كورونا

“جيو بوليتكال مونيتور” .. النظام النقدي العالمي وسيناريوهات العملات المقترحة

عرض – رحاب الزيادي

قدم الكاتب “جوزيه ميغيل ألونسو ترابانكو” ، في مقال له نشر على “جيو بوليتكال مونيتور” ، عدة سيناريوهات حول مستقبل النظام النقدي العالمي بديلا للدولار كعملة احتياطية، منها اليوان الصيني و حقوق السحب الخاصة والذهب و”ليبرا” العملة التي اقترحت من قبل (فيس بوك) والعملة دون الجنسية إضافة إلى السيناريو الأكثر تشاؤما وهو الانهيار النقدي المفاجئ.

واليكم نص المقال :


إن التنبؤ الاستراتيجي ليس دقيقا في أغلب الأحوال، لاسيما عندما يتعلق الأمر بظواهر يصاغ سلوكها بعدة متغيرات، ومن هنا فإن استكشاف مستقبل الهيمنة النقدية مهمة بالغة التعقيد، تتطلب النظر في العوامل الجيوسياسية والمالية، ويقدم التاريخ أمثلة كثيرة على أن الإدارة المالية الدولية والشؤون النقدية تعمل كمرآة تعكس العلاقة المتوازية ببن القوى الجيوسياسية السائدة في النظام الدولي، وعادة هذا يعني أن العملات الاحتياطية المهيمنة تصدر عن الدول الأكثر قوة، ويتطلب ذلك تجاوز نطاق علم الاقتصاد التقليدي.
بالرغم من ذلك فإن النظام النقدي العالمي هو عملية تتسم بالتغيير المستمر وغير الثابت ، وبعبارة أخرى لايوجد ما يسمى بـ”الهيمنة الدائمة” على المستوى الجيوسياسي أو النقدي، ورغم أن الموقف الحالي للدولار الأمريكي يبدو قويا في لمحة أولى، لكن لابد من أخذ التوقعات البديلة فى الاعتبار، حيث يواجه تحديات هيكلية ومستهدف من قبل عدد كبير من المنافسين الاستراتيجيين لواشنطن.
يرى بعض المحللين أن التحول النقدي الدولي قد يكون سلميا وتدريجيا، لكن من غير الحكمة افتراض أن النتائج تحدث بفعل مستوى متزايد من التوترات الجيوسياسية، الواقع أن المنافسة الاستراتيجية تتضح الآن في مجال التمويل أكثر من أي وقت مضى. رغم ذلك ليس واضحا ما قد يحدث في حال أصبح الدولار الأمريكي العملة المهيمنة، فهناك العديد من السيناريوهات المحتملة والبديلة ينبغي دراستها.

السيناريو الأول: استمرار تفوق الدولار الأمريكي

لاتزال الولايات المتحدة الدولة الأكثر قوة في العالم، وهذا يتضح في مجالات عديدة منها الشؤون العسكرية والجغرافيا السياسية والاستخبارات والصناعة والطاقة والعلم والثقافة والتكنولوجيا، وتوصف دائما بأنها قوة مالية عظمى، وإذا ما ضعف موقف الولايات المتحدة بسبب النكسات وعدم التوازن والضعف في بعض الأحيان، فمن المتوقع ألا تضاهي قوة الدولار الأمريكي في أي وقت قريباً.
علاوة على ذلك تبذل واشنطن ما في وسعها لتعزيز والحفاظ على الدور المهيمن لعملتها كوحدة دولية للحساب ووسيلة للتبادل، ولا شك أن الدولار الأمريكي هو شريان الحياة للتجارة والبنوك والتمويل في مختلف أنحاء العالم.
فضلا عن ذلك فإن الاحتياطات النقدية التي تحتفظ بها البنوك المركزية مقومة بالدولار الأمريكي تشكل عقبة ضد الهجمات على العملة الأمريكية، بعبارة أخرى إن إغراق الدولار بشكل مباشر أو غير مباشر قد يؤدي إلى إضضرابات مالية واقتصادية خطيرة قد تبتلع المهاجمين أنفسهم.
وقد يلجأ المتحدون المحتملون إلى تأسيس دوائر مالية ونقدية موازية، حيث تضحي الدول بمصالحها الاقتصادية من أجل تحقيق النصر.
تدرك كل من موسكو وبكين أن الدولار الأمريكي يشكل حجز الزاوية في القوة الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية. لكن على نحو آخر فإن احتمال نشوب أقطاب مالية وجيوسياسية تعد فكرة تاريخية، إلا أن محاولة تجميد التغيير البنيوي يتطلب موارد اقتصادية وسياسية وعسكرية هائلة، ويعد ذلك صراعا ضد الذات.
تنحدر قوة الإمبراطوربات بعد أن بلغت ذروتها، وغالبا ما تكون ضحايا نجاحها وتتبع عملتها مسارا مماثلاً.
علاوة على ذلك فإن موقف الدولار أصبح عرضة للخطر نظراً للسياسات النقدية غير المسؤولة مثل التيسير الكمي اللانهائي، وتزايد المديونية، وهو أمر يؤدي إلى تآكل الثقة التي ينطوي عليها.
يزعم محللون أن الدولار الأمريكي كان دائما يدعم الحياة منذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت منذ أكثر من عشرة أعوام، لكن هناك شكوك حول “الموثوقية النقدية” للدولار الأمريكي على المدى البعيد.

السيناريو الثاني: الاستبدال بعملة وطنية أخرى

عملت الصين على تدويل “اليوان” بهدف تعزيز القوة الوطنية الصينية في مجال التمويل واستخدمت عديدا من الأدوات في ذلك منها الأطر المؤسسية والتجارة الثنائية وتطوير المراكز المالية ومنصات الأعمال التجارية واتفاقيات الاستثمار لتعزيز مكانتها الدولية، حيث تنظر بكين إلى المناخ العام الذي يسوده عدم اليقين المالي والنقدي العالمي، كفرصة لتعزيز عملتها وخفض قيمة العملة والمنافس الاستراتيجي “الدولار”.

لذلك تعتزم الصين تحدي الهيمنة النقدية الأمريكية حتى إذا كان ذلك يعني إنشاء نظام للهياكل الموازية لتجاوز الدولار، وهو من شأنه زيادة الثقل الجيواقتصادي الصيني في أسواق السلع الأساسية والتدفق الدولي لرأس المال والنفوذ المؤسسي والمكانة الوطنية ومن ثم فإن إرتفاع قيمة اليوان يمثل علامة على القوة الاقتصادية المتزايدة للصين.
وفقا لذلك يتم وضع اليوان حالياً كعملة صاعدة، لكن من السابق لآوانه الجزم بأنه قادر على تجاوز الدولار الأمريكي كعملية احتياطية في العالم أم لا ، إذا كانت بكين راغبة في إعادة تشكيل التمويل العالمي فلابد من حصول إجماع من القوى الاقتصادية ذات الثقل، لكى تصبح مصدر أعلى عملة احتياطية في العالم ويعد ذلك امتيازا ذا تكلفة هائلة، تتضمن المسؤولية عن العمل كقوة عسكرية كبيرة للأمن الدولي وعادة ذلك يتعلق بتطوير القوة البحرية لضمان تدفق التجارة الدولية عبر الممرات البحرية الآمنة، لذلك أي قوة عظمى مهتمة بإعاقة الدور المهين للدولار، لابد أن تدرك العواقب المرتبطة بالعبء الجيوسياسي، كونها جهة إصدار العملة المهيمنة على مستوى العالم.

السيناريو الثالث: الجغرافيا المالية ثنائى القطبية أو متعددة الأقطاب.

إن إمكانية التحول نحو نظام نقدى ثنائى القطبية أو متعدد الأقطاب هو أمر حقيقى، والواقع أن أكثر من وحدة نقدية تعمل كعملة احتياطية، فكانت سابقة ملحوظة فى الوقت الذى كان فيه الدينار الإسلامى والعملة البزينطية يتعايشان كعملات احتياطية دولية لعدة قرون خلال العصور الوسطى.
ويعنى ذلك التكوين انقسام النظام المالى والنقدى فى نظامين متنافسيين لكل منهما عملته المهيمنة الخاصة به وكذلك احتياطات الذهب والمؤسسات المالية والكيانات المصرفية وآليات الدفع وهذا من شانه أن يعكس نشوء المراكز العصبية الجيوسياسية والاقتصادية.
بعبارة آخرى فإن الهيمنة النقدية الحالية سوف يعقبها هيكل أكثر تجزؤاً، لكن فى هذه الحالة لايزال بإمكان الدولار أن يكون العملة الاحتياطية لإحدى هذه التكتلات. وهذا يعنى زيادة المجال الحيوى المالى للعملات مثل اليورو واليوان والجنية الإسترلينى بين عملات أخرى.
أخيرا إحدى النتائج الرئيسية هو التاقلم وإمكانية أن تشكل تكتلات العملة المحلية تكتلات تجارية إقليمية بشكل سريع.

السيناريو الرابع: صعود عملة متعددة الأطراف

من المحتمل أن يفقد الدولار وضعه دون أن يحل محله وريث واضح، ومن الاحتمالات الممكنة في هذا الصدد ميلاد عملة متعددة الأطراف ما يسمى “حقوق السحب الخاصة” أنشأها صندوق النقد الدولي كوحدة حسابية وترتبط قيمتها بسلة من عدة عملات.
لكن اعتمادها كعملة احتياطية دولية جديدة سيواجه عدة عقبات على سبيل المثال يمكن استخدامها فقط من قبل الدول ليس من قبل الشركات والأفراد.
قد تكون هذه الفكرة جذابة في حالة استقرار توازن القوى العالمي،إضافة إلى أن ذلك يمنع التشوهات البنيوية المرتبطة بالهيمنة النقدية أحادية القطبية، لذلك يمكن أن تتسع سلة العملات لتشمل عملات الأسواق الناشئة، لذلك ظهور حقوق السحب الخاصة تعد فرصة لمن يهتم بعرقلة تفوق الدولار دون القلق حول عرقلة الاستقرار المالي.
من المثير للاهتمام أن ليرا العملة التي يعتزم “فيس بوك” إطلاقها، ستمثل عملة متعددة الأطراف تديرها شركة خاصة، لكن هذا المشروع قد آثار مناقشات ساخنة حول آثاره على الأمن القومي والخصوصية والتحديات التي تفرضها فيما يتعلق بعملات الدول الوطنية ذات المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المتابينة.

السيناريو الخامس معيار ذهبي جديد

يبدو أن احتمالات استعادة معيار الذهب تجري مناقشتها في الوقت الحاضر، ليس ذلك غريبا في ظل الأزمة المالية الحادة التي حدثت قبل عقد من الزمن. هناك عوامل أخرى يجب وضعها في الحسبان مثل الطبيعة المتقلبة للأسواق المالية المعرضة لأنواع عديدة من الاضطرابات، تراكم الديون غير القابلة للدفع،تنفيذ السياسات النقدية التي تعمل على تعميقها، بعيدا عن تصحيح الاختلالات الهيكلية فإن هذا الواقع يثير شكوكا حول الآفاق طويلة الأجل للنقود الورقية بشكل عام والهيمنة النقدية للدولار بشكل خاص.
بجانب ذلك إن إعادة تعريف الديناميات المالية بوصفها قضايا يجري تناولها في إطار استراتيجية كبيرة، نظرا لتداعياتها في مجال الأمن الدولي والوطني ظاهرة لا يمكن تجاهلها، ورغم أن موقف الدولار لايزال آمنا في المستقبل القريب، فإن افتراض نظام مالي مواز يرتكز على الذهب كوحدة نقدية يعد أمرا لابد من النظر فيه خاصة عندما تكون هناك حوافز جيوسياسية للحد من هيمنة الدولار في العالم.
ومن السابق لآوانه أن نجزم بأن يصبح الذهب محل الدولار في غضون العقود القليلة المقبلة، لكن من الواضح أن السمات الفريدة للمعدن تعزز من آفاقه، فقد أصبح أحد الأصول الجاذبة للدول والشراكات والأفراد.
وفي المناقشة الخاصة بمستقبل الهيمنة النقدية، يبدو أن النظام المالي العالمي القائم على الذهب يمكن أن يقود إلى نظام دولى أكثر استقرار من حيث التوتر الجيوسياسي أو الصراع العسكري، على سبيل المثال أوضح المصرفي السويسري فرديناند ليبس، أن الذهب تتحدد قيمته بالندرة الطبيعية وذلك من شان أن يعزز المسؤولية المالية والسياسة النقدية السليمة ويحد من اللجوء إلى الائتمان اللانهائي والدين الدائم وترتبط كل منهما بالأموال الورقية من أجل تضخيم الميزانيات العسكرية وبالتالي نفقات الحرب.

السيناريو السادس: عملة دون جنسية.


ينظر البعض إلى العملات المشفرة كإحدى نتائج الثورة الصناعية الرابعة، وأنها في مرحلة ما يمكن أن تكون العملة العالمية الجديدة المسيطرة، لكنها لم تصدر من قبل البنك المركزي ولا تدعمها القوة الوطنية لأي دولة لذلك من غير المحتمل أن تصبح المعيار النقدي في العالم.
فضلا عن ذلك فإن سعر الصرف الحالي للعملات المشفرة التي لاجنسية لها مثل البيتكوين متقلب تعمل كأصول مضاربة وليس كمخزن ثابت ومستقر للقيمة، ويبدو أن الجيل الأول من هذه العملات لن يعمل إلا في أسواق محدودة أو ما يمكن تسميته الشبكة المظلمة.
السيناريو السابع الانهيار الشامل.
يوضح الخبراء في المجال المالي أن الأزمات المالية والنقدية تشبه ردود فعل السلسلة النووية، إذا لم يتم احتواء هذه الآثار بفعالية في الوقت المناسب فإن الأثر يكون مأسوياً من حيث العمق والنطاق. لذلك يعد هذا السناريو الأكثر تشاؤما فإن الانهيار المفاجئ يؤدي لفوضى واسعة النطاق مستمدة من تدمير كبير للثروة.
وهناك سوابق جديرة بالملاحظة على سبيل المثال لم يكن سقوط الدينار الروماني محركا في تراجع الإمبراطورية الرومانية، لكنه لعب دورا في تفكك المجتمع والنظام، انتهى بتراجع حضاري صارخ.
والواقع أن الصراع الجيوسياسي المتصاعد الدائر في المجال المالي من الممكن أن يستفز هذه النتيجة ذاتها، حتى ولو لم يكن هذا المقصود من المتنافسين في المقام الأول.

ختاما

عندما يتعلق الأمر بتقييم ما يمكن توقعه في المستقبل حيث تلتقي الجغرافيا السياسية مع التمويل، من الصعب أن نتوقع بدرجة عالية من الدقة ما سيجلبه المستقبل فيما يتعلق بالهيمنة النقدية الحالية. ومع ذلك، يمكن تقييم السيناريوهات المحتملة. وتوضح السيناريوهات السابقة أن هناك العديد من النتائج المحتملة، وكلها تمثل حقائق جغرافية سياسية واقتصادية ومالية بل وحتى تكنولوجية معقدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى