كورونا

ما بعد كورونا.. هل ننجح في العودة مرة أخرى لمزاولة الحياة بشكلها القديم؟

الإنسان يعد كائنا اجتماعيا بطبيعته، وهو ما يفسر السبب وراء استمرار ركض الغالبية العظمى من الجماهير خلف التجمعات، واعتبار الحرمان من الحق في ممارستها بحرية عقابا جماعيا كبيرا لا يغتفر، إذ أن النفس البشرية بوجه عام تميل إلى الاستئناس ببعضها البعض. كما أن الإنسان بوجه عام هو “ابن عاداته”، يكتسبها ببطيء ويواجه أي محاولة للمساس بها بسخط كبير.

ويعرف علماء النفس “العادة البشرية” باعتبارها استعدادا دائما للقيام بنفس الأعمال بشكل متكرر، و”العادة” عبارة عن حالة راسخة دائمة لا تتغير بسهولة، ولها نمط فردي مكتسب، وتوفر على صاحبها جهدا كبيرا في تكرار الفعل سواء كان ذلك الفعل تكيفا حيويا أو عادة حركية أو نفسية.

وعلى الرغم من أن “التكيف” يتطلب تحلي الفرد بقدر كبير من المرونة، إلا أن “العادة” تسهم في عملية التكيف بشكل كبير، ومن ثم فالعادات إن لم تكن على جانب من المرونة، فإنها ستعمل على تعطيل عملية التكيف بدلا من أن تسلها، ولهذا السبب يعتبر الإقدام على تغيير العادة أو اقتلاعها أمرا ليس بالسهل على الإطلاق، خاصة عندما يكون المرء قد وصل إلى “سن الرشد”، وهي المرحلة التي يكون فيها قد بلغ تمام اكتمال عملية اكتساب عاداته.

وقياسا على ما سلف ذكره، يمكن الإشارة إلى حقيقة مفادها أن الأكثر قدرة على التكيف هو نفسه الأكثر قدرة على النجاح في الحياة بوجه عام – ومن هذا المنطلق، يمكن أن نفسر السبب وراء حالة السخط العام التي رافقت قرارات منع التجمعات وحظر التجول في شوارع البلاد. وما ترتب عليها من انتشار صور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومقاطع ساخرة لرجال يحاولون الفرار من المنزل والذهاب للمقاهي. إنهم في هذه المحاولات لا يسعون للفرار من الحظر، ولكنهم يحاولون الفرار صوب متابعة تنفيذ عاداتهم اليومية، وذلك إعمالا بحقيقة أن الإنسان بالفعل يقع أسير عاداته، وهذه عادات استمرت لديهم على مدار سنوات مما يعني أنهم اكتسبوها ببطء شديد، واليوم يواجهون مغبة مطالبات الحكومة الفجائية لهم بترك هذه العادات.

ويلاحظ كيف أن الرجال هم النوع الأكثر رغبة في الفرار من ساعات الحظر المنزلي، نظرا لاعتيادهم على البقاء لفترات طويلة للغاية خارج المنزل، وهو أمر لا نجده لدى غالبية النساء، وهذا ما يفسر كذلك عدم وجود نفس الرغبات بإلحاح لدى النساء.

ولكن “التكيف” عبارة عن عملية تفرض نفسها على الانسان، إما من واقع رغبة نابعة من داخله هو نفسه تدفعه للتكيف مع وضع جديد لمواصلة الحياة بشكل طبيعي، أو أن يكون هذا “التكيف” هو عبارة عن استجابة لحالة اجبارية تم فرضها عليه بفعل الأمر الواقع، وهو ما يحدث في حالتنا اليوم، إذ أن جميع قرارات الإغلاق الصارمة والإجراءات المرافقة لها، والتي تجبر الناس على البقاء في المنزل مُتخذة بشكل جبري من قِبَل الحكومة.

وبسبب طول فترة الحجر المنزلي، يمكن أن نتفهم كيف ستتشكل “عادات جديدة” لدى الغالبية العظمى من الناس، وستتحول عملية “التكيف” لديهم حتى تجعلهم أكثر رغبة في البقاء بالمنزل وممارسة الحياة العملية من خلاله بشكل تام، سواء فيما يتعلق بالعمل عن بعد أو حتى بالتعليم عن بعد “بالنسبة للأطفال”.

إذ أن طول فترة الحجر، قد ساهم بشكل كبير في التلاعب بسلم الأولويات الطبيعي لدى غالبية العائلات المصرية بوجه عام، بحيث جاءت العائلة في المرتبة الأولى، واتضح لدى كثير من أرباب وربات الأسرة أنه أصبح من الممكن بالفعل العمل عن بعد والبقاء في المنزل بنفس الوقت لرعاية الأطفال وما إلى آخره من مشاعر ترتبط جميعها بالدفء الأسري والقدرة في نفس الوقت على ممارسة الحياة العملية بشكل طبيعي. 

وبنفس الطريقة التي انتشر بها كورونا حول العالم، مصطحبا معه نفس التأثيرات الصحية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية ولكن بشكل متفاوت، من الطبيعي أن موجهة انسحاب المرض وما يرافقها الى قرارات تسمح بالعودة الى الحياة الطبيعية بشكلها كما عرفناه من قبل، سوف ترافقها نفس التأثيرات كذلك، ولكن هذه المرة سنرى وياللغرابة كيف أن الأغلبية العظمى تعود مرة أخرى لممارسة حياتها اليومية بشكل طبيعي ولكن بصعوبة كبيرة قد تصل كذلك الى حالة من السخط العام.

وفي نفس السياق، يُذكر أن “ديلي تلغراف” البريطانية نشرت تحليلاً للمحلل السياسي غوردون راينر، تحت عنوان “اقتنعنا كلية بالإغلاق، وقد يصعب علينا العودة للحياة العادية مرة أخرى”.

حيث يقول الكاتب إن الحكومة البريطانية قد نجحت بإقناع الناس بالبقاء في منازلهم والامتثال للإغلاق، ولكنها قد تصبح ضحية كفاءتها ونجاحها في توصيل رسالة ضرورة البقاء في المنزل ، مشيرا الى أن الإغلاق قد ينتهي في يوم من الأيام ولكن المؤشرات الحالية تدل على أنه سيكون من الصعب على الحكومة إقناع الناس أنه من الآمن أن نعود إلى حياتنا الطبيعية.

ووفقا لاستطلاع للرأي أجراه موقع “يو غوف” فإن إجراءات الإغلاق الصارمة التي اتخذتها الحكومة البريطانية للتصدي لوباء كورونا والحفاظ على التباعد الاجتماعي والإغلاق أصبحت تحظى بتأييد ضخم، مع عزوف الناس عن الرغبة الفورية لرفع القيود المفروضة للتصدي للوباء، تلك القيود التي كان المستحيل أن يقبلوا بها قبل بضعة أشهر.

ويشير نفس الكاتب إلى إنه “على الرغم من أن عدد الوفيات في بريطانيا انخفض لليوم الثالث على التوالي، ستواجه الحكومة، عندما يحين الوقت المناسب، تحديا في إقناع الجماهير بقرار إنهاء الإغلاق والتخلي عن الإجراءات الصارمة، ويرجع ذلك لأن الناس قد يتشككون في دوافع الحكومة” لإعادة الأمور إلى طبيعتها.” موضحا أن الرأي العام قد يرى أن قرار عودة الحياة إلى مسارها قد يكون ناجما عن رغبة الحكومة في إنقاذ الاقتصاد وليس لأن الخطر على حياة الناس قد زال.

ختامًا

هناك سؤال مهم يلوح في الأفق، يتركز في حتى لو تلاشى المرض بالفعل، وحتى لو أعلنت عن إتاحة العودة الى ممارسة الحياة اليومية بشكل طبيعي، كيف سيتعامل البشر مع طبيعة ما أصيبت به الغالبية العظمى منهم، من مرض “الوسواس القهري” إزاء النظافة تحديدا، والذي يُعتقد أنه سيحتاج الى جهود أخرى جبارة من الأطباء والمعالجين النفسيين لمقاومته. وبمعنى آخر، لقد تعذر على الناس التعامل مع كسر عاداتهم في المرة الأولى عندما تم فرض قوانين الحظر، والآن تُرى كيف سيتمكن نفس الناس من النجاح في عكس عجلة “عاداتهم الجديدة” والعودة مرة أخرى الى مزاولة الحياة بشكلها القديم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى