخمة كأداة لمجابهة كورونا

عرض محمد هيكل

كثفت أزمة فيروس كورونا من حالة الجدل الدائر حول ما يسمى “البيانات والمعلومات العملاقة والخصوصية”، فقامت الحكومات بجمع المعلومات من القطاعين العام والخاص لتتمكن من التنبؤ ومجابهة جائحة كورونا، ولكن وضع قوانين وآليات حماية الخصوصية جانبًا وقت الأزمة قد يؤدي إلى معاير جديدة ودائمة، وللاستفسار حول هذا الأمر توجهت جامعة “ييل” الأمريكية بهذا السؤال حول دور نظام الهوية الوطنية بالهند المعروف باسم ” أدهار”، واستخدامات البيانات الضخمة حول العالم إلى الدكتور “سومو شودير” أستاذ الإدارة والتسويق بالجامعة.

هل نظام الهوية الوطنية البيومترية في الهند المعروف باسم ” أدهار”  يساعد في مجابهة فيروس كوفيد-19؟

أجاب دكتور “سومو شويدر” بأن أحد أهم الاستخدامات الأساسية لنظام ” أدهار” هو إيصال المساعدات والإعانات العامة بسرعة وكفاءة دون الحاجة لوسطاء، وهو أحد أهم وسائل مجابهة أزمة كورونا في الهند لمكافحة التخزين ونقص الغذاء والجوع بسبب الفقر هي الإعانات الغذائية والنقدية ومن الضروري للغاية تقديم المساعدات والإعانات بسرعة وكفاءة، لذا يعد نظام ” أدهار” أداة مهمة في هذه المعركة.

ولاية تيلانجانا جنوب الهند والتي ربطت جميع كروت التامين الاجتماعي في النظام القديم بنظام ” أدهار” في العام 2016 ستقوم بمواصلة استخدام النظام لتوصيل الإعانات الغذائية والنقدية الحكومية طوال أزمة فيروس كورونا، لكن ربع سكان الهند لم يربطوا بعد بطاقات التأمين الخاصة بهم بنظام ” أدهار”، لذلك لا يمكن استخدامه حصريًا للتوزيع العام في البلاد.

وأوضح أنه لضمان حصول كل المستحقين على الإعانات خلال الأزمة، قامت عدة ولايات منها ولاية كيرالا وديلهي وجهارخاند بعدم تصديق نظام ” أدهار” خلال الأزمة، وأنه سيمكن استخدام بطاقات الهوية التقليدية للحصول على الإعانات، لافتًا إلى أن البعض لاحظ أن نظام البصمة الإلكترونية المعمول به من نظام ” أدهار” قد يؤدي في حد ذاته إلى انتشار العدوى بالفيروس، لذلك قامت ولاية كيرالا بتطوير نظام مصادقة يستند لكلمة مرور لمرة واحدة فقط مرتبطة بأرقام البطاقة التموينية لضمان تحديد متلقي الإعانة وتقليل السرقات، وقامت ولايات أخرى بتسجيل المعاملات في دفاتر عن طريق الربط بين أرقام الحساب وبطاقات التموين، وبالتالي تقوم الولايات المختلفة بتكييف نظام “أدهار” بشكل خلاق لمجابهة كوفيد-19.

ومن الواضح أنه في وقت أزمة كهذه، لا ينبغي أن تصبح قضية تنفيذ ” أدهار” هي عنق الزجاجة لتلقي أي شخص الإعانات المشروعة، حتى وإن كان هناك عمليات احتيال، لكن أعتقد أن “أدهار” سيفي بغرضه حتى ولو تم استخدامه جزئيًا.

وأكد “شويدر” أن نظام” أدهار” سيوفر السرعة (خاصة لتلقي الإعانات النقدية) والراحة وهو مناسب للذين يمكنهم استخدامه أو يرغبون في استخدامه، وعندما يستخدم عدد كبير من الناس نظام ” أدهار”، ستزداد القدرة على اكتشاف الاحتيال والسرقات التي ستظهر في التدقيق المستقبلي، لذلك لن يقوم المجرمون بعمليات احتيال صريحة.

هل تم تنحية مخاوف الخصوصية التي أثيرت حول نظام “أدهار” جانبًا خلال هذا الوقت الطارئ أم أن هذا الوضع أدى لتفاقمها؟

رأى أستاذ الإدارة بجامعة ييل أن المخاوف المتعلقة بالخصوصية في مثل هذه الحالة الطارئة تأتي في خلفية المشهد ليس فقط في الهند، لكن في جميع دول العالم، موضحًا أن المخاوف الحالية بشأن نظام “أدهار” هي في الغالب حول ما إذا كان سيتم رفض بعض طلبات الإعانة أو الدعم التي تستحق، وذلك بسبب عدم كفاية الربط مع بطاقات التموين أو لأخطاء أخرى.

تنشأ مخاوف الخصوصية في الغالب بسبب أن الحكومة سمحت لنفسها بتكثيف تتبع الهواتف المحمولة من أجل المصلحة العامة في حالة الطوارئ الحالية، علاوة على ذلك يقوم المسؤولون بجمع البيانات المتعلقة بحجوزات الطيران والقطارات لتتبع الإصابات المشتبه فيها، وفي الواقع فإن العديد من الإجراءات التي تكون غير مقبولة في الأوقات العادية مثل انتهاك الخصوصية يصفق لها المواطنون في هذا الوقت من الأزمة بسبب مصلحة الصحة العامة.

على سبيل المثال قامت عدة حكومات محلية بتحديد الأشخاص المصابين بفيروس كورونا أو من من طلب منهم الخضوع للحجر الصحي الذاتي أو من كانوا مخالطين لشخص مصاب بسبب سفرهم عن طريق ختم أيدهم بحبر لا يمحى ونشر وإرسال علامات على منازلهم، ويشعر متلقو هذه ” الرسائل والإشعارات القرمزية ” بالوصم نتيجة لهذا النهج، مع ذلك فإن الاستجابة العامة لهذا الأمر عالية؛ ذلك لأن عدد كبير ممن طُلب منهم الحجر الصحي الذاتي لم يفعلوا ذلك.

حتى الأطباء والعاملين بمجال الرعاية الصحية يتعرضون للوصم، خطر ذلك الوصف في أنه قد يؤدي إلى أن يتعمد الناس إخفاء إصابتهم بالمرض، والخوف من الذهاب للمستشفيات مما يجعل المشكلة أكثر سوءًا في بعض المجتمعات، ومن المهم جدًا حتى على المدى القصير الحرص على ألا يكون هذا الوصم عقابيًا.

في أزمة صحة عاجلة وطارئة اتخذت السلطات الهندية (حالها حال باقي سلطات دول العالم) نهج “تفضيل الأمان حاليا على الأسف لاحقًا” أو “الوقاية خير من العلاج”، ولكن يبدو أن الجمهور يمانع ، معبرًا عن أمله في أنه بعد انتهاء الأزمة سيقوم المفكرون والخبراء بالتفكير بعقلانية وتقيم الاستراتيجيات المثلى التي توازن بين الخصوصية والصحة العامة، وتطوير قواعد واستراتيجيات التعامل مع الحالات الطارئة مستقبلًا، ويخبرنا التاريخ أنه إذا لم نكن يقظين فإن العديد من الاختراقات للخصوصية والحقوق الفردية التي تتسلل خلال حالات الطوارئ تستمر في البقاء لفترة طويلة جدًا، لذلك يجب القيام بتدقيق يقظ لهذه الممارسات بعد انتهاء الأزمة.

كيف تساهم البيانات الضخمة وطرق تتبع الأشخاص من خلال الأجهزة الاستهلاكية حول العالم في مكافحة كوفيد-19؟

ذكر الدكتور “سومو شودير” أن الحكومات استخدمت كل من المسارات ” الطوعية” و” الأقل تطوعًا” لاستخدام البيانات الحساسة للخصوصية، وربما كان الصينيون الأكثر شراسة في هذا الأمر لاحتواء الفيروس من خلال الجمع بين الإغلاق الإلزامي وكاميرات المراقبة والمسح الإلزامي لدرجات الحرارة عبر الإنترنت والتتبع عبر الهاتف المحمول باستخدام التكنولوجيا الحديثة لخلق رؤية شاملة.

كما استخدمت كوريا واليابان وسنغافورة مزيجًا من التتبع عبر الهاتف المحمول وكاميرات المراقبة جنبًا إلى جنب مع مستويات اختبار أعلى بشكل ملحوظ لتسهيل تتبع الأفراد، مشيرًا إلى أن دول شرق أسيا تحركت بشكل أسرع من الدول الغربية لاحتواء الفيروس وذلك بسبب خبرتها السابقة مع السارس وبالتالي تعاني من اضطراب أقل بكثير الآن.

كما طالبت عدة دول مواطنيها بالتطوع للمساعدة في مجابهة انتشار الفيروس، على سبيل المثال قامت الهند وسنغافورة بمطالبة مواطنيها بمساعدتها في جمع المعلومات حول المصابين أو من يشتبه في إصابتهم، وذلك عن طريق جمع المعلومات من المواطنين مباشرة، إضافة إلى تتبع الهواتف المحمولة وتتبع المواقع والبيانات الرسمية الأخرى بالإضافة لأدوات الذكاء الاصطناعي في الكشف والتنبؤ وتخصيص الموارد في المعركة ضد كوفيد -19، فقد أطلقت الهند منذ بضعة أيام تطبيقًا يتيح للمواطن المشاركة في جمع البيانات والمعلومات مما سيوفر بيانات ذات قيمة كبيرة لمجابهة كورونا، وقالت الحكومة إنه تم تحميل التطبيق 8 مليون مرة حتى الآن.

حتى وإن لم تتمكن الحكومات من المزج بين طرق جمع المعلومات والبيانات المختلفة أثبت الشركات في الولايات المتحدة القدرة على التنبؤ بالمناطق كثيفة الإصابة باستخدام تقنية تتبع الهاتف المحمول فقط، على سبيل المثال شركة صغيرة أظهرت أنه وبتتبعها للأشخاص الذين خرجوا لشواطئ فلوريدا المختلفة للاستمتاع بعطلة الربيع تمكنوا من التنبؤ بنقاط الإصابة المحتملة في البلاد، ونفس التكنولوجيا كان من الممكن أن تساعد في توقع ” تأثير ما قبل الأزمة بيوم” (تأثير ماردي جراس) على مجتمعات مختلفة.

وأفاد “شويدر” أنه لو كانت الولايات المتحدة فعلت الحد الأدنى من التتبع الكلي  كإجراء إستباقي في التباعد الاجتماعي (كما فعلت بعض البلدان في آسيا) لكانت الحياة أقل اضطرابا بكثير، وما وصلت إلى المستوى الحالي، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة تقوم حاليًا بمحادثات مع شركتي جوجل وفيسبوك، بالإضافة إلى شركات تقنية أخرى وعدد من الخبراء في مجال الصحة حول كيفية استخدام البيانات التي تم تحديدها بتتبع المواقع والبيانات الشخصية لهواتف المواطنين الأمريكيين لمجابهة الوباء، وقد تستخدم الولايات المتحدة فقط البيانات المجمعة المجهولة التي يمكن أن تساعد في رسم خريطة لانتشار الفيروس بطريقة تحافظ على الخصوصية.

وقد أعلن مكتب خصوصية البيانات الأوروبي ” أي دي بي بي” أن جائحة كوفيد-19 هي حالة طوارئ تجعل من القانوني لدول الاتحاد الأوروبي وضع قيود على حرية الأفراد شريطة أن تكون هذه القيود متناسبة ومحدودة مع فترة الطوارئ فقط، مؤكدًا أن العديد من الدول تستخدم قوانين الطوارئ لمجابهة جائحة كورونا، لكن يتساءل هنا خبراء الخصوصية عما إذا كانت هذه الأدوات والآليات ستتحول لأدوات للتطفل على المواطنين فيما بعد الأزمة على المدى البعيد، ومن المنطقي تمامًا أن تعليق هذا الأمر (الخصوصية) مؤقت لخوض هذه الحرب مع هذا العدو الخفي لكن يجب الحذر بشأن ما يُسمح له بأن يصبح قاعدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى