مكافحة الإرهاب

المفارز الأمنية..وادي النيل بين معركة “الواحات” و”الأميرية”

منذ أن تحولت الاحتجاجات الليبية في فبراير من العام 2011 لساحة من الاقتتال الداخلي، أفضي ذلك لواحدة من أسرع وأكبر نماذج الانكشاف الأمني والانهيار المؤسساتي في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ما مهد بدوّره لتشظي الجماعات والتنظيمات المسلحة في الميدان الليبي، حيث كانت تنشط في الأيام الأخيرة قبل سقوط نظام العقيد معمر القذافي نحو 18 جماعة مسلحة، سرعان ما ارتفع عددها لـ 1600 جماعة وتنظيم مسلح خلال 5 أعوام فقط من الصراع والاقتتال الداخلي.

ومع تصاعد ظاهرة توظيف الإرهاب العابر للحدود على المستوي الإقليمي، مثلت التنظيمات والجماعات المسلحة في ليبيا أداة مُثلي للقوي الإقليمية المناهضة للدولة المصرية ولاسيما بعد تبنيها مشروع الدولة الوطنية أمام مشاريع التوسع الأممي العقائدي. كما أزكي محدد الجوار الجغرافي بين مصر وليبيا من محورية دور التنظيمات المسلحة والإرهابية بطول مدن الساحل الشرقي الليبي.

فكانت مدينة “درنة” الواقعة على بُعد نحو 300 كلم من الحدود المصرية، تحولت لغرفة قيادة متقدمة للعمليات الإرهابية الكبرى داخل وادي النيل بمصر، ولاسيما بعد سيطرة مجلس شوري مجاهدي درنة – المنضوى تحت لواء القاعدة – علي المدينة قبل خمسة أعوام. حيث استقطبت المدينة منذ ذلك الوقت العناصر الإرهابية شديدة الخطورة التي لم تتلاق أفكارها وتطلعاتها مع تنظيم “داعش” في العديد من مناطق والجيوب العسكرية التي ينشط بها وخاصة سيناء، وكان من هذه العناصر، الإرهابي هشام عشماوي، الذي احتل تراتبية قيادية عليا في مجمع تنظيمات القاعدة بليبيا وهندس خط نقاط الوصل للعناصر الإرهابية من ليبيا لمصر.

 لتصبح هناك مصفوفة تضم (سيناء – وادي النيل – درنة)، وتتفاعل عناصرها بدينامية تحكمها ظروف الميدان في كل من درنة وسيناء، ويتأثر وادي النيل بكليهما. فماذا استجد علي هذه المصفوفة، وكيف ترتبط مجمل تفاعلاتها مع معركة الأميرية؟

1- فك الارتباط الاستراتيجي بين سيناء ودرنة: سعت التنظيمات المسلحة والإرهابية إلى ربط ديناميكيات المواجهة العسكرية في سيناء مع النشاط الإرهابي في الاتجاه الاستراتيجي الغربي المصري، وذلك لمحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة تتيح تخفيض الضغط الواقع علي تنظيم داعش في سيناء وإمداده بالسلاح النوعي وخاصة الصواريخ الموجهة المضادة للدروع والأفراد “كورنيت” التي سجلت حضورها في عدة هجمات نفذتها العناصر الإرهابية.

 لكن مع تحرير الجيش الوطني الليبي لمدينة درنة في يونيو من العام 2018، انفك الارتباط عملياً بين سيناء ودرنة وتداعي لذلك خطط النشاط الإرهابي في الظهير الصحراوي لوادي النيل.

2- تأمين الظهير الصحراوي بعد معركة الواحات: قبل إتمام عمليات تحرير درنة صيف العام 2018، سعت غرفة القيادة المتقدم التابعة لمجلس شوري المجاهدين لاستغلال الظهير الصحراوي لوادي النيل في تنفيذ عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات وتنفيذ العمليات النوعية، التي اكتست غالبيتها بطابع الاستهداف الطائفي، حيث نفذت عمليات تفجير كنيستي مارجرجس والكنيسة المرقسية في إبريل من العام 2017، وكذا العديد من عمليات إطلاق النار علي حافلات الأقباط بالمنيا.

حتي انكشفت أولي حلقات التموضع للعناصر المسلحة بالظهير الصحراوي في أكتوبر من العام 2017، إذ خاضت قوات الأمن الوطني مدعومة بوحدات خاصة للجيش المصري معركة حامية الوطيس ضد تشكيل مسلح تابع لغرفة عمليات درنة كان يعمل علي إقامة محطات استقبال في الظهير الصحراوي لمحافظة الفيوم، للعناصر المسلحة الوافدة من ليبيا، فضلاً عن توليه إقامة معسكرات متنقلة لتنفيذ عمليات التفجيرات ومهاجمة النقاط والتمركزات الأمنية.

حيث دارت الاشتباكات عند نقاط الكيلو 135 و 175. غرب وادي النيل. وانتهت بالقضاء علي كامل التشكيل المسلح، ومعه خطط ومشاريع إقامة معسكرات التدريب بطول غرب وادي النيل.

الأميرية .. تثبيت قواعد الاشتباك داخل وادي النيل

دفع تأمين الشرق الليبي، وفك ارتباط جيوبه العسكرية “القاعدية – الداعشية” بسيناء ووادي النيل علي نحو العرض السابق؛ إلى صعوبة التمركز داخل وادي النيل وأطرافه، إذ انتقل النشاط الإرهابي منذ تحرير درنة وتسليم “هشام عشماوي”، لتكثيف الاعتماد علي الخلايا والمفارز الأمنية مقابل خفض اعتماد نسق “التمركز العسكري في الأطراف الصحراوية”. ما صاحب ذلك خطورة شديدة على الخلايا والمفارز الإرهابية كون وادي النيل بيئة جغرافية تلفظ بيئة أمراء الحرب. حيث يحتاج الإرهاب لمدن مترامية الأطراف دون المركز لضمان تأمين عمليات الدعم والإمداد.

داهمت مساء الثلاثاء 14 أبريل، قوة من جهاز الأمن الوطني، شقة سكنية في بناية من عشرة طوابق بمنطقة “الأميرية” بالقاهرة، كانت تستخدمها كوكر إرهابي لشن عمليات إرهابية تستهدف الأقباط بالتزامن مع الأعياد، ونجحت القوة في خلال خمس ساعات في تصفية كامل العناصر، وتأمين السكان بمنطقة العمليات، كما استشهد ضابط بالقوة وأصيب إثنين جراء تبادل إطلاق النار. العناصر الإرهابية كانت تستعد لتنفيذ عمليات إرهابية ضد الاقباط بالتزامن مع أعيادهم، في مقاربة تستدعي الهجمات الإرهابية التي نُفِذت في وقت سابق في نفس التاريخ قبل ثلاثة أعوام بكنائس طنطا والأسكندرية.

 استخدام الخلية الإرهابية لحي الأميرية في الإيواء، والمطرية في تخزين العتاد اللازم لتنفيذ عملياتهم. يعكس أوضاع ما بعد “معركة الواحات”، وما مثلته في نقله نوعية لقدرات الجهاز الأمني المصري في مجابهة التهديدات اللامتماثلة، فكما عكست ضربات سلاح الجو المصري مدينة درنة في فبراير من العام 2015، إبان واقعة ذبح الأقباط، عدم التردد في استخدام القوة لمعالجة تهديدات الأمن القومي، أكدت معركة الأميرية علي ثبات قواعد الاشتباك داخل وادي النيل، وعدم التردد في استخدام القوة لتنفيذ مهام الضربات الاستباقية والجراحية، ضمن تقديرات أمنية تتسق مع الوضع الميداني علي الأرض، ما أنهى المعركة دون خسائر بصفوف المدنيين.

ففي انتقال قدرة النشاط الإرهابي من معسكر للتدريب في الصحراء الغربية لتنفيذ تفجيرات نوعية كبري “تفجيرات أحد السعف” إبريل 2017، لشقة سكنية في حي مكتظ بالسكان، لا ينذر بانتهاء المواجهة قريباً، بقدر ما ينبئ بتغيير أشكال وأنماط المواجهة في حلقة باتت تضيق أكثر علي راعي الإرهاب ووكيله في الوادي وسيناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى