كورونا

الخبير الاقتصادي العالمي محمد العريان: المشهد الاقتصادي بعد أزمة كورونا سيبدو مختلفًا تمامًا

يمثل الحديث عن الاقتصاد العالمي في ضوء أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وما سيكون عليه هذا الاقتصاد بعد الأزمة محورًا مهمًا من محاور اهتمام كافة الدول والمؤسسات والشركات الكبرى ومراكز الفكر على السواء، وسط توقعات بانخفاض معدل النمو العالمي، وإقبال الاقتصاد العالمي على أزمة عالمية جديدة قد تكون أكبر من الأزمات التي مر بها اقتصاد العالم من قبل مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 والكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن الماضي.

وفي هذا الإطار أجرى الدكتور محمد العريان الخبير الاقتصادي العالمي والزميل الأقدم بمعهد لودر للإدارة والدراسات الدولية بالولايات المتحدة، والأستاذ بمدرسة وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا الأمريكية، مقابلة مع الدكتور ماورو جيلين أستاذ الإدارة الدولية بكلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا الأمريكية، حول الوضع الاقتصادي العالمي في ظل أزمة كوفيد-19 وما سيكون عليه بعد الأزمة.

أمر غير مسبوق

أوضح الدكتور محمد العريان أن ما حدث في الاقتصاد العالمي غير مسبوق، فهناك توقف تام للاقتصاد في العالم، لافتًا إلى أن هذا التوقف قد يكون معهودًا في الدول الفاشلة أو المجتمعات التي تعاني من كوارث طبيعية، لكن لم يحدث قط في العالم توقف مفاجئ لدولة كبيرة مثل الولايات المتحدة.

وذكر أن هناك ثلاثة تناقضات مهمة هناك حاجة إلى النظر فيهم:

التناقض الأول هو بين السياسة الصحية والطريقة التي يتم بها ربط الاقتصاد، موضحًا أن المرحلة الحالية من السياسة الصحية تدور حول الانفصال والبعد الاجتماعي والعزلة، ولكن الاقتصاد والمجتمع مربوط بطريقة عكس ذلك، وبما أن السياسة الصحية هي المسيطرة في الوقت الحالي، فهذا قد أدى إلى توقف الاقتصاد فجأة.

التناقض الثاني هو بين السلوك الفردي والسلوك الجماعي.

التناقض الثالث هو بين ما تريد البلدان القيام به على الصعيد الوطني وما هي المسؤولية العالمية.

وأفاد العريان أن الأكثر قلقًا هو ماذا سيحدث إذا انتشر هذا الفيروس في العالم النامي، مؤكدًا أن ذلك سيكون أكثر مأساوية من حيث الخسائر البشرية، لافتًا إلى أن الأزمة الحالية هي على العكس من الأزمة المالية العالمية 2008-2009، فحينها لم يكن التمويل هو الذي بدأت به الأزمة، بل الاقتصاد، أما الآن فأصبح التمويل أيضًا يعاني من ضغوط شديدة.

كيف كان الاقتصاد العالمي قبل الأزمة؟

أشار الدكتور محمد العريان إلى أن العالم دخل هذه الأزمة بظروف أولية خاطئة، وذلك لثلاثة أسباب، وهي:

  1. كانت هناك أسواق مالية منفصلة عن الأساسيات الكامنة. فكانت الأسواق المالية تشهد ارتفاعًا، في حين أن الأساسيات الاقتصادية الحالية كانت منخفضة. لذلك عندما أصيب الاقتصاد بالصدمة حدث ارتداد مفاجئ للغاية للأسواق المالية، وهو ما زاد من الشعور بعدم اليقين وعدم الاستقرار.
  2. كان معدل النمو منخفض للغاية، ولم يكن شاملًا بما فيه الكفاية، ولم يولِ اهتمامًا كافيًا بقضايا الاستدامة.
  3. أقبل العالم على الأزمة بسياسات تفتقد إلى الحكمة، كان العجز مرتفعًا وكانت المديونية عالية في قطاع الشركات، لذلك لم تكن هذه أفضل الظروف أو المدخلات الأولية التي يمكن أن تمنح نوعًا من المرونة التي ستكون هناك حاجة إليها للعبور من مثل هذه الصدمة الكبرى.

وذكر أن الأمر المثير للاهتمام في هذه الأزمة هو التدمير المتزامن لكل من الاستهلاك والإنتاج، لافتًا إلى أنه عندما يتعرض الاستهلاك والإنتاج لضربة قوية في آن واحد، يتغذى كل منهم على الآخر، فعلى سبيل المثال، بسبب التحذيرات الصحية أو لأن الناس مدعوون إلى البقاء في المنزل فإقبالهم على السفر أصبح أقل بالطبع، ولذلك تجد الشركات التي يتعلق نشاطها بالسفر ضررًا كبيرًا في الإيرادات، لذلك تقوم بتخفيض التكاليف بأسهل أو أسرع طريقة وهي عن طريق تسريح العاملين الذين هم أيضًا مستهلكين. ومثال على ذلك فنسبة البطالة في الولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 10% في ثلاثة أسابيع، وكان أقصى ارتفاع في معدل البطالة إبان الأزمة المالية العالمية 2008-2009 هو 10%، أما الآن فمن المتوقع أن ترتفع معدلات البطالة بحوالي 20% -30%.

التمويل جزء من الحل في هذه الأزمة

أكد العريان أن الخبر الجيد هو أن الأزمة لم تبدأ في القطاع المالي وأيضًا أن لبنوك تود أن تكون جزء من الحل بدلًا من أن تكون جزء من المشكلة، موضحًا أن البنوك ستساعد أصحاب الأعمال القابلة للنمو كالمطاعم على سبيل المثال، فهذه الأعمال تعاني من أزمة سيولة في الوقت الراهن، وإذا وافقت البنوك على منحها قروضًا فستساعدهم على تخطي هذه الأزمة، مشيرًا إلى أن الأمر الجيد أن الحكومات والبنوك المركزية اتفقت على أنهم بحاجة إلى أن يكون للتمويل دور مهم في حل هذه الأزمة.

ماذا بعد الأزمة؟

أوضح الدكتور محمد العريان أن الحديث عما بعد الأزمة لن يأتي إلا بعد إحكام السيطرة على الأزمة صحيًا، وهذا لن يكون إلا من خلال القدرة على احتواء انتشار الفيروس، والوصول إلى فهم أكبر لطبيعته وما هو عليه، ومعالجة المرضى بصورة أفضل، وزيادة مناعة الناس، إما من خلال لقاح أو من خلال المناعة المجتمعية.

في وقت ما ستتجه الحكومات لإعادة تشغيل الاقتصاد. ولكنهم سيدركون أنها ليست مثل أزمة 2008/2009 لأنها ليست أزمة مالية وأزمة ثقة فقط بل هي توقف اقتصادي مفاجئ وأزمة متعدد الجوانب. لذلك إعادة التشغيل لن تكون فورية. لذلك يجب التفكير بعناية شديدة في كيفية بدء الفتح التدريجي، وماذا يعني ذلك بالنسبة للفائزين والخاسرين. ثم بمجرد الوصول إلى هذه العملية، هناك فرضية مفادها أن مشهد ما بعد الأزمة سيبدو مختلفًا تمامًا.

وأكد العريان أن هذه الأزمة ستنتج تشابكًا أكبر للحكومة مع القطاع الخاص، وسيتم إنقاذ الكثير من الصناعات، وسيكون هناك الكثير من الديون في المجتمع، ومن المرجح أن يفضل الناس المرونة على الكفاءة وهذا ينطبق بشكل خاص على الشركات. لذا فإن الخطوة التالية لن تكون مجرد إعادة تشغيل ولكن أيضًا مشهدًا مختلفًا تمامًا.

وتوقع أن يتصرف الجيل الأصغر الذي يعاني الآن من هذه الأزمة بطريقة مختلفة عن الطريقة التي تصرفها بها الجيل السابق إبان الأزمة المالية العالمية، خاصة لو كانت مدة وخطورة الأزمة أكبر بشكل كبير عن السابق، لافتًا إلى أن المجتمع سيصبح أكثر حساسية للمخاطر وللأشياء ذات الاحتمالية المنخفضة، لأنه مر بتجربة هائلة، ولذلك هناك اعتقاد أن كلا من الشركات والأفراد سيفضلون المرونة على الكفاءة، في محاولة لبناء احتياطات أفضل للتعايش مع الصدمات.

وأوضح أن ذلك سيساعد على زيادة معدل الادخار مع مرور الوقت، ولكن يجب التعامل مع بداية الاستهلاك على مستوى عالٍ، إذ ستكون هناك حاجة إلى إعادة الكثير من الأشخاص إلى العمل، وإعادة فتح الكثير من الشركات، وهم بحاجة إلى المستهلكين؛ فالتأمين الذاتي غير فعال اقتصاديًا على المدى القصير، مؤكدًا ضرورة تحقيق التوازن الصحيح، وتذكير الناس مرة أخرى بعدم تكرار خطأ أزمة 2008-2009، فحينها تم الانتصار في الحرب ضد الكساد الكبير، ولكن فقدت المجتمعات السلام الذي كان يعود إلى النمو الشامل والمستدام، وإذا لم يتحقق الانتصار في هذه المرة، فسيؤدي ذلك إلى العديد من المشكلات المؤسساتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى