كورونا

الإغلاق العظيم.. أسوأ ركود اقتصادي منذ الكساد الكبير

غيتا جوبيناث (Gita Gopinath)، كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، وأستاذة الدراسات الدولية والاقتصاد بجامعة هارفارد، كتبت مقالا تحليليا في “مدونة صندوق النقد الدولي” حول تبعات ما يعرف الآن بالإغلاق الكبير للاقتصاد في العالم جراء جائحة كورونا المستجد، وحددت عددا من السيناريوهات المستقبلية لهذه الأزمة وما يجب على السياسيين أن يتخذوه من إجراءات لتجنب الانهيار الكلي للاقتصاد.

وإلى نص المقال:

لقد تغير العالم بشكل كبير خلال الأشهر الثلاث الماضية منذ التحديث الأخير لتوقعات الاقتصاد العالمي الذي تم الإعلان عنه في يناير، أسفر وباء كورونا في كارثه على المستوى العالمي وتسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا، دعا ذلك الدول لإجراءات الحجر الصحي وممارسه التباعد الاجتماعي في محاولة لاحتواء الوباء وهو ما تسبب في شبه إغلاق كامل للعالم، وترتب عليه اغلاق للأنشطة المختلفة بشكل هو الأسرع في التاريخ، أثرت تلك الأزمة على حياة الناس خاصة مع ضبابية الرؤية حول إجراءات تطوير اللقاحات، تمثلت الآثار في  أزمات صحية ومالية وانهيار في أسعار السلع الأساسية، وعلى الرغم من أن صانعي السياسات يقدمون دعما بطرق مختلفة للأسر والأسواق وهو أمر مهم للتعافي القوي، إلا أنه لا يوجد يقين بشأن الوضع الذي سيبدو عليه المشهد الاقتصادي بعد الخروج من ذلك الإغلاق.

السيناريو الأساسي (تفاؤل):

انخفاض بنسبة 3.3% في 2020، والارتفاع بنسبة 5.8% في 2021، (الأسواق المتقدمة ستنخفض بنسبة 6.1%، والأسواق الناشئة بنسبة 1.0%)

يفترض هذا السيناريو القدرة والنجاح في السيطرة على الوباء في الربع الثاني لمعظم دول العالم، وتراجعه في النصف الثاني من هذا العام، فإن التوقعات الاقتصادية لشهر ابريل أن ينخفض الاقتصاد العالمي في عام 2020 إلى -3%، (وهو خفض بنسبة 6.3% من التوقعات التي سبق إصدارها في يناير، حيث كان من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي 3.3%) وهو ما يجعل من اثار هذا الاغلاق الأسوأ منذ الكساد العظيم وأسوأ من الأزمة المالية العالمية.

بافتراض تلاشي الوباء عام 2020، ونجاح السياسات المتخذة في جميع أنحاء العالم من منع حالات الإفلاس وفقدان الوظائف فإن الاقتصاد العالمي سيرتفع عام 2021 بنسبة 5.8%، لكن هذا الانتعاش جزئي حيث من المتوقع أن يبقى النشاط الاقتصادي أقل من التوقعات لعام 2021 قبل (توقعات قبل ظهور الفيروس)، يمكن أن تصل الخسائر التراكمية للناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال عامي 2020، 2021 جراء أزمة الوباء إلى 9 تريليون دولار وهو مبلغ أكبر من اقتصادات اليابان وألمانيا مجتمعه.

ستتأثر البلدان التي تعتمد على جزء كبير من إيراداتها من السياحة والترفيه بشكل خاص، وستواجه باقي الاقتصادات الناشئة انخفاضا غير مسبوق في تدفقات رأس المال مع تراجع الرغبة في المخاطرة، وسيمثل ذلك ضغوط على العملة، خاصة مع محاولاتها لاحتواء الفيروس في ظل الأنظمة الصحية الضعيفة، وقدرة مالية محدودة لتقديم الدعم، ستسبب هذه الازمة في حالة تباطؤ في النمو وارتفاع لمستويات الديون.

إنها المرة الأولى منذ الكساد الكبير التي من المتوقع أن تنخفض الاقتصادات المتقدمة بنسبة -6.1%، وستشهد الأسواق الناشئة انخفاضا بمقدار -1.0% ويرتفع الانخفاض إلى -2.2% في حال استبعاد الصين، ستتسبب تلك الازمة في انخفاض الدخل لعدد 170 دولة، لكن تلك الاقتصادات (المتقدمة والناشئة) ستتعافى جزئيا عام 2021.

السيناريوهات 

السلبية البديلة (تشاؤم):

انخفاض بنسبة 6.3% في 2020.

يتم اقتراح هذا السيناريو نظرا لحالة عدم اليقين لمدة وشدة الازمة الصحية، يفترض هذا السيناريو عدم تراجع الوباء حتى النصف الثاني من هذا العام، وهو ما سيحتم فترات إغلاق أكبر للأنشطة، وهو ما سيترتب عليه تفاقم الأوضاع المالية ومزيد من الانهيارات في سلاسل التوريد، سيتسبب ذلك في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3% أخرى إضافية فوق السيناريو الاساسي، إذا استمر الوباء للعام الحالي، بينما سترتفع تلك النسبة إلى -8% إضافية فوق السيناريو الأساسي.

سياسات استثنائية

تسمح عمليات الإغلاق بتقليل نسبة انتشار الفيروس ومن ثم عودة النشاط الاقتصادي، لذا يجب على الدول استمرار الإنفاق على أنظمة الرعاية الصحية وزيادة عمليات الفحص، وإزالة أي قيود على الامدادات الطبية، وتمكين جميع دول العالم (الغنية والفقيرة) من الوصول للعلاج واللقاح بعد اكتشافه، من الجانب الاقتصادي يجب أن تستمر سياسات الدعم الضريبية وضمانات الائتمان وتسهيلات السيولة والتأمين ضد البطالة حتى تظل الشركات قادرة على الانتعاش بمجرد الانتهاء من الازمه، والتقليل من الاثار السلبية لهذا الانكماش الحاد.

يجب أن يفكر صناع السياسات في إجراءات الانتعاش من الآن التي ستبدأ مع بداية إجراءات الاحتواء، تتمثل تلك السياسات في دعم الطلب وتحفيز الشركات وإصلاح الميزانيات العمومية للقطاع الخاص والعام للمساعدة على التعافي، أن السياسات التحفيز المالي التي يتم تطبيقها ستدعم القدرة المالية للبلدان، وقد يستوجب الامر الاستمرار في وقف سداد الديون وإعادة هيكلة الديون مره اخري خلال مرحلة التعافي.

يعتبر التعاون بين الأطراف أمرا مهما لصحة الانتعاش العالمي، ودعم الإنفاق المطلوب في البلدات النامية، ينبغي على المقرضين والمؤسسات المالية توفير التمويل الميسر وتخفيف عبء الديون، لقد ساعدت أنظمة المقايضة Swaps البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم لاحتواء أزمة نقص السيولة، لكن يجب إجراء مزيد من الدعم لمنع العالم من التفكك والحافظ عليه بشكله قبل الأزمة.

يعمل صندوق النقد الدولي من خلال قدرته على الإقراض التي تبلغ تريليون دولار على تقديم الدعم للبلدان النامية الضعيفة، بما في ذلك التمويل السريع للطوارئ وتخفيف أعباء خدمة الدين للدول الأعضاء الفقيرة، ويدعو المقرضين الاخرين للقيام بذلك.

هناك بعض الإشارات التي تعطي أملا عن قرب التعافي وانتهاء الأزمة الصحية من خلال نجاح البلدان في احتواء الفيروس باستخدام ممارسات التباعد الاجتماعي والاختبار والتتبع، على الأقل في الوقت الحالي حتى تتطور لقاحات او علاجات لذلك الامر، لكن توجد شكوك هائلة حول المستقبل لذا يجب أن تكون استجابات السياسات المحلية والدولية تتناسب مع حجم الأزمة وسرعة تحديث البيانات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى