كورونا

الرئيس الفرنسي للفايننشال تايمز: حان وقت التفكير فيما لا يمكن تصوره

عرض محمد حسن

في محاولة للاقتراب من مراكز صنع القرار في العالم الغربي وفهم طريقة تعاطي الإدارات السياسية مع أزمة تفشي وباء كورونا، أجرت صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية حوارًا شاملًا مع الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في قصر الإليزيه بباريس. وتحت عنوان “حان وقت التفكير فيما لا يمكن تصوره”، نشرت الصحيفة البريطانية المقابلة، الخميس، 16 إبريل.

وتشير الصحيفة أن الرئيس الفرنسي لديه خطط كبيرة للمستقبل حتى اللحظة الراهنة، ففور نجاحه المفاجئ في الانتخابات الرئاسية 2017، أعلن عن عاصفة من الخطط الطموحة لإعادة هيكلة الاتحاد الأوروبي، وعندما ترأس مجموع السبع G7 العام الماضي حاول التوسط بين الولايات المتحدة وإيران، والتوصل لاتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، فلقد شرعت حكومته جديًا لتعزيز مكانة فرنسا دوليًا.

لكن وباء كورونا ترك “ماكرون” يفكر في حلول لأزمة صحية عالمية أودت بحياة أكثر من 140 ألف وكيفية إنقاذ الاقتصادين الفرنسي والعالمي من كساد مماثل لانهيار عام 1929. 

“نحن نواجه جميعًا الحاجة لابتكار شيء جديد؛ لأن هذا هو ما يمكننا القيام به”، هكذا تحدث “ماكرون” للصحيفة البريطانية وهو يميل لأمام كرسي مكتبه في القصر الذي تم مسحه وتطهيره جيدًا. 

رأي الرئيس الفرنسي في التعاطي الصيني

“دعونا لا نكون ساذجين لدرجة القول إن تعامل الصين كان جيدًا كفاية لاحتواء الوباء.. بالتأكيد هناك أشياء حدثت ولا نعلم عنها شيئًا”. أوضحت تلك الكلمات جزءًا من نظرة الرئيس الفرنسي للتعامل الصيني مع الأزمة منذ البداية. وبحسب الصحيفة أيضًا، يريد “ماكرون” من الاتحاد الأوروبي استجابة أسرع عن طريق تدشين صندوق استثماري طارئ يضخ مئات المليارات من اليوروهات سيتعين على الأعضاء المترددين وخاصة دول شمال الاتحاد، دعم كل من إيطاليا وإسبانيا حيث توفي الآلاف جراء تفشي الفيروس، كما يريد من الدول الغنية الوقوف بجانب الدول الأفريقية في هذه الأزمة من خلال الوقف الفوري لمدفوعات الديون. 

وتشير الصحيفة في مستهل ديباجتها للحوار، أن ماكرون بدا مترددًا بشكل غير معهود وغير متأكد مما إذا كانت مقترحاته ستؤتي ثمارها. حيث يقول: “لا أعرف ما إذا كنا في بداية أو منتصف هذه الأزمة – لا أحد يعلم.” “هناك الكثير من عدم اليقين وهذا يجب أن يجعلنا متواضعين للغاية.”

فعلى النقيض من الرئيسين الأمريكي والصيني، اللذين يحاولان وضع البلاد لحالة ما قبل تفشي الوباء، فإن الرئيس الفرنسي صاحب الـ 42 عامًا، قال إنه يرى الأزمة كحدث وجودي سيغير طبيعة العولمة وهيكل الرأسمالية الدولية. وكقائد أوروبي ليبرالي، ويأمل السيد ماكرون في أن تحفز الصدمة الناجمة عن الوباء الدول لانتهاج سبل للتعاون والتنسيق المشترك لمساعدة الدول الأضعف والفقيرة في مواجهة الأزمة. ويريد استخدام كارثة دفعت الحكومات إلى إعطاء الأولوية لحياة البشر على النمو الاقتصادي كمنطلق لمعالجة الكوارث البيئية وعدم المساواة الاجتماعية التي قال إنها كانت تهدد بالفعل استقرار النظام العالمي.

لكنه لم يخفِ قلقه من أن العكس قد يحدث، وأن إغلاق الحدود، والاضطراب الاقتصادي، وفقدان الثقة في الديمقراطية سيقوي يد السلطويين والشعبويين الذين حاولوا استغلال الأزمة، من المجر إلى البرازيل.

ماكرون تعليقًا على “المستجدات البيئية”

“التهديد المناخي يبدو بعيدًا لأنه يؤثر على أفريقيا والباسيفيك، لكنه ريثما يصل إليك فإنها لحظة الحقيقة”. هكذا علق الرئيس الفرنسي للصحيفة، مضيفًا “أعتقد أنها صدمة أنثروبولوجية عميقة، لقد أوقفنا نصف الكوكب لإنقاذ الأرواح ولا توجد لذلك سوابق في تاريخنا”.

وأشار ماكرون إلى أن “الأزمة ستغير طبيعة العولمة التي عشناها طوال الأربعين سنة الماضية حيث كان لدينا انطباع بأنه لم تعد هناك حدود. كان الأمر برمته يتعلق بتداول وتراكم أسرع وأسرع. وكانت هناك نجاحات حقيقية. تخلصنا من الشموليين، وكان هناك سقوط جدار برلين قبل 30 عامًا، ومع صعود وهبوط اقتصادي أخرج مئات الملايين من الناس من الفقر، ولكن بشكل خاص في السنوات الأخيرة زادت حالة من عدم المساواة في البلدان المتقدمة. وكان من الواضح أن هذا النوع من العولمة وصل إلى نهاية دورته، وكان هنالك تقويضًا للديموقراطية”.

وهنا سألت الصحيفة البريطانية “ماكرون” عما إذا كانت الجهود المبذولة لاحتواء وباء كورونا قد أظهرت ضعف الديمقراطيات الغربية مقابل إبراز مزايا الحكومات الاستبدادية مثل الصين. وأجاب الرئيس الفرنسي بأنه ما من مجال للمقارنة بين البلدان التي تتدفق فيها المعلومات بحرية ويمكن لمواطنيها توجيه الانتقادات لحكوماتهم وبين تلك التي يتم قمع الحريات فيها وتحجيم تداول المعلومات، مشيرًا إلى أنه بالنظر إلى هذه الاختلافات، والاختيارات التي تم اتخاذها، وما هي الصين اليوم، والتي أحترمها، فلن نكون ساذجين لدرجة أن نقول إنه كان أفضل بكثير في التعامل مع هذا”. “نحن لا نعرف. من الواضح أن هناك أشياء حدثت ولا نعلم عنها”.

وأصر الرئيس الفرنسي على أن التخلي عن الحريات لمعالجة المرض سيشكل تهديدًا للديمقراطيات الغربية. وقال في إشارة واضحة إلى المجر وقرار فيكتور أوربان بالحكم بمرسوم وصلاحيات أكبر. “تتخذ بعض البلدان هذا الخيار في أوروبا”.

ماكرون قلق بشكل خاص بشأن الاتحاد الأوروبي واليورو. وقد قرع مكتبه بيديه بشكل متكرر للتأكيد على نقاطه، وقال إن كلا من الاتحاد والعملة الموحدة سيتعرضان للتهديد إذا لم يُظهر الأعضاء الأكثر ثراء مثل ألمانيا وهولندا مزيدًا من التضامن مع الدول المنكوبة بالوباء في جنوب أوروبا، محذرًا من أن الفشل في دعم أعضاء الاتحاد الأوروبي الأكثر تضررًا من الوباء سيساعد الشعبويين على الفوز في إيطاليا وإسبانيا وربما في فرنسا وأماكن أخرى.

ماكرون تعقيبًا على تحديات الديموقراطيات

أوضح ماكرون أنه أمام لحظة حقيقة: “نحن في لحظة الحقيقة، وهي تقرير ما إذا كان الاتحاد الأوروبي هو مشروع سياسي أو مجرد مشروع سوق. أعتقد أنه مشروع سياسي، نحن بحاجة إلى تحويلات مالية وتضامن، حتى لو استمرت أوروبا في الصمود. 

تعاود الصحيفة الإشارة إلى إن قدرة الحكومات على فتح الدعم قنوات المالي والنقدي لدرء حالات الإفلاس الجماعي وتوفير الوظائف ستكون ذات صلة بمستقبل ماكرون السياسي غير المستقر في فرنسا. فمع توقع تقلص الاقتصاد الوطني الفرنسي بنسبة 8 في المائة هذا العام واستمرار دفق الملايين للعمال المسرحين مؤقتًا بفضل مخطط “البطالة الجزئية” الرسمي الذي تبلغ قيمته 24 مليار يورو، تتوقع الحكومة عجزًا في الميزانية لعام 2020 بنسبة 9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية.

وفّر وباء كورونا فرصة للرئيس الفرنسي لإثبات أنه يحاول إضفاء الطابع الإنساني على الرأسمالية. وهذا يشمل في رأيه بذل جهود أكبر لإنقاذ الكوكب من ويلات الاحتباس الحراري وتعزيز “السيادة الاقتصادية” الفرنسية والأوروبية من خلال الاستثمار في الداخل في القطاعات الصناعية مثل الكهرباء وبطاريات السيارات، والآن المعدات الطبية والأدوية التي أصبح فيها الاتحاد الأوروبي يعتمد بصورة مفرطة على الصين. 

وتتابع الصحيفة بأن الرئيس الفرنسي لديه إدراك إذا كان بإمكان الناس فعل ما لا يمكن تصوره لاقتصاداتهم لإبطاء الوباء فيمكنهم فعل الشيء نفسه لوقف تغير المناخ الكارثي. لقد أدرك الناس “أنه لا أحد يتردد في اتخاذ خيارات عميقة ووحشية عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الأرواح. إنه نفس الشيء بالنسبة لمخاطر المناخ. “كانت الأوبئة الكبرى لمتلازمات الضائقة التنفسية مثل تلك التي نعيشها الآن تبدو بعيدة جدًا، لأنها كانت تتوقف دائمًا في آسيا. حسنًا، تبدو مخاطر المناخ بعيدة جدًا لأنها تؤثر على إفريقيا والمحيط الهادئ. ولكن عندما يصل إليك، حان وقت المعالجة “.

وأنهت الصحيفة البريطانية مقابلتها بسؤال الرئيس الفرنسي عما تعلمه عن القيادة، فأجاب “بصراحة أنه من السابق لأوانه معرفة إلى أين ستقود هذه الأزمة العالمية.. لدي قناعات عميقة بشأن بلادي وأوروبا والعالم والحرية والديمقراطية ولكن في النهاية فإن الصفات المطلوبة في مواجهة مسيرة الأحداث التي لا يمكن مقارنتها هي التواضع والتصميم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى