الاقتصاد الدولي

مقال “محمد العريان” في “بلومبرج”: الاقتصاد فى حاجة إلى مزيد من الصدمة والتحفيز

عرض: رحاب الزيادي

فى مقال للدكتور محمد العريان  نشرته “بلومبرج” الأمريكية الإثنين 13 أبريل 2020، تناول فيه مآلات ما وصل إليه الاقتصاد العالمي حاليا جراء تفشي فيروس كورونا المستجد، بجانب تقديم رؤى عن مجموعة من التدابير التي يجب اتخاذها لمعالجة الاضطرابات الناجمة عن الوباء. وجاء نص المقال كالآتى:

تراهن الحكومات والبنوك المركزية على أن مجموعة كبيرة من إجراءات الإغاثة سوف تعالج الاضطراب والتعطيل الذى تسبب فيه كوفيد 19، وقد لا يكون هذا كافياً. فى محاولة مثيرة للإعجاب لاحتواء الخسائر البشرية المأسوية الناجمة عن الإغلاق الاقتصادى جراء الوباء .

وتراهن الحكومات والبنوك المركزية على “لعبة جولة واحدة” وفقاً لنظرية الألعاب وهذا يعنى أنهم يراهنوا على أن مجموعة حاسمة من تدابير التحفيز والإغاثة كافية لمعالجة الاضطرابات الناجمة عن الوباء.

لم تحذو الأسواق حذوها فحسب، لكنها تسير الآن على هذا النحو، والأمل أن تكون هذه بطبيعة الحال الصدمة الصحية التى أصابت شلل الاقتصاد العالمى، ومكمن القلق هنا أن هذه الجولة الأولى من الاستجابات تخاطر بالانتهاء إلى سباق عدو سريع فيما اتضح أنه ماراثون.

وإذا ما نظرنا إلى البنوك المركزية فمن المستحيل الآن اتهام الاحتياطى الفيدرالى بعدم بذل القدر الكافى فى مواجهة تهديد تفكك السوق، الذى من شأنه تلويث الاقتصاد المدمر بالفعل.

بعد شهر واحد من نشر إجراءات الطوارئ على مراحل متعددة، تجاوز البنك المركزى الأمريكى ما فعله أثناء الأزمة المالية العالمية سواء من حيث الحجم أو النطاق، ولا يقتصر قدرته على القيام بالمزيد بميزانيتها العمومية، على الرغم من المخاطر غير العادية التى يتخذها بالفعل.

بل إن هذا قد يكون محدودا برد فعل عنيف بدأ بالفعل بسبب الأعداد اللافتة للانتباه بما فى ذلك حزمة إضافية بقيمة 4.2 مليار دولار يوم الخميس الماضى، والتى تغذت على الرأى القائل بأنها تبذل الكثير بالنسبة لوول ستريت وأنها لا تفعل إلا القليل بالنسبة للشارع الرئيسى.

كما نشرت الحكومات بالفعل العديد من قوة النيران المالية التى كانت تتمتع بها بالفعل أثناء الأزمة المالية العالمية، وتضمنت برامج دعم الشركات والأسر، الناتجة عن مواصفات فترة زمنية ، توضح افتراضاً أساسياً مفاده أن القفزة المزعجة فى البطالة سوف تكون مؤقتة وقابلة للانعكاس فى الأغلب، وإن إفلاس الشركات على نطاق واسع سوف يتم تجنبه.

وإذا لم تتحقق هذه الافتراضات فمن المرجح أن تمتد البرامج دون تردد كبير، وتأتى التكاليف المتزايدة المترتبة على الميزانيات .

وفى حالة عمليات إنقاذ الشركات فإن ذلك يعنى تورط الحكومة فى أنشطة القطاع الخاص، وكلما طال أمد كل هذا كلما طال أمد الضرر المحتمل للإنتاجية والنمو فى المستقبل فى وقت ترتفع المديونية فى كل مكان.

كلاً من البنوك المركزية والحكومات تشجع المقرضين وأصحاب العقارات وغيرهم على التساهل عندما يتعلق الأمر بعدم قدرة عملائهم على تسديد الأقساط فى الوقت المناسب. وهذا أمر منطقى تماماً ليس فقط لتجنب مشاكل السيولة، بل أيضا من حيث الأولويات الاجتماعية المهمة، لكن كلما طال أمد حالة الإغلاق الاقتصادى كلما تعاظمت مخاطر تلوث القوائم المالية، الأمر الذى يجعل التعافى اللاحق أكثر صعوبة.

وفى استجابة لقوة النيران الهائلة التى نشرتها القطاعات العامة، ومواقف السوق المالية المتزايدة فى النمو، شعر المستثمرون بالارتياح لارتفاع أسعار الأصول بشكل حاد، وفى خضم هذه العملية يفضلوا فئات الأصول والشركات الأكثر خطورة، ومن المرجح أن يتناقض هذا مع بداية موسم الأرباح الفصلية الذى يتسم بـتعليق توجيهات أرباح أكثر تحديداً من قبل الشركات، والسرد العام الذى يجمع بين عدم وضوح الرؤية مع تحذيرات بشأن انخفاض كبير المخاطر، ومن ناحية أخرى سوف يستمر خطر انحرافات الشركات، وفى حالة الديون السيادية تتخلف الدول النامية عن السداد.

ويتجلى نفس الميل نحو “جولة واحدة” على المستوى المتعدد الأطراف، نأخذ صندوق النقد الدولى كمثال فى استجابته لدعم الدول الأعضاء يقوم بمعالجة أكثر من 90 طلباً للدول، للحصول على تمويل لحالات الطوارئ، ومن المحتمل، نظرا للحاجه إلى توفير الأموال بسرعة دون فرض أى شروط، تشمل العديد من الموافقات على القروض تركيزا أقل مما أصبح  أكثر استدامة للديون السيادية.

لا تنطبق الدعوة التى قدمتها المؤسسة بالتعاون مع البنك الدولى لتخفيف أعباء الديون على الدول الفقيرة إلا على الديون الرسمية، الأمر الذى يفتح الطريق أمام التغطية الجزئية للغاية، والدعم المتبادل الفعلى للدائنين الآخرين.

وهذه ليست سوى أمثلة قليلة لما يميل بشكل متزايد بشدة لصالح سياسة جولة واحدة واستراتيجية السوق، ومع ذلك فإن المؤشرات المتاحة لا ترقى إلى مستوى تهيئة الظروف المواتية لمثل هذه اللعبة.

وخاصة عندما يتعلق الأمر بالشكوك المرتبطة بمدة وشدة الثبات الاقتصادى وطبيعة إعادة التشغيل، والمشهد ما بعد الأزمة، وهذه العوامل الثلاث كمدخلات حاسمة. رغم تشجيعها للتقدم الكبير الذى أحرز فى أماكن عديدة لاخلال منحنى العدوى، إلا أنها تضطر إلى التعامل مع القضايا الصعبة المتمثلة فى متى وبأى طريقة لرفع متطلبات التباعد الاجتماعى والرد على المزيد من الإشارات خارج آسيا بشأن احتمال عودة المرضى المتعافين مرة آخرى.

وبالنظر إلى الخسائر البشرية الفعلية والمحتملة، فمن الطبيعى فقط أن يضطر القطاع العام إلى وضع مثل هذا الرهان على السياسة الاقتصادية والمالية الثقيلة على أن تكون فى الأساس لعبة جولة واحدة.

ومن مصلحة الجميع أن ينتهى الأمر بهذا الحال حقا وبسرعة، لكن من المؤسف أنه أصبح أملا أكثر من كونه اتفاق أو صفقة. وللإجابة على ذلك هو عدم الامتناع عن وضع الرهان، والواقع أننى غير قادر على اقتراح نهج آخر واسع النطاق مرغوب فيه وممكن فى هذه المرحلة، بل إننا جميعاً  نأمل فى انتقال سلس ومبكر للخروج من هذا الكابوس الصحى والاقتصادى.

دعونا نبقى على ذهن منفتح ونفكر الآن فى خطوات طارئة لتخفيف العواقب غير المقصودة، إذا ما انتهى بنا الحال إلى لعبة متعددة مستديرة مع سياسات محدودة وأكثر مرونة. وهو التحدى الذى ينطبق على كافة مستويات المجتمع، الحكومات والبنوك المركزية والشركات والأسر، وهو موضوع آمل أن أكتب عنه المزيد فى الأسابيع القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى