كورونا

“الحرب والوباء”..تشريح”المعاناة الإنسانية”

تُعرف الحروب بتأثيراتها التدميرية الهائلة، التي لا تتوقف فقط عند ما يُذاع في شبكات الأنباء، حول أرقام القتلى والجرحى فحسب. ولكنها تنطلق لتمس عصب الحياة الاجتماعية والاقتصادية لكل مواطني الدولة. بحيث نرى تأثيرات عدة تتحرك جنبا إلى جنب لترافق الحروب والنزاعات المسلحة، من ضمنها فقدان الآلاف لوظائفهم، وتعرضهم لحالة من شبه العزلة الإجبارية بفعل الحرب أو النزاع المسلح الذي عامة ما يشل حركة الجميع، بما في ذلك الأفراد والسيارات والأطقم الطبية، وما إلى آخره.

وعرفت البشرية من الحروب في تاريخها، ما يكفي لأن يملأ الآلاف من صفحات الكتب بلحظات متكاملة من الدموية والمعاناة التي لا يمكن لشخص أن يتخيلها أو أن يصفها. ولكن مع ذلك، لم تعرف البشرية –على مستوى عالمي- هذه الحالة من حالات الرعب والهلع المرافقة للحروب بنفس القدر الذي نرى بأعيننا كيف يتحقق اليوم بفعل تفشي الوباء. وللتمعن في طبيعة التأثيرات النفسية والاجتماعية المصاحبة لكل من الحروب والأوبئة وما يفرق بينهما من الممكن متابعة النظر في عدة جوانب، نستعرض بعضا منها كما يلي.

الاستجابة الاجتماعية لقتلى “النزاعات المسلحة” وقتلى “تفشي فيروس كورونا؟!

في كتابه بعنوان “صناعة القبول.. الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام“، شرح نعوم تشومسكي الطريقة التي تغطي من خلالها وسائل الإعلام –بوجه عام-  قصة ما بهدف تحقيق تأثيرات سياسية محددة مسبقا ، مؤكدا أنه من الصعب أن تنفصل الصحافة والإعلام عن مراكز صنع القرار والنفوذ والسلطة، وذلك بحكم تركيبة وبنيوية النظم القائمة. ضاربا بذلك عدة أمثلة، حول وسائل إعلامية كبرى حول العالم، يُشاع عنها تمتعها بمصداقية كبيرة لدى القراء ونجاحها في نشر وتداول قصص أكثر جرأة من دونها. ومؤكدا في الوقت نفسه على أن الهدف لدى جميع وسائل الإعلام الدولية المعروفة عادة ما يكون معتمدا بشكل كبير على وجود معلومات يطمح صانع القرار السياسي إلى تمريرها، وإخفاء معلومات أخرى تتعلق بجوانب محددة لا يرغب في أن تتأثر بها الشريحة الكبرى من الجماهير.  

وباختصار، يشرح لنا تشومسكي في كتابه، كيف من الممكن أن يتعرض عدد مهول من الأشخاص للقتل بشكل قسري وبكل عنف، ومع ذلك نرى كيف تمر الأنباء حول هذه الجرائم المروعة مرور الكرام على القراء بمجرد تناولها في الصحف. وفي الوقت نفسه، نرى ظهور تأثيرات إنسانية مبالغ فيها مع حجم كبير من التعاطف لدى الجمهور، بمجرد أن يتم تداول أنباء حول مقتل شخص واحد فقط.! والإجابة عن كل هذا باختصار، تكمن في تقصي الهوية السياسية للقتلى ومصالح الدولة صاحبة الوكالة الإعلامية في إظهار طريقة تعرض هؤلاء أو ما دونهم للقتل، أي أن هؤلاء القتلى لو كانوا على سبيل المثال من الدول التي تصنف باعتبارها من أعداء الولايات المتحدة، فمن الممكن وقتها أن نرى خبر قتلهم في فقرة صغيرة للغاية بأسفل آخر صفحات الصحيفة.

وفي حال كان هذا القتيل على سبيل المثال، يصنف إما من أصدقاء النظام الأمريكي أو أنه قد تعرض للقتل من قبل نظام يظهر العداء لواشنطن، ففي هذه الحالة ستركز جميع كبرى وكالات الأنباء على قصته وتناولها وتقديمها باعتبارها مأساة يجب ألا تمر مرور الكرام، ويجب أن يرافق الحديث عنها جر الذكر الى منظمات حقوق الإنسان التي قد يصل تصرفها في الكثير من الأحيان الى حد مطالبة طرف دولي بدفع تعويضات جراء ارتكابه هذه الجريمة التي يتم صياغتها وتقديمها للجمهور باعتبارها نكراء، في ذات الوقت الذي يتم فيه غض الطرف عن جريمة أخرى تفوقها بشاعة ودموية.  

وبهذه الطريقة تختلف موجات التعاطف والمعاناة والتأثيرات المختلفة لكل مجموعة من البشر وفقًا للانحيازات السياسية المسبقة. وبهذه الطريقة أيضًا قد نبدأ في التعرف على الأسباب الكامنة، وراء عدم انتشار حالة واسعة من الهلع العالمي بفعل الحرب في سوريا أو في اليمن على سبيل المثال بالمقارنة مع انتشار الوباء العالمي. فالأمر هنا ليس سيان على الرغم من أنه قد يبدو كذلك، إن المشكلة الرئيسية التي جعلت الصراع في سوريا واليمن بكل ما يشتمل عليه من آلام ومعاناة إنسانية تحمل في طياتها العزلة والقتل والدمار والمجاعات، وما خلفته هذه الصراعات من الآلاف من البشر اللذين تركوا منازلهم قسرًا واضطروا للرحيل الى المجهول باتجاه دولاً رفضت استقبالهم وأغلقت أمامهم الأبواب، ودولاً أخرى استغلتهم لصالح أغراض سياسية خفية لديها، لم تكن يومًا مشكلة إنسانية في مضمونها الحقيقي، ولكن في أصلها هي مشكلة تواصل وتوصيل معلومات. والسبب ببساطة يكمن في أن كبرى وسائل الإعلام الدولية وأكثرها قدرة على الانتشار والوصول الى الجمهور، لطالما عمدت على التخلي عن مصداقيتها في مقابل تنفيذ المصالح والأهواء السياسية لأنظمة دولاً بعينها، بالشكل الذي يمنح الصراع وأعداد القتلى زخم أكبر بشكل يتناسب طرديًا مع حجم وطبيعة مصالح صناع القرار، بغض النظر عن حجم المعاناة الحقيقي.

أما فيما يتعلق بالحروب والصراعات في دولاً مثل العراق وسوريا واليمن، لم يكن الأمر يومًا يتعدى كونه أكثر من مجرد حصيلة أرقام للقتلى والمصابون، والتي يتم إذاعتها بشكل يومي عبر شريط الأخبار المحلي في دولاً أخرى مثل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وعليه، وبشكل تلقائي كان من الطبيعي للغاية ألا يتأثر المواطن الأوروبي أو الأمريكي العادي بقتلى هذه الحروب، وألا يكترث كذلك بالتفكير في حقيقة أن وراء كل رقم من أرقام هؤلاء القتلى كان هناك قصة لإنسان ما تعرض للاغتيال بفعل ظروف قهرية فرضتها على بلاده الأهواء والمصالح السياسية للدول الكبرى، ونتج عنها أن فقد هو نفسه حياته وعانت تباعًا لذلك أسرته وكل محبينه وما إلى آخره من أشياء أخرى.

وعليه، يمكن تفهم جانب من أسباب انتشار حالة الهلع من الفيروس المستجد، والذي لا يقتصر فقط على كونه مجرد جائحة عالمية نالت من الدول العظمى والدول التي يُقال عنها –دول العالم الثالث- على حد سواء، وإنما يتركز في النظر الى حجم التغطية الإعلامية العملاقة التي حظي بها الفيروس بكل تفاصيله بما يشتمل على تناول أعداد الضحايا والمصابين بالتفصيل، بالإضافة إلى أنباء أخرى حول نقص المعدات الطبية وما إلى ذلك.  

الحرب والوباء.. تختلف الكوارث وتتشابه المعاناة  

من العادل كذلك، الاعتراف بأن الإعلام وحده ليس هو المسئول عن إشاعة الرعب حول العالم فيما يتعلق بهذه الكارثة المستجدة التي هبطت على الأرض فجأة من حيث لا يدري ولا يتوقع أحد. إنما تجدر الإشارة كذلك، إلى سرعة تفشي المرض وقوة انتشاره على مستوى عالمي. ولنا بتفسير هذا الأمر أمثلة كثيرة، نتناول منها على وجه التحديد –النموذج الأوروبي والأمريكي- فيما يتعلق بسرعة التفشي وما يرافقها من حالة الذعر الكبير. ونقول إن هذا ما يمكن أن نُطلق عليه –ذعر الأمر الواقع–  أو بمعنى يمكن وصفه بأنه الحقيقة التي ساهمت بنفسها في نشر الرعب.

ويذكر في هذا الصدد، أنه ولسنوات طويلة كانت أوروبا قد عرفت الحروب وما يرافقها من آلام واضطرابات اجتماعية واقتصادية ونفسية كثيرة، ولكن بفعل توالي الزمن وتبدل الأجيال والأحوال ومعاصرة سنوات طويلة لم تعرف فيها أوروبا سوى السلم والاستقرار، أصبحت ذكريات هذه المعاناة في طي النسيان خاصة مع توالي الأجيال الجديدة التي لم يحدث وأن شهدت أعينها شيئًا ولو بسيطًا من مشاهد الفقد وتكبد مرارة العزلة التامة التي ترافق الخلل الأمني المصاحب للحروب.

ولكن اليوم تبدلت الأوضاع، وفجأة استفاق أبناء السلم والرخاء ليجدوا أنفسهم في خضم لحظة مدهشة في رحم المعاناة الإنسانية، التي تحدث رغمًا عنهم، ويترتب عليها أن تنهار الحياة الطبيعية في أعتى الدول وأكثرها قوة وقابلية على التشدق بألفاظ حول أن أراضيهم سوف تظل دائما محمية من أي مخاطر، ومن أن أنظمتهم سوف تكون دائما قادرة على جلب مواطنيهم الى قمة الهرم الاجتماعي الدولي. إلا أن جميع الأوضاع انقلبت رأسًا على عقب، واكتسبت المأساة قدرة أكبر على بث الرعب في نفوس الجماهير بفعل انتشارها الحقيقي، وبفعل تحولها كذلك الى أمر واقع يمس قلب كل أسرة وكل عائلة تقريبًا في تلك الدول. والفارق يكمن فقط في اختلافات بسيطة، إذ أن العزلة هذه المرة أصبحت حالة إجبارية وهي اليوم ليست بفعل دواعي أمنية كما يحدث في حالة الحروب، ولكنها بفعل الخوف من عدو مجهول لا يُرى بالعين المجردة، وهو نفسه الذي تواصل وسائل الإعلام إخبارنا دائما أنه موجود خارج المنزل في انتظار ضحيته التالية.

نرى كيف تعرض ركب الحياة الطبيعية للشلل، وكيف ترتب على ذلك أن أصبح الجميع في عرضة للإصابة بالفقر المدقع. وهناك أيضًا من خسر وظيفته تمامًا، ولكن هذه المرة ليس بفعل الحرب كما هو الحال في الدول الشرق أوسطية المنكوبة، ولكن في قلب أوروبا وعلى أرض الولايات المتحدة الأمريكية، التي نجحت اليوم في إثبات مصداقية المقولة الشهيرة –أمريكا فوق الجميع- وأصبحت فوقهم بالفعل بعد أن احتلت مرتبة الصدارة في معدلات المرض والوفيات كذلك.

نرى كيف من الممكن أن تكون أقوى الدول وأكثرها تقدمًا، دولاً منكوبة على أراضيها وليس بفعل الحرب التي لطالما ظنوا أن قواهم سوف تحول دون وصولهم الى هذا المستوى، ولكن بفعل المرض الذي يترك خلفه قتيلاً في كل مكان يذهب إليه. والآن وفيما نحن نمضي في خضم تصورات كثيرة ومتتالية حول شكل النظام العالمي الذي سوف يلي أزمة تفشي فيروس كورونا، وجب أن نطرح سؤال آخر، ونقول هل من الممكن أن يسهم تفشي الفيروس وانتشار حجم المعاناة في تغيير نظرة وتفكير الأنظمة الغربية إلى طبيعة ما تمر به الشعوب الشرق أوسطية من معاناة بفعل الحروب الجارية عليها؟!

ولأن المعاناة والفقر والخوف وانعدام الشعور بالأمان، جميعها أشياء لا ننجح عادة في أن نخبر الناس عن مرارتها عنها، لأنها في الأغلب أشياء لن يشعر بها إلا من يعايشها بنفسه.  وفي هذا السياق، يمكن أيضًا أن نتفهم الأسباب وراء ما تبديه شعوب وأنظمة دول الشرق الأوسط من مشاعر تعاطف كبيرة تجاه الدول الغربية المنكوبة بفعل المرض. بحيث يمكن أن نقول، أنه وعلى الرغم من كل الشيء، قد ندرك الآن كيف لا يسع دولة أفريقية فقيرة ومعدمة أنهكتها النزاعات المسلحة المدفوعة من قِبَل –أيادي غربية- لها مصالح في إشعال فتيل هذا النوع من الحروب الداخلية، سوى أن تنظر الى أوروبا بعين الشفقة بل والأكثر من ذلك أن نراها تبادر الى مد يد العون والمواساة اليها إن أمكن.

والتفسير وراء ذلك، يكمن في أن ما نمر به من معاناة يغيرنا كثيرًا، يجعلنا أكثر رأفة ورحمة، ويمنحنا قدرا أكبر من الإنسانية التي لا ينبغي أن تتعرف في معاناتها الى جنسيات أو مصالح. والحقيقة أن لا شيء يوحد مصائر البشر بقدر المعاناة والمأساة، ولهذا السبب نأمل بعد انتهاء الأزمة بخير للجميع، أن يسهم هذا المرض المستجد بشيء ولو بسيط في منح –المساهمين والمستفيدين- في إشعال فتيل النزاعات المسلحة على أراضي دول أخرى بعيدة جغرافيًا عنهم، رؤية جديدة على حقيقة ما تُخلفه وراءها هذه الحروب. ومن يدري، قد يتضح في نهاية المطاف أن الوباء نجح في إصلاح ما أفسدته المصالح السياسية والأطماع الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى