كورونا

أزمة “كورونا” كمحفز لتحول سياسات”بريطانيا” داخليًا وخارجيًا

في خضم جائحة كورونا، يتوقع أن تشهد الكثير من الدول العديد من التحولات في سياساتها الداخلية والخارجية، وعلى رأس هذه الدول “بريطانيا”، وقد ظهرت بالفعل بوادر هذه التغييرات في عاصمة الضباب، في تأجيل المراجعة التي كانت ستقوم بها المملكة المتحدة لسياستها الدفاعية والخارجية للخريف القادم بحد أدنى. ومن المنتظر أن يساهم فيروس كورونا المستجد في تغيير الكثير بتلك المراجعة وغيرها من تحركات الحكومة البريطانية. وقد بدأت إرهاصات تلك التحولات في عدة محاور أبرزها: 

أولا: الاتجاه لزيادة دور الدولة

لقد أظهرت الاستطلاعات أن قضية الصحة المنوطة بها هيئة الخدمات الصحية الوطنية، كانت في صدارة أولويات العديد من الناخبين البريطانيين، متجاوزة حتى قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بسبب سنوات من انتهاج سياسة التقشف التى أدت لتردي خدمات الهيئة ونقص مواردها. وعلى الرغم من أن الرعاية الصحية كانت تُعدُّ تقليديًا على رأس أولويات وقوة حزب العمل، إلا أن جونسون وحزبه المحافظ وضعوها ضمن أولوياتهم.

 لذا قبل وقت طويل من تفشي الوباء، وضع جونسون النظام الصحي في المملكة المتحدة في صميم رسالته السياسية. وفي خطابه بعد فوزه الحاسم في انتخابات ديسمبر، قال إن الرعاية الصحية ستكون الأولوية الأولى لحكومته بعد تقديم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إلا أن رفع قيمة الضرائب لتغطية خدمات الهيئة كان عائقًا حاضرًا دومًا أمام رفع مستوى هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

وللوقوف على هذا التردي، نجد أنه وفقًا للأرقام الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فإن المملكة المتحدة لديها 6.6 سرير عناية مركزة فقط لكل 100.000 شخص، مقارنة بـ 29.2 في ألمانيا، و12.5 في إيطاليا و9.7 في فرنسا. وبذلك احتلت بريطانيا المرتبة قبل الأخيرة في أوروبا فيما يتعلَّق بعدد أسرة الرعاية المركزة للفرد، طبقا للاتحاد الأوروبي. وكذلك وفقًا للتقرير فإن المملكة المتحدة لديها واحد من أدنى مستويات أسرة المستشفيات لكل 1000 شخص وهو 2.3، مقارنة بـ 8 في روسيا وألمانيا، 6 في فرنسا، 4.5 في سويسرا، 3.6 في إيطاليا، 2.97 في إسبانيا.

بالإضافة إلى أن المملكة المتحدة لديها أعداد منخفضة من الموظفين مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى. ففي عام 2015، كان لديها عدد أقل من الأطباء نسبة لعدد سكانها مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، بمعدل 2.8 طبيب لكل 1000 شخص مقارنة بمتوسط ​​الاتحاد الأوروبي البالغ 3.9.

ومن بين دول مجموعة السبع، كان الإنفاق على الصحة في المملكة المتحدة للفرد حتى إعلان التحفيز المالي للهيئة بالموازنة العامة للسنة المالية الجديدة بشهر مارس للعام الجاري، ثاني أدنى مستوى، حيث أنفقت المملكة 2989 جنيهًا في عام 2017. وكانت الوظائف الشاغرة في التمريض تقريبًا 44000 في إنجلترا في الربع الأول من 2019/20، وهو رقم يعادل حوالي 12 ٪ من القوى العاملة في التمريض.

إلا أن الحكومة في ميزانيتها السنوية الجديدة قدمت سلسلة من التحفيز المالي المصممة للمساعدة في تمويل هيئة الخدمات الصحية الوطنية NHS، بما في ذلك ستة مليارات جنيه استرليني لـ 50.000 ممرض إضافي، وانشاء 40 مستشفى جديد. 

لذا فإن الوباء سيساهم بلا شك في دعم خطة جونسون بدعم القطاع الصحي، وقد يسمح له كذلك بتخفيف الجانب السيئ لقضية الهجرة المساهمة بشكل كبير فى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. فوجود المهاجرين بالخطوط الأمامية في المستشفيات التي تواجه جائحة كورونا، سيساهم في تمرير قبول استقدامهم بأعداد أكبر في الفترات الحالية والقادمة، وهو ما يتوافق مع رؤية جونسون المرحبة بالهجرة.

ثانيًا: تحول السياسة الخارجية عن دعم الصين كالسابق

 اتسمت الحكومة البريطانية قبل وباء كورونا بموقف أكثر ترحابًا مع الصين، وهو ما وضعها في مواقف اتسمت بالمواجهة فى وجه الحكومة الأمريكية. إلا أن انتشار الفيروس، وتشكيك العلماء البريطانيين والأمريكيين في بيانات الحكومة الصينية. خلق شعورًا سلبيًا لدى الحكومة البريطانية، والتي تتخوف الصين من أن يتغير التعامل البريطاني معها بعد مرور الأزمة.

وظهر ذلك التحول، بتصريح وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء مايكل جوف بأن “البيانات التي أصدرتها الصين لم تكن واضحة من حيث طبيعة وحجم الازمة وقدرة الفيروس على الانتشار”. يضاف إليها تصريح الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطاني (إم.آي 6) إن الصين أخفت معلومات جوهرية عن انتشار فيروس كورونا المستجد عن بقية العالم، وبالتالي ينبغي أن تُحَاسب على هذا الخداع.

وقد أشارت “صحيفة صنداي ميل” إلى تقرير صدر عن الحكومة البريطانية بأنها غاضبة من بكين لنشرها معلومات مضللة عن الفيروس، أبرزها أن الجنود الأمريكيين ربما هم من أدخلوه في الصين، وقالوا إنه سيكون هناك “حساب” عندما ينتهي الوباء.

وأضافت الصحيفة أن تقرير أصدره عدد من العلماء قد ساهم في هذا الموقف الغاضب، حيث أخبروا رئيس الوزراء بوريس جونسون أنهم يعتقدون أن بكين تقلل من حقيقة أعداد الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد في البلاد “بنسبة تتراوح بين 15 إلى 40 مرة ” عن المعلن. لافتة إلى أن حكومة جونسون غاضبة للغاية بسبب حملة التضليل في الصين لدرجة يمكنها أن تفسد صفقة السماح لشركة “هواوي” الصينية للاتصالات السلكية واللاسلكية بتطوير شبكة 5G البريطانية. ونقلت الصحيفة عن وزير بريطاني أن هذا الأمر “مشاركة هواوي” يحتاج إلى مراجعة عاجلة، وكذلك أي بنية تحتية ذات أهمية استراتيجية تعتمد على سلاسل التوريد الصينية. 

لذا فإن هذا الفيروس سيساهم على أدنى تقدير فى تعكير الموقف البريطاني المرحب بالتعاون مع الصين عن ذي قبل، ويجعلها أقرب بخطوة عن ذي قبل للحكومة الأمريكية وموقفها من الصين.

ثالثًا: المزيد من التعقيدات ستواجه الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي

بالرغم من أن المتحدث باسم رئيس الوزراء صرّح يوم 13 مارس بأن بريطانيا ليس لديها خطط لطلب تمديد، وبأن هناك سبلًا لإجراء المفاوضات حتى خلال ذروة تفشي المرض. فإن الضغوط التي يتعرّض لها كلا الطرفين البريطاني والأوروبي ستجعل من المستبعد أن يتم التفاوض على الخروج البريطاني. ورغم التأكيدات المتكررة لرئيس الوزراء البريطاني على تنفيذ الخروج، وهو ما يمكن أن ينعكس على ثقة الشعب به، إلا أنه من المستبعد أن يحدث ذلك، فتفشي الفيروس وتسخير مقدرات الحكومة لمواجهته، جعلت فكرة طلب تمديد فترة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا يُنظر إليها على أنها تراجع بقدر كونها عمل وتحرك سياسي مقبول في خضم تلك الأزمة.

رابعًا: مساهمة أزمة كورونا فى خلق تقارب بريطاني مع الاتحاد الأوروبي أكثر من ذي قبل

تراجع الحكومة الأمريكية عن قيادة النظام العالمي وتخليها عن دعم الدول في مواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد، واستمرارها في سياسة مهاجمة النظام الدولي ومنظماته المختلفة، وكان آخرها مهاجمة منظمة الصحة العالمية، قد يدفع بالمملكة المتحدة إلى الاقتراب أكثر مرة أخرى من الاتحاد الأوروبي.

فقد تم خلق حالة ضغط غير مسبوقة على دول الاتحاد الأوربي الداعمة للانفتاح العالمي والحفاظ على حوكمة النظام الدولي، في مواجهة تمدد للنفوذ الصيني والروسي الذي وصل لمعقل الاتحاد نفسه في إيطاليا. مما جعل الاتحاد الأوروبي يزيد من حجم مساعداته المختلفة للدول لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد، وتأكيده على استمرارية تلك المساعدات مستقبلًا، وأعطاه شرعية أكبر لأهمية مشروعه الهادف لمواجهة تغير المناخ والحفاظ على البيئة، الذي كان التغول عليها السبب في انتشار تلك الأوبئة.

وفى تلك النقطة يلتقي الطرفان الأوروبي والبريطاني. فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني تخصيص 210 مليون جنيه إسترليني لدعم الجهود العالمية لتطوير لقاح مضاد للفيروس يوم 26 مارس. ألحقتها كذلك الحكومة البريطانية يوم 11 إبريل، بتقديم 200 مليون جنيه إسترليني لمنظمة الصحة العالمية والجمعيات الخيرية للمساعدة في إبطاء انتشار فيروس كورونا في الدول المعرضة للخطر. وأوضحت وزيرة المساعدات البريطانية آن ماري تريفيليان، أن دعم الدول الأكثر فقرًا الآن، سيساعد في منع عودة فيروس كورونا إلى بريطانيا في موجة ثانية بعد تجاوزها الموجة الحالية.

هذا بالإضافة لجهود الحكومة البريطانية الحالية في مواجهة تغير المناخ واستضافتها التي تم تأجيلها لقمة العمل المناخي 26 الخاص بالأمم المتحدة ((COP26. وبها كانت بريطانيا ستستعي لقيادة العمل العالمي في مواجهة التغير المناخي. وهو ما يقربها خطوات للعمل المشترك مع الاتحاد الأوروبي. ختامًا رغُم تلك التحولات الظاهرة في السياسة البريطانية داخليا وخارجيا، إلا أنها تتوافق مع ما بدأته الحكومة البريطانية بالفعل، إلا أن أزمة فيروس كورونا المستجد بلا شك قد سرعت هذا التحول، هذا من ناحية. أما من الناحية الأخرى فقد تساهم تلك الأزمة في تغيير مزاج السياسة الخارجية عما كان يبدو عليه الوضع سابقًا بسبب الضغوطات التى فرضها واقع أزمة كورونا على الأجندة البريطانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى