كورونا

“فوكس” الأمريكية: سياسة “فرض القيود وتخفيفها” قد تصبح أمرًا دائمًا وفقًا لسلوك “الفيروس”

عرض – داليا يسري

تحت عنوان “ما يمكن أن نتعلمه من هجمة الموجة الثانية من تفشي الفيروس التاجي بآسيا“، نشر موقع صحيفة فوكس الأمريكية تقريرًا ألقى من خلاله الضوء على ما تواجهه دولاً مثل هونج كونج وتايوان وسنغافورة من تحديات متعلقة بمواجهة الوباء الحالي. واستهلت الصحيفة تقريرها بعبارة مثيرة للانتباه، أشارت من خلالها أنه قد أصبح السفر الى هذه البلدان بالوقت الراهن مشروطًا بقيام المُسافر بتسليم لعابه أولاً.

وأوضحت الصحيفة أن الفحص باستخدام “اللُعاب” يُعد أحد أهم طرق الاختبارات المتعلقة بالفيروس التاجي، والتي تبنتها هونج كونج كشريطة للولوج الى البلاد، بينما منعت في الوقت نفسه الأجانب والغير مقيمين في البلاد من الدخول بشكل تام، بالإضافة الى إعطاء الوافدين أساور تتبع لأجل محاولة السيطرة على الموجة الجديدة من تفشي المرض. 

وتشير الصحيفة إلى أن هونج كونج لا تعتبر هي المكان الوحيد في القارة الآسيوية، الذي قام بأداء جيد في السيطرة على تفشي الفيروس التاجي في موجته الأولى. فيما تم اعتبار كلاً من سنغافورة وتايوان بمثابة مثالين جيدين على كيفية التعامل مع الفيروس التاجي ووقف نمو العدوى جنبًا إلى جنب مع الإبقاء على اقتصاداتهما مفتوحة الى حد ما. 

وتناولت الصحيفة الطرق التي اعتمدتها هذه الأماكن لأجل السيطرة على العدوى، وهذه الأساليب على غرار إجراء اختبارات على نطاق واسع، وتتبع المخالطين، وإجراء عملية مراقبة جماعية، وعزل للمرضى بالإضافة الى اجراء عمليات عزل المرضى وفرض قيود صارمة على السفر. وباختصار يمكن أن نقول إن البلاد لم تشهد اغلاقًا تامًا، ولكن في نفس الوقت تغيرت طبيعة الحياة بداخلها. إذ أن الأمور بداخلها قد تغيرت بدرجات متفاوتة وفقًا لتزايد خطر الحالات الجديدة داخل حدود هذه الأماكن وخارجها. وبنهاية مارس، اضطرت هونج كونج الى اعتماد إجراءات تشديد اجتماعي أكثر صرامة بما في ذلك تعزيز قواعد المنع على السفر ومنافذ الدولة.

أما عن النموذج السنغافوري، تناولت الصحيفة ما يوضح كيف حاولت سنغافورة تجنب اتخاذ قرار الإغلاق الكامل في البداية، لكنها في الوقت نفسه فرضت اجراء الاغلاق وصولاً الى يوم 4 مايو وأغلقت بعد ذلك المدارس بشكل مؤقت. وبالنسبة لتايوان، فهي لم تتخذ قرار الاغلاق بعد واكتفت بوضع قيود صارمة على السفر.  وتابعت الصحيفة مشيرة إلى أننا لن نتخلص من المرض حتى تنجح كل دولة في امتلاك نظامً يمكنها من الكشف على المرض ووقفه في مصدره قبل أن يواصل انتشاره مجددًا. 

وردًا على سؤال حول لماذا شهدت هونج كونج وتايوان وسنغافورة موجة جديدة من الفيروسات التاجية ومن المتوقع أن تشهد المزيد؟! تشرح الصحيفة أن هونج كونج كانت تشهد معدل نمو بطيء نسبيًا بالنسبة للمرض، بحيث كان ينسب الى العائدين من الخارج مهمة تفشيه بشكل كامل. وهو ما ترتب عليه خلق توترات بالمنطقة والقاء اللوم على المغتربين العائدين في مسألة نشر الفيروس. 

وألقت الصحيفة نظرة أكثر تمعنًا على طبيعة الإجراءات التي اتخذتها هونج كونج في متابعة مواجهة الفيروس، بأن قامت كاستجابة لارتفاع أعداد الحالات الجديدة بإغلاق حدودها بالكامل في 25 مارس لغير المقيمون ولمدة اسبوعان، مع وضع استثناءات للزوار القادمون من الصين وماكاو وتايوان. وتلي ذلك أن تم بالفعل إغلاق المدارس بالكامل وصولاً الى فترة لا تسبق تاريخ 20 إبريل. وفي نهاية مارس، تم إضافة تدابير احترازية جديدة، بما في ذلك حظر تجمعات أكثر من أربعة أشخاص، وإغلاق للصالات الرياضية والسينمات والمساح. كما بات على المطاعم أن تقوم بالتقليل من أعداد الأشخاص المسموح لهم بالدخول الى صالاتها، وضرورة قياس درجات حرارة كل شخص يدخل الى مؤسساتهم وتوفير مطهرات يدوية للمستفيدين. 

وتنتقل الصحيفة لعرض بقية القرارات التي اتخذتها هونج كونج بعد ذلك بدءً من إبريل، وتشير الى أن السلطات اتخذت قرار بإغلاق جميع البارات والحانات، بالإضافة الى صالونات التجميل والتدليك، على أن تسري هذه القرارات الى تاريخ 23 إبريل. ولقد ترتب على ذلك، أن شهدت البلاد اعتبارًا من يوم 17 ابريل، ما يزيد على 100 حالة إصابة بالفيروس، مع زيادة رقم واحد فقط بشكل يومي. ولهذا السبب صرح أحد المُشرعين في البلاد أنه بات من الضروري الآن أن يتم التفكير في تخفيف بعض القيود مرة أخرى. 

وعاودت الصحيفة مرة أخرى تناول النموذج التايواني في مواجهة المرض، وأشارت الى أن تايوان قد أرجعت أسباب ارتفاع الحالات لديها الى الحالات القادمة من الخارج، محذرة السكان من ضرورة تجنب السفر خارج الجزيرة لأجل تجنب مخاطر الإصابة بالفيروس. وبتاريخ 19 مارس، أعلنت تايوان أنها منعت جميع الرعايا الأجانب –باستثناء الدبلوماسيون- من دخول الجزيرة. كما منعت الحكومة أي مسافرين من استخدام تايوان كمحطة ترانزيت وطالبت أي عائد بالالتزام بالحجر الصحي لمدة 14 يومًا. 

وتنتقل الصحيفة الى عرض تطورات المشهد في تايوان وصولاً الى تاريخ 14 ابريل، وتقول إنه بذلك التاريخ كان يوجد لدى البلاد ما يقرب من إجمالي 400 حالة، وصل عدد 338 منها من خارج الجزيرة. وعلى الرغم من عدم وجود أي حالات جديدة في الآونة الأخيرة لأول مرة منذ فترة تزيد على شهر، إلا أن السلطات التايوانية تصر على عدم التخلي عن القيود على السفر حتى يتم السيطرة على الوباء بشكل عالمي. والدليل على ذلك، يكمن في تصريحات وزير الصحة التايواني تشن شيه تشونج خلال مؤتمر صحفي له هذا الأسبوع، حيث أعلن “نأمل بالطبع أن يكون الوباء قد انتهى بالفعل، لكننا في نفس الوقت يجب أن نبقى على أهبة الاستعداد”. 

ونقلت الصحيفة عن مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز في وقتٍ سابق بتاريخ 6 إبريل، أوضحت من خلاله آراء عالم الأوبئة والأمراض المعدية وعميد كلية الطب في جامعة كونج كونج غابرييل لونج، والتي أشار من خلالها الى أن استراتيجية فرض القيود ومعاودة تخفيفها ثم الرجوع الى تطبيقها بشكل كامل مرة أخرى، قد تكون أمرًا سوف يتعين علينا الاستمرار في فعله خلال فترة طويلة قادمة من الزمن، وذلك يهدف الى الإبقاء على الوباء تحت السيطرة ولكن بتكلفة اقتصادية معقولة. وتجدر الإشارة الى أن هذه هي الاستراتيجية المتبوعة من قِبَل كلاً من هونج كونج وسنغافورة وتايوان ولكن بدرجات متفاوتة، بحيث يتطلب الأمر اصدار ردود أفعال مستمرة وتعتمد بشكل رئيسي على قدرة كبيرة على التكيف والمرونة. 

وتشير الصحيفة الى أن هذا الرأي يتفق مع رأي مدير واستاذ قسم الصحة العامة في جامعة هونج كونج كيجي فوكودا، والذي يرى بدوره أن الاستجابة المناسبة لحالة الوباء هي عبارة عن عملية ديناميكية تتطلب تعديلات تتراوح بين –التخفيف والتشديد- وفقًا لما تفتضيه الضرورة. فيما ترى عالمة الأوبئة في مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي جنيفر نوزو، أن المعيار الذي يحدد الدولة التي كانت أكثر قدرة على التعامل مع الفيروس ليس هو مدى اتخاذ كل دولة لجميع التدابير، ولكن يتوقف الأمر على إلى أي مدى اثبتت الدولة نجاحًا في اتخاذ تدخلات عدوانية في سبيل محاصرة الحالات القائمة بالفعل.  

وعن السبب الذي يجعل بلدانًا مثل هونج كونج وسنغافورة وتايوان أكثر قدرة على احتواء الفيروس، تقول الصحيفة أن هذه البلدان تتمتع بميزة لا تتوافر لدى الكثير من الدول حول العالم. وعلى سبيل المثال، إنها دولاً صغيرة نسبيًا، بحيث يبلغ تعداد سكان هونج كونج وسنغافورة أقل من تعداد سكان مدينة نيويورك على سبيل المثال، فيما يبلغ تعداد سكان تايوان حوالي 23 مليون نسمة. كما تلعب الجغرافيا كذلك دورًا كبيرًا في حماية هذه الأماكن من تفشي الفيروس، حيث أن كلاً من تايوان وسنغافورة تعد جزيرتان صغيرتان، وبالتالي يصبح من السهل السيطرة على القادمون عبر حدودهما بالمقارنة مع دولاً مثل الولايات المتحدة وأوروبا. وبالإضافة الى ذلك، تملك هذه الأماكن زاخرة عامرة بالتجارب السابقة في التعامل مع حالات مماثلة من تفشي الفيروسات. فعلى سبيل المثال، استثمرت هونج كونج بكثافة في اجراء عمليات الاستعداد لمواجهة الإصابات الناشئة من تفشي فيروس سارس في عام 2004، مما جعل السكان مطلعون بشكل كبير على قواعد الصحة العامة التي ساعدتهم على تطويع سلوكياتهم تنفيذا لسياسات التباعد الاجتماعي. 

وختامًا، 

تشير الصحيفة إلى أنه ووفقًا لمجريات الأحداث، يبدو أن سياسات التباعد الاجتماعي تبقى هي الحل الأخير لأجل مواجهة تفشي الفيروس ما لم يتم الكشف عن لقاح نهائي للمرض. وتستدل على وجهة نظرها بأن التجربة العملية تقول إنه ووفقًا لما جرى بالآونة الأخيرة بمدينة ووهان الصينية والتي شهدت القيود الأكثر انتشارا على حركة إسكان، التي قد تم تطبيقها على الحياة العامة في العصر الحديث على الاطلاق، إلا أن المدينة ورغما عن كل ذلك لم تنته قط من تفشي الفيروس بداخلها بشكل نهائي. وتخلص الصحيفة الى أن إجراءات على غرار فحوصات الأجسام المضادة للأشخاص قد تساعد الحكومات المختلفة على التعرف الى هوية الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض بالفعل، والتوصل إلى ما إذا كانت لديهم مناعة ضد المرض، بما قد يساعد على فتح حدود البلدان. لكن مسألة التخلي عن التباعد الاجتماعي سوف يظل قيد النظر وفقًا لتطورات الفيروس. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى