كورونا

تعاظم مبادرات “التطوع” في مصر

بعد بزوغ الثورة الرابعة ما بعد الصناعية أو “الثورة المعلوماتية والمعرفية”، تنامى للفرد الواحد في مجتمعه ماهية ووجود مختلفين، مما خلّق تطورًا في حدود دوره في المجتمع، فبات مُطالِبا “بصيغة الفاعل” ومُطالَبًا “بصيغة المفعول” بمزيد من التشاركية في بناء الدولة وصنع السياسات العامة.

ترافق مع ذلك، قاعدة مسلم بها تقريبا، وهي أن جميع دول العالم “المتقدمة أو النامية” لم تعد قادرة على سد الاحتياجات الاجتماعية المتسارعة. لذلك كان لابد من وجود جهات تنسق مع الحكومة، أو ما يمكن تعريفها باسم “المجتمع المدني”، التي تكمل أدوار الحكومة، بالإسهام في معالجة بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وهنا يأتي دور الأعمال التطوعية، التي تدخل ضمن تعريف المجتمع المدني، والتي تلبي حاجة المواطن في التشاركية مع المستوى الأول من النخبة السياسية في بناء الدولة والمجتمع، كما تلبي حاجة الدولة ذاتها في استكمال مهامها التنموية والتطويرية. سيما وأن الحالة الاستفهامية الدائمة في مصر في هذا السياق: هي كيفية حسن استغلال الثروة البشرية الهائلة للمجتمع المصري الذي يحتضن 100 مليون مواطن.

تعزيز الوجود الأخلاقي للمواطن في دولته

يحمل أي فرد في المجتمع ثلاثة مستويات من الوجود، أما الأول فهي “الفردية” (الجمالية)، أي التصرف الفردي والأناني للمواطن في مسؤوليته تجاه الدولة والمجتمع. أما المستوى الثاني (الوجود الأخلاقي) وهو المستوى الوسط الذي يبدأ بمجرد استنفار مسؤوليته تجاه عائلته أو مجتمعه أو دولته. والمستوى الأخير هو المستوى (الديني) الذي يطلق مسؤوليته تجاه الإله فقط، زاهدًا فيما يستقر في الدنيا، متواكلًا في سلوكه تجاه ذاته وتجاه الدولة ككل “حكومة وشعبًا”.

وبالتالي يمكن القول إن المستوى الأخلاقي هو الأفضل للمواطن في دولته، والذي تغذيه الأعمال التطوعية التي تعلي قيمًا سامية مثل الإيثار وحب واحترام ومساعدة الآخر والعمل ضمن مجموعات عمل ناجحة. كما تعلي قيمًا سياسية وهي التعاون مع الدولة “الحكومة” في ترتيب تحركاتها واستكمال أدوارها من أجل نفع الجماعة، فينتج عنه وشائج مجتمعية سياسية اصطلحت عليها العلوم السياسية باسم “التماسك المجتمعي”.

ويقوم تعريف العمل التطوعي على مسألة الإرادة الحرة كما أشارت الأمم المتحدة في تعريفها لهذا النوع من العمل، كونه عملًا غير ربحي، لا يُقدم نظير أجر معلوم، وهو عمل غير وظيفي أو مهني، يقوم به الأفراد من أجل المساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين بصفة مطلقة. ويعني التطوع بأنه غير وظيفي: أي لا تكون له حقوق مثل الموظفين من راتب شهري، ومعاش، وإجازات.

لذلك يعد التطوع هو أسمى درجات الوجود الأخلاقي للفرد داخل مجتمعه، أي بعبارات أدق يشعر المواطن بماهيته بمجرد بدء مسؤوليته تجاه الآخرين، وهي القيمة التي تفرضها الأعمال التطوعية على العناصر المنخرطة فيها، وهم المتطوعون: وهم الأشخاص الذين يتمتعون بمهارة واحدة أو بمجموعة من المهارات، بهدف توظيفها لخدمة المجتمع المحيط بهم، أو خارج حدودهم.

البحث عن التكلفة والمكتسبات

يعد التطوع قيمة غير منظورة، أو قيمة غير مادية، والبحث عن فوائد غرس هذه القيمة في المجتمع، واستغلالها في تطوير المجتمع، يحفظها “أي قيمة التطوع” في إطارها غير المادي كذلك. وأهم فوائد نشر هذه القيمة، هو تعزيز رؤوس الأموال المجتمعية والرمزية للفرد الواحد، إذ يشير الأعضاء إلى الفوائد الاجتماعية والمعيارية على أنها الأكثر أهمية.

هذا يعني أن الأعضاء يقومون بالإبلاغ عن فوائد التواصل الاجتماعي مع الآخرين في المجموعة (على سبيل المثال، اكتساب التقدير والاحترام الشخصيين من الآخرين) ومكافآت السعي للوصول إلى أهداف المنظمة (على سبيل المثال، جعل المجتمع مكانًا أكثر أمانًا للعيش) هي الأكثر أهمية بالنسبة لهم. 

ولكن تختلف الفوائد المعيارية من منظمة إلى أخرى، فهناك المنظمات التي تبث الفوائد غير المادية، في حين هناك منظمات على الجانب الآخر تعزز القيم والفوائد المادية. لذا من الضروري الانتباه لنوع المنظمة التي تتبنى قيمة التطوع؛ لارتباط ذلك بالمردود النهائي الذي ينصرف على الفرد العضو في المنظمة، ففي حالة تقاطعت إرادة الدولة مع هدف بناء مجتمع يقوم على المكتسب غير المادي والرمزي ونشره بين الأعضاء، فعليها (أي الدولة) أولا: تشجيع إقامة منظمات تعزز تلك القيم، ثانيا: تعزيز السلامة التنظيمية داخل المنظمات بهدف التأكد من مكتسباتها غير المادية، وإلا انسحب المجتمع إلى مسار معياري متضارب يربط قيمة التطوع بمكتسبات مادية بحتة.

هناك عدة طرق أخرى لاستخدام نهج الفائدة والتكلفة لتحسين مشاركة المتطوعين. على سبيل المثال، عند تجنيد المتطوعين، يجب التشديد على جميع أنواع الفوائد التي يجب اكتسابها من خلال الانضمام، وليس فقط تلك المكتسبة من خلال العمل على أهداف المجموعة، بعد انضمام الأشخاص، نقوم بتقييم الفوائد التي ستُبقيهم على المشاركة مرارًا وتكرارًا، ثم يتم تخصيص مهام لهم تتوافق مع تلك الفوائد المرجوة. وفي مرحلة لاحقة، يمكن أن تكتسب المنظمة النفوذ والسلطة والهيبة من خلال الانضمام إلى تحالف رفيع المستوى، يكسب أفراد المنظمة (أو المتطوعين) ذات القيمة المكتسبة من رأس المال الاجتماعي والرمزي.

مسارات التطوع.. “حوكمة” الفرص المرغوبة من أزمة كورونا

من الضروري الانتباه إلى أن المسؤولية الأخلاقية للمواطن (أي الوجود الأخلاقي) تتجه في مسارين اثنين: 

  1. المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع.
  2. المسؤولية الأخلاقية تجاه الدولة. 

الأولى تضمنها الجمعيات الأهلية الموجودة حاليًا في مصر، أما الثانية فتفتقد إليها مصر قليلا، وهي الأعمال التطوعية التي تتقاطع مع مشاريع الدولة القومية والضخمة. 

ولكن أثناء إدارة الحكومة المصرية لأزمة كورونا برزت مشاهد تضامنية من المجتمع المصري تلجأ لاكتساب أدوار تطوعية من أجل مواجهة وتطويق أزمة كورونا. فحاولت الحكومة المصرية “حوكمة” هذه المشاهد والأدوار في مسارات تضمن المسؤولية الأخلاقية للمواطن المصري تجاه دولته، وبجانب الحكومة ظهرت كيانات سياسية ومدنية أخرى للعب نفس الدور وهو تنظيم التطوع في مصر عبر إطلاق “المبادرات“. بعبارات أخرى: انبثق عن أزمة كورونا في مصر فرصا مرغوبة تتمثل في المسارات التطوعية وإطلاق المبادرات. 

ويجدر هنا عرض بعض هذه المبادرات، فعلى مستوى الحكومة: أطلقت الوحدة المركزية لشؤون مقدمي الخدمة الطبية بوزارة الصحة مبادرة “كن بطلا”؛ للعمل ضمن فرق الدعم الطبية بمستشفيات العزل والإحالة أو فرق التقصي والمتابعة الميدانية.

أما على مستوى الكيانات السياسية: فأطلقت تنسيقية شباب الأحزاب مبادرة “البالطو الأبيض”؛ من أجل تخريج 10آلاف طبيب لمواجهة كورونا، تستهدف طلاب السنة الأخيرة بكليات الطب والصيدلة، وسرعة تخريج هذه الدفعة، بحيث يتم فتح باب التطوع لهم ضمن إجراءات الدولة لمواجهة فيروس كورونا، ويتم إشراكهم في عمليات علاج المرضى من هذا الفيروس المستجد.

أما على مستوى الكيانات المدنية مثل البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة PLP، فنظمت مبادرة “رد الجميل” تحت مظلة المبادرة الرئاسية حياة كريمة، لتوفير أدوات التعقيم والحماية الاجتماعية لنصف مليون أسرة تخفيفًا لوطأة انتشار فيروس كورونا على مستوى الجمهورية. وكانت مجموعة من شباب البرنامج الرئاسي، شاركت ضمن فريق الرصد الميداني، بشكل تطوعي في تنظيم عملية صرف المعاشات.

ختاما، يمكن القول إن أولا: قيمة التطوع، والمتطوعين، هما الأداة النافذة التي ترسم تطبيق التماسك المجتمعي، وهي الصورة الأسمى لوجود المواطن المصري في دولته. كما هي تعبير راقي لترسيخ صورة التضامن والتكافل في المجتمعات، الواجب تعزيزها والتمسك بها من أجل بناء مجتمع قوي، قادر على التغلب على الأزمة والتوجه للتعافي السريع، وتجاوز حالة الخوف من الكارثة سواء كانت تقليدية مثل الحروب، أو غير تقليدية مثل الأوبئة.

ثانيا: إن التطوع يعزز الاتصال بين مثلث الحوكمة وهم (الحكومة – والمجتمع المدني – والقطاع الخاص)، ويضمن العلاقة الإيجابية بين الحكومة والشعب بهدف تجاوز الأزمات، وخلق أثير يضمن إيجابية المساهمة في صنع السياسات في المستقبل.

ثالثا: غرس قيمة التطوع وتنظيم مسارات لها، يضمن تجاوز حالة الصدمة التي يشعر بها المجتمع بعد حدوث الكارثة، ومن ثم تحويل الأزمات إلى فرص ومكتسبات مرغوبة.رابعا: التطوع هو قيمة معيارية ترتبط فوائدها بنوع المنظمة التي تتبنى هذا العمل، فيجب التأكد من أهداف المنظمة وتسييرها للتطوع، من أجل ضمان أن التطوع يستهدف قيمًا غير مادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى